يطغى خطاب التصعيد السياسي على ما عداه، ويتحسَّس العالم بأسره الخطر، عندما يواكب الكلام الحشد القتالي وما يعنيه من تهديد أكيد.
البدء من السياسة ليس اختياراً اعتباطيّاً، فالحرب كما قيل، سياسة بوسائل أخرى. ذلك أن لكل سياسة أهداف، ولكل حساب سياسي نقطة انطلاق ونقطة وصول. يحصل أن يكون الخيط الواصل بين النقطتين هادئاً وسلساً، ويحصل أن يكون على صورة نزاعٍ قتالي تدميري، يحمل معه ما يحمل من خراب... وفي جعبة العالم شواهد كثيرة، من أبرزها: حرب 1914، وحرب 1939، وما نجم عنهما من تحوّلات عميقة.
نبني على المقدمة لنشير إلى أن سياسة الولايات المتحدة الأميركية، بقيادة إدارتها الحالية، قد أعلنت حرباً عالمية ثالثة بسلاح الضرائب الجمركية، وبسلاح رغبة الاستحواذ على المزيد من الموارد الطبيعية. التوسّع المالي الضريبي، لم يلقَ الردّ المناسب من الشركاء، لكنه ظلّ ذا طابع "نقدي" وتوسّع الاستحواذ، اعتمد النموذج الفنزويلي، وها هو السياسي الأميركي يحاول تطبيقه على الأرض الإيرانية. أحادية التصرّف الأميركي، وأحادية رسم بيانات العلاقات الدولية، جعلت قائد التصرف، أي دونالد ترمب الآن، أحادي الفكرة والشرح والتعليل، فهو مرجع ذاته، وهو مصدر ذاته، وهو "الرائع" دائماً إذا جعل مخالفه "شيطاناً"، والرائع دائماً، إذا جعل الشيطان ذاته "ملاكاً". تقود الرئيس الأميركي جملة أميركية قديمة، تقول: "من يدفع يحمل". لذلك، كله لدى الرئيس موضوع بيعٍ وشراء... ودائماً وفق أصول وشروط الديمقراطية الأميركية!
عنوان الصراع المحتدم في الراهن، أميركي-إيراني، لا يخفى أن هذا العنوان يجمع الدولي والإقليمي، ويطلّ على المحليّ من نافذتين عريضتين، الأولى نافذة توسعيّة أميركية، والثانية نافذة إيرانية تحاول الثبات في مواقع نفوذٍ حصلت عليها، بغطاء واضح من الأميركي الذي يسعى إلى حرمانها من سياسة مدّ الأيدي إلى ما وراء حدود الجمهورية.
تحتل مهمّة إنقاذ المحلية الوطنيّة صدارة السياسة. يدرك النسق الرسمي اللبناني حدود القدرة الداخلية على النفاذ من شباك اصطياده من قبل "الصيَّادَيْن" الخصمين، ويدرك أيضاً حدود قدرته على السير عكس التيّار، الأميركي المطعّم غربيّاً، وهو يتقدم بشدّة اندفاع عالي الوتيرة.
النسق الرسمي ليس وحيداً في فهم حدود قدراته، بل تشاركه الأهليّات الداخلية هذا الفهم، لكنها لا تشاركه كامل بنود إدارته السياسية التي تمليها الأسباب القاهرة التي يدور ضمن دوامتها الفهم السياسي وأهله. تتسع الجملة لتقول، إنّ الرسمي اللبناني يبدو متقدّماً على جموع "جمهوره"، فهو إذ يُبدي حذراً محموداً تمليه الوقائع والموازين، يتوزع الجمهور على أطياف، يسلك في عدادها طرف يحبِّذُ اشتعال معركة، محدودة أو مفتوحة، يكون فيها الجانب الإيراني هو الخاسر الوحيد، مثلما يسلك في عدادها طرف نقيض يريد تجنيب إيران الحرب التدميرية، فإن حصلت، كان قرار هذا الطرف الانضمام إلى المعركة الدفاعيّة التي تخوضها إيران، دفاعاً عن وجود نظامها، وعن وجود من يتَّبع قولها السياسي، ويجتهد في سبيل جعله واقعاً ملموساً.
تقابل الطرفين المختلفين، يشكل معادلة فعلٍ ينفيه ردّ فعل، لذلك تصير المعادلة خوفاً يجمع طرفي المعادلة، وتكون النتيجة جموداً يكبح اندفاعه مساعدة إيران ومؤازرتها ميدانيّاً، ويكبح في الوقت نفسه "الأمركة" الخطابية السياسية، التي تؤازر الأمركة الميدانية.
في إزاء لوحة اختلاف الأداء "الفوقي" الذي يبدو منسجماً عموماً، ومسؤولاً وذا دراية سياسية عامة، يظهر الأداء "القاعدي" المعلن، هشاشة فهم مدقّق في معنى اللحظة العالمية- الإقليمية الخطيرة، كما يظهر أوهام حسابات سياسية، وأوهام فرصٍ تبدو دانية القطاف لمن يثابر على السير في مضمارها.
يفتقر النقاش، أو السجال المندلع بين أركان الأطراف الداخلية، إلى مرجعية قياسية تحدّد بوضوح ما هو المبدئي وما هو الواقعي، عندما تكون إمكانية الفعل في الحدث غير متوفّرة، وعندما تكون اليد السياسية والميدانية قصيرة، بحيث يجوز في واقع أهل هذه وتلك، قول الشاعر: "لا خيلَ عندَكَ تُهديها ولا مالُ...".
حال لبنان وشعوبه، هي حال قول الشاعر، لذلك ينتقل النقاش من سؤال ما هي النظرة التحليلية للوضع السياسي القائم، إلى سؤال ما الموقف من هذا الوضع وهو في حالة تحرّك بركانه، وما التصرف إذا ما قذف البركان ما في جوفه من عظيم الحِمَمِ والنيران.
بالنظر إلى كل الواقع المحيط الذي لا تخطئه عين، ولا تعمى عنه بصيرة، يستطيع لبنان فقط السعي إلى الفوز بتحييده، وبحياده. هذا شعار الواقع والواقعية، وما سواه سياسات مكابرة وسياسات حماسيّة وإرادويّة انكسرت مقوماتها بعد طوفان الأقصى الذي توقف في غزّة، وما زال على وتيرة اشتعال متفاوتة في لبنان.
لكن الحياد السياسي ليس حياداً مبدئياً، أي ليس انسحاباً من ميدان القول للمجرم إنه مجرم، وللمستعمر إنه مستعمر، وللناهب إنه ناهب... في هذا المقام، ترفع الأخلاقية انحيازها إلى كل ما اعترف به العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وتعلن انحيازها إلى كل سياسة تفضح التزوير الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية اليوم، وتشجب وتدين وتستنكر كل الأسطورة التوراتية التي أتاحت للصهيونية اغتصاب فلسطين وتشريد أهلها، سنة 1948، وتتيح لصهاينة اليوم، التطلع إلى تحقيق أسطورة إسرائيل الكبرى، إن لم يكن باحتلال واسع، فليكن باقتطاع واسع من هذا الوطن أو ذاك، وإن تعذر الأمران، فلتكن هيمنة شاملة، تنقل إسرائيل من واقع الدولة ضمن حدود مفروضة بالقوة والقهر، إلى دولة سيطرة وهيمنة محمولة على أحدث ما تنتجه المصانع الأميركية من قاذفات تكتيكية وقاذفات استراتيجية.
وفي سبيل وضوح معلن، تحتل الولايات المتحدة الأميركية الموقع المتقدم في صناعة التوتر العالمي، وهي اليوم، قاطرة العالم إلى حافّة حرب مفتوحة، مدفوعة بواقع أحوال اقتصادها المتعثر، وبواقع ديونها الخيالية، وبواقع فشل فرض نسخة الأمركة كنسخة هيمنة في السياسة وفي الاقتصاد وفي نمط العيش أيضاً.
في ظل هذا الوصف الواضح، يمكن لكل متابع سياسي، أن يعيد قراءة التوترات والحروب، في روسيا- أوكرانيا، وفي فنزويلا وفي العراق وأفغانستان، وفي الديار العربية، وسيجد، أي المتابع، أصابع أميركية تحرّك، ثم تلبس ثوب الوساطة، لكنها وهي تفعل ذلك، تمسك بمفتاح وقت فرض الهدوء، وبمفتاح ثمن الهدوء، وبمفتاح درجة الضعف للطرف الذي تأخذ بيده إلى شاطئ الهدوء.
على ما تقدم، السياسة الأميركية المعمول بها هي سياسة استغلال، وليست سياسة شراكة، وعلى الحالمين بشراكة، غير أخلاقية، مع الدولة العظمى الأولى عالمياً، أن يعيدوا تدقيق حساباتهم، فإن فعلوا، وجدوا أنفسهم على طاولة الفتات، أو في صفوف الذين يستغنى عن خدماتهم بعد أن تُنجز كل الأعمال. إذن، في مواجهة الحالات العدوانية، لا موقف غير موقف رفضها، وفي حالة تهديد سيادة بلدٍ ما والاعتداء عليه، لا موقف غير موقف رفض التدخل الخارجي في شؤونه، أيّاً كان هذا الخارج، وفي حالة النصب أو النهب أو فتح الحروب الاقتصادية، لا موقف غير موقف رفض الجشع والتصدي للسيطرة على الموارد الطبيعية، والدعوة إلى تكامل عالمي، وإلى شراكات اقتصادية بعيداً من كل احتكار أو استغلال.
بنود كثيرة من التي ورد ذكرها، تسري على الحالة الإيرانية، وعلى علاقتها بلبنان وبعدد من البلاد العربية.
في المجال الإيراني، نوجز فلا نردّد على غير طائل، ولا نسرد على غير واقع ملموس. المعضلة الأساسية مع إيران هي معضلة تصدير ثورتها، وهي أزمة تحويل بعض البلدان العربية إلى ساحات ملتهبة مرتبطة بها.
بوضوح معلن، وبموقف لا يحتمل الالتباس، على إيران أن تخرج من سياسة "التصدير" الثوري، وعليها أن تعلن وبوضوح أنها ستتبنى سياسات حسن جوار مع جيرانها في البلدان العربية، من اليمن إلى لبنان.
رفض التدخل في الشؤون الداخلية لكل بلد، نطلبه لإيران، لكننا نطلبه أيضاً من إيران، للبنان ولسائر البلدان.
بوضوح إضافي، لن تحوز إيران على التعاطف اللبناني أو العربي معها، ما لم تبلغ كل المعنيين بأن سياساتها التدخلية في الدواخل المجاورة، قد ولّت إلى غير رجعة. هكذا قرار يفيد الإيراني، ويفيد من يريدون فعلاً أن يكونوا جيراناً، ويسمح بالقول إن الإقليم الذي احتضن الحضارة العربية في زمن تحققها، قادر بما له من تاريخ مشترك بين شعوبه على إنتاج نسخة من حضاريّة حديثة جديدة.
والقول: ما دامت "العين بصيرة، واليد قصيرة"، فليكن الموقف المعمول به إدانة العدوان ذي الوجوه المتعدّدة وذي الأسماء المختلفة، ولتكن شهادة للحقّ الإنساني الأخلاقي، وهذا "أضعف الإيمان".




