الانتخابات في لبنان: ديمقراطيّة بالوراثة!

محمود وهبةالسبت 2026/02/28
10.jpg
عرفَ البلدُ عائلات سياسية رسخت حضورها النيابي في مناطق متنوعة (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

يطربُ الناخب اللبناني لعبارات عديدة تُضاف إلى السيرة الانتخابيّة لهذا البلد. "المرشح فلان يستكمل المسيرة"، "أتى ليحمل الأمانة"، "ها هو يرفع الراية"، "لا يبدأ من الصفر إنما يُكمل سيرة أجداده". ننظرُ إلى المرشح فنجدُ أنّه يحملُ اسماً معروفاً وسليلُ عائلة فلانيّة. يُعلن من هذا الاسم بالذات بلهجة واثقة، أنه يُكمل الطريق التي سار عليها من سبقوه، من العائلة طبعاً. هذه العبارات على بساطتها تختصر تحوّلاً عميقاً في معنى الانتخاب نفسه. فهل غدا فعلُ التداول الديمقراطي آلية لتثبيت ما يشبه البيت السياسي؟ 

تحملُ الانتخابات التي يتحضر اللبنانيون لها على اختلاف مللهم وأمزجتهم بصمة خاصّة، تكاد تكون لبنانيّة صرفة. بصمة تقومُ على تكرار المشهديّة نفسها في كلّ عرس انتخابي. لو قدّر الله وانسحبَ اسمٌ نجدُ في اللحظة ذاتها صعود اسم آخر من العائلة ذاتها. وكأنّ المقعد لا يتعدى فكرة الانتقال الهادئ، بمعنى أن المقعد هو جزء من التركة لهذه العائلة والإرث الرمزي.

الناخب اللبناني مدعوٌ للمصادقة على القرارات العائليّة، لا يمكن له أن يختار لأن العائلة قررت وأنت عليك أن تصدّق. مع ذلك لا أحد يجرؤ على القول بصراحة إنّ المقعد صار مُلكاً خاصاً، ولا أحد أيضاً يعترف بوجود توريث. كلّ ما يُقال يُغلَّف بتلاوين اللغة المستخدمة المحصورة في ثلاثيّة الاستمرارية، الأمانة والمسيرة.

المسألة لا تنحصر في حق أيّ مواطن بالترشّح. هذا أمر مفروغ منه، وحق طبيعي لا يُناقش. لكن كيف يمكن للفرص أن تتكافأ فعلاً؟ وكيف يُمكن للمراقب أن لا يفكّر أنّ الاسم العائلي تحوّل إلى برنامج سياسي؟ نعم، اسم العائلة هو البرنامج. لا داعي للاستغراب لأنّ الانتماء إلى بيت سياسي هو مدخل سهلٌ إلى البرلمان. هكذا نغدو أمام خلل يتعدّى الأشخاص والمرشحين إلى خلل في بنية كاملة تسعى وتُعيد إنتاج نفسها.

 

ظاهرة العائلات 

تمتدُّ جذور هذه الظاهرة إلى ما قبل الاستقلال عام 1943. حيثُ عرفَ البلدُ عائلات سياسية رسّخت حضورها النيابي في مناطق متنوّعة. لو أخذنا شمال لبنان مثالاً، لوجدنا أنّ آل فرنجيّة، وشخصيّتهم الأبرز سليمان فرنجيّة الذي شكّل بيته أحد أبرز نماذج الزعامة المتجذّرة في زغرتا. تخطّى حضور فرنجيّة النيابة وبلغ رئاسة الجمهورية نفسها عام 1970، ما رسّخ اسمه وعائلته كمرجعية سياسية.

الانتقال قليلاً إلى ما بعد الحرب الأهلية يكشف أنّ سيرة العائلة ومسارها استمرّ بقوة عبر حفيده سليمان فرنجية الذي تُرجم الفعل بالحضور الحزبي والنيابي حين يحالفه الحظ، محافظاً بذلك على تمثيل وحضور سياسي شمالاً لعقود. هذا الفعل كما هو يتخطى فكرة المصادفة الانتخابية، ليصل إلى حدود استمرارية الزعامة العائلية التي تتمرّس في إعادة إنتاج نفسها عبر التحالفات والتحولات.

 

النزول قليلاً نحو كسروان، تبرز لنا عائلة الخازن السياسية، التي تشكّل أحد أعمدة التمثيل الماروني التقليدي في المنطقة منذ القرن التاسع عشر. من هذه العائلة تعاقب نوّاب كثر على تمثيل القضاء برلمانياً، ضمن بوتقة واحدة تعكس نمطاً ثابتاً من انتقال المقعد النيابي ولكن داخل الإطار العائلي، مستنداً إلى أمر واحد فقط، هو الإرث الاجتماعي الإقطاعي، الذي بطبيعة الحال، يكون سابقاً على الدولة نفسها. 

هكذا وانطلاقاً من هذه الأمثلة يرى المتابع أنّ الناخب له الحق في أن يختار، وحتى في أن يترشّح. ولكن ذلك يحصل في مقابل أسماء تدخل المعركة الانتخابية محمّلة برصيد تاريخي وشبكات علاقات وخدمات تجعل المنافسة غير متكافئة منذ لحظة الانطلاق. إنّ توسعة النظرة إلى ما بعد الحرب الأهلية واتفاق الطائف، كفيلة بملاحظة أنّ هذه البيوت، على تنوّعها وأحجامها ومدى تأثيرها، استطاعت التكيّف مع المتغيرات الإقليمية والداخلية، من دون أن تفقد موقعها في الحياة النيابية.

 

المسار نفسه.. شيعياً

الظاهرة في البيئة الشيعية لا تختلف عن سابقتها. طبعاً مع الأخذ بعين الاعتبار، خصوصية مسارات هذه الطائفة وتحوّلاتها. فبروز بيت الأسعد منذ خمسينيات القرن الماضي، أدى إلى عمليّة احتكار تمثيل المقاعد النيابيّة الشيعيّة لعقود. زعامة أسرة سعد الدين الأسعد، التي حافظت على حضورها البرلماني قبل أن يتراجع البيت مع صعود قوى سياسية جديدة في الجنوب بعد الحرب الأهلية.

 

من جهة مماثلة، نجد أنّ آل الزين لعبوا دوراً متواصلاً في تمثيل المدينة. مع بروز المؤسس علي الزين كمرجعية محلية. هذا البيت بدوره حافظ على مقاعد محددة في البرلمان لسنوات طويلة، ما جعل منافسة الأسماء المستقلة صعبة للغاية، لا ننسى طبعاً النائب عبد اللطيف الزين الذي بقي في مجلس النواب لمدة تفوق 50 عاماً. 

 

ظاهرة نبيه بري

يتولّى نبيه بري رئاسة المجلس النيابي منذ عام 1992 حتى اليوم. هذه المدة شكّلت تحولاً كبيراً في السياسة الشيعية. فالرجل لم ينحدر من أسرة نيابية تقليدية كما في البيوتات الأخرى، لكنّه في استمراريّته وتحالفاته الحزبية والاجتماعية الذي كوّمها حول حركة أمل جعلت زعامته تتحوّل إلى كل جديد للوراثة السياسية المؤسسية. بمعنى آخر استمرار النفوذ داخل البيئة نفسها من خلال تيار أوحد.

يتّضح هنا أنّ الوراثة السياسية في البيئة الشيعية تتخذ شكل استمرار سلطة محلية وحزبية. وقد لا تعني بالضرورة وراثة الاسم نفسه. لكنها في نهاية المطاف توصل إلى النتيجة نفسها. إنتاج زعامة واحدة مغلقة.

 

البيت الواحد

ارتبطت الزعامة السنيّة بطبيعتها بشبكات مدينية وتجارية وعلاقات مع الدولة. يأتي ذلك منذ منتصف القرن العشرين حين برزت أسماء صائب سلام وتقي الدين الصلح وغيرهما. أسماء شكّلت مرجعيات سياسية في بيروت وضواحيها، لكن على الرغم من دورها المحوري فإنه لم يُنظر إليها بوصفها جزءاً من بيوتات عائليّة متصلة.  في الوقت الذي شهد شمال لبنان دوراً مركزياً  لرشيد كرامي في طرابلس انطلاقاً من شبكات اجتماعية واقتصادية توسعت معه ودارت حوله.

مجيء الرئيس رفيق الحريري شكل تحوّلاً حقيقياً ما بعد الحرب الأهليّة. الحريري الآتي من خارج البيوت السياسية التقليدية، والباني زعامته على شبكة اقتصادية مالية إقليمية، بعيداً من الإرث النيابي المباشر. هذه الزعامة أيضاً على غرار الآخرين، بدت كسراً لمنطق الوراثة، ولكنها ما لبثت أن أعادت إنتاج نفسها لاحقاً داخل العائلة حين تولي سعد الحريري قيادة المشهد السياسي السني منذ عام 2005، ما حصر الوراثة السنية في بيت واحد.

 

مرونة تنظيميّة درزيّة

يعودُ نسب العائلة الجنبلاطيّة إلى القرن السابع عشر. تمتد جذورها إلى هناك، وتمثل نموذجاً واضحاً للوراثة السياسية، لكنها رغم ذلك تختلف عن بعض البيئات الأخرى نظراً لتركيز الزعامة في بيت واحد مؤسس. في هذا السياق النهج الدرزي يمشي على وتيرتين: الاستمرارية العائلية والاستراتيجية الحزبية. فالناظر إلى البيت الجنبلاطي يرى أنّه لم يكتفِ بالحفاظ على اسم العائلة، إنما تخطى ذلك نحو إنشاء شبكة حزبية قوية (الحزب التقدمي الاشتراكي) تربط الناخبين بالقيادة بطريقة مؤسسية، وهذا ربما يقلل الاعتماد على الوراثة البيولوجية ويزيد من الزعامة المؤسسية.

ما يُمكنُ ملاحظته أيضاً، أنّ هذه الطريقة خففت من مخاطر الانحصار المطلق في شخص أو عائلة. فالحزب يسمح ببعض التداول داخل القيادة الحزبية، لكن المقعد النيابي يبقى غالباً مرتبطاً باسم العائلة. إذاً نحن أمام زعامة مقرونة بمرونة تنظيمية محدودة.

شبكة أمان

النظام الطائفي الهش، يبحثُ ناسُه عن ضمانة يجدونها في العائلة السياسية. فلهذه العائلات تاريخها وشبكاتها وعلاقاتها، وهي في كينونتها تقدّم نفسها بوصفها شبكة أمان. وبالتالي التصويت للاسم العائليّ المألوف يصبح، في نظر كثيرين، خياراً مهماً فيه مغامرة أقل وضمانات أكثر لأنّه ببساطة "لي بتعرفه أحسن من لي بتتعرف عليه".

شيئاً فشيئاً يُقفَلُ المجال العام، ويصبح السؤال عن البرنامج الانتخابي تفصيلاً، لأنّ الغاية الكبرى انحصرت في مدار الحفاظ على الموقع. لنفترض مثلاً أنّ الشباب الذين يحاولون دخول الحياة السياسية سوف يصطدمون بسقفٍ معروف. الرؤية لا تكفي، عليكَ أن تكون ابن بيت. من هنا تصير المقاعد محصورة ضمن دوائر ضيقة، ومن الطبيعي أن يضيق الهامش أمام الكفاءات المستقلة. وهذا يترجم بالتالي في البرلمان حين يتحوّل إلى حلقة مغلقة، تعيد إنتاج النخبة نفسها بأسماء "عائليّة" متقاربة.

مَنْ قالَ أنّ الديمقراطيّة هي صنيعة ثورات فقط وانقلابات صاخبة؟ يمكنُ لها أن تذبل وأن تفقدَ معناها كأداة للمحاسبة. يمكننا أن نراها في لبنان كيف تذبل بهدوء. البيوتات السياسية حوّلتها إلى طقس دوري لتجديد البيعة. الناخب يحقّ له في كلّ دورة محاسبة مرشحه لو لم يعجبه أداؤه وقصّر في سلسلة خدماته المنتظرة. لكن حصر المقعد في عائلة يجعله يُنقل بسلاسة من اسم إلى اسم ضمن الدائرة ذاتها. في هذه الحالة، متى يُفتح الباب فعلاً أمام مساءلة أو حساب؟ لا أحد يعلم!

الموضوع مرتبط بشكل أساسي بإرادة الناخب. ففي كل مرة يختار الناخب الاسم لمجرد عائلته، تتكرّس الظاهرة أكثر. ومن المفترض أن تكون الانتخابات مساحة مفتوحة، ليتنافس المختلفون والطامحون، ويعرضون رؤاهم وأدواتهم. حين تضيق هذه المساحة إلى حدود "البيت الواحد" تغدو الديمقراطية شكلاً بلا مضمون. بالطبع لا يمكننا منع أحد من الترشّح، لكن أن يتحوّل الأمر إلى احتكار غير معلن للفرص سيطرح أمامنا سؤالاً أخلاقياً وسياسياً. هذا المقعد للناس أم لسيرة العائلة؟ 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث