4 مؤشّرات خلال أيام: لبنان يقدّم "أوراق اعتماده" الإقليميّة؟

مانشيت - المدنالجمعة 2026/02/27
Image-1767389420
الحماسة اللبنانية لبعض المسارات الإقليمية لا تراعي دائمًا أن اللاعبين الكبار أنفسهم أعادوا حساباتهم. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

يوحي الحراك الدائر في الأقنية الدبلوماسية بأن مسارات لبنان ليست مسدودة كما تبدو على السطح، وأن لبنان الرسمي قد بدأ فعليًا بصياغة "أوراق اعتماده" للنظام الإقليمي الجديد. 

1- إن إعلان لبنان الانضمام إلى مبادرة "ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا" (IMEC) هو بيان سياسي ورسالة واضحة إلى الأميركيين والعرب: "نحن جزء من الحل، ولسنا مجرد ساحة للصراع". وهذه الخطوة، التي تتقاطع مع رغبة إسرائيلية ملحة، يبدو أنها "الجزرة" التي يقدمها لبنان إلى المجتمع الدولي مقابل مطالبته بالتزام إسرائيل التام باتفاق تشرين الثاني 2024. 

2- ​جاء الموقف المفاجئ لحزب الله، بتأكيد عدم نيته التدخل في أي مواجهة إيرانية-أميركية إذا بقيت "محدودة"، ليعطي الدولة اللبنانية أقوى أوراقها التفاوضية. وهذا الموقف يعني عمليًا ​تسهيل المرحلة الثانية من عملية حصر السلاح وانتشار الجيش شمال الليطاني، ولكن بعد إغلاق الملف الإيراني. 

3- جاء كلام الرئيس نواف سلام عن دور للميكانيزم شمال النهر ليشير إلى أن المراحل المقبلة من عملية حصر السلاح ستكون مغطاة أميركيًا. 

4- ​لا يمكن قراءة اجتماع القاهرة التحضيري، الذي ضم قائد الجيش والمدير العام لقوى الأمن، إلا كونه المدخل العملي لمؤتمر باريس في 5 آذار. وفي القاموس السياسي، لا تعقد اجتماعات تمهيدية بهذا المستوى الرفيع لو لم يكن هناك حد أدنى من الضوء الأخضر الأميركي، وتفاهمات مسبقة تضمن أن يكون مؤتمر باريس منصة لتمويل "جيش المرحلة المقبلة" الذي سيتحمل عبء حصر السلاح. 

ومن الواضح أن هناك تفاهمات نضجت خلال زيارة قائد الجيش رودلف هيكل لواشنطن تؤكد أن ثمة خارطة طريق وُضعت، قوامها: الاستقرار مقابل الانخراط في مشاريع الازدهار الإقليمي. 

​إذًا، لبنان حاليًا في وضعية "التأهب الإيجابي". فالتفاهمات في الأقنية الدبلوماسية توحي بأن "اليوم التالي" لحسم ملف إيران، سواء بالضربة الكبرى أو بالتسوية الكبرى، سيشهد انطلاقة لتنفيذ برامج الترتيبات الأمنية عبر الميكانيزم، وصولًا إلى المفاوضات المباشرة برعاية دولية وعربية.

 

لبنان يُسجّل حضورًا في الإقليم الجديد

خبر جولة المبعوث الفرنسيّ جيرار مِستراليه لمبادرة "الممرّ الاقتصاديّ بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" لم يكن مجرّد تفصيلٍ دبلوماسيّ عابر، بل إشارةٌ إلى أنّ باريس تتحرّك على خطّ إعادة ترتيب الخرائط، وأنّ لبنان يُستدعى إلى الطاولة، لا بصفته متلقّيًا للمساعدات فقط، بل طرفًا في مشروعٍ يُراد له أن يصبح عنوان المرحلة المقبلة.

فـ"الممرّ" الذي تأخّر بفعل حرب غزّة، عاد اليوم كفكرةٍ سياسية واقتصادية، تُغري بعض العواصم وتقلق أخرى. هو ليس سكةَ تجارةٍ فحسب، بل منصّة لتثبيت توازناتٍ جديدة: إدخال إسرائيل في البنية الاقتصاديّة للمنطقة، تحويل المرافئ والطرق إلى أوراق نفوذ، وتقديم الهند كلاعبٍ صاعد في مواجهة الصين، في موازاة تحجيم مساراتٍ تاريخيّة كقناة السويس والبحر الأحمر.

هنا تُطرح المسألة اللبنانيّة على نحوٍ أكثر حدّة: هل يدخل لبنان هذا المشروع ليكسب موقعًا، أم ليدفع أثمانًا؟ وهل يُمكنه الانضمام إلى "الخيار" من دون أن يتحوّل إلى رأس حربةٍ في مواجهة شركاء إقليميّين آخرين، كتركيا وسوريا، في لحظةٍ تتبدّل فيها التحالفات بسرعة؟

 

حزب الله: مراجعة، مأسسة، وتبديل في الأدوار

في الموازاة، كان السؤال الأكثر تداولًا في الكواليس: ماذا سيفعل حزب الله إذا اشتعلت مواجهةٌ كبرى ضدّ إيران؟ لوقتٍ طويل، فضّل الحزب الصمت، أو تأجيل الجواب، واضعًا ثقل الموقف في يد رئاسة الجمهوريّة. لكنّ المؤشّرات المتداولة تُظهر أنّ الحزب، كما طهران، يميل إلى تسويةٍ تُدار بالتفاوض لا إلى حربٍ مفتوحة، مع استعدادٍ ميدانيّ لأيّ احتمال، ولكن بلا اندفاعٍ إلى "مغامرةٍ غير محسوبة".

المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة، ولا سيّما انتقالها إلى طابعٍ مباشر، رفعت منسوب الترقّب. وفي مثل هذه اللحظات، يتصرّف حزب الله كقوّةٍ تُعيد ترتيب بيتها: مراجعة لتجربة الحرب وما تلاها، استخلاصٌ لما يمكن إعلانه وما يُترك داخل الحلقة الضيّقة، وورشة تغييرات داخليّة واسعة، تبرز فيها أسماء جديدة وتتراجع فيها أدوار أخرى، في مسعى واضح إلى تحويل التنظيم من منطق "الشخصنة" إلى منطق المؤسّسات، وتوزيع الصلاحيّات، وضبط الإيقاع.

لكنّ أيّ تعافٍ كامل يحتاج وقتًا، لأنّ الحزب لا يزال يتعامل مع نفسه كطرفٍ في صراعٍ مفتوح، حتى لو تغيّرت أدواته وأولويّاته.

 

باريس 5 آذار: مؤتمر "جيش المرحلة المقبلة"

اجتماع القاهرة الذي جمع قائد الجيش ومدير عام قوى الأمن الدّاخليّ، ثمّ التحرّكات في بعبدا ووزارة الخارجيّة، ليست بروتوكولًا. إنّها سلسلة خطوات تسبق مؤتمر باريس في 5 آذار، الذي يُفترض أن يكون منصّة تمويل ودعم للمؤسّسات الأمنيّة. وفي السياسة، لا يُرفع هذا النوع من الملفّات إلى هذا المستوى من دون إشاراتٍ دوليّة، ومن دون تفاهماتٍ مسبقة على وظيفة المؤتمر: تعزيز قدرة الجيش وقوى الأمن، باعتبارهما عماد "المرحلة المقبلة"، ولا سيّما إذا كانت الدولة تتّجه، تدريجيًّا، إلى استكمال مسار حصر السلاح وضبط الانتشار.

بمعنى آخر، باريس ليست موعدًا تقنيًّا، بل حلقة في خريطة طريق تُسَوِّق معادلة: استقرارٌ ممسوك أمنيًّا، مقابل إدخال لبنان في مشاريع الإقليم الاقتصادية.

 

الانتخابات: ترشيحات تتكاثر

في الداخل، ترتفع وتيرة الترشّحات مع اقتراب المهل القانونيّة، وتتزايد المؤشّرات إلى أنّ المعركة لم تُحسَم بعد. اللوائح لا تزال قيد التشكل، والتحالفات قابلة للتبدّل، والتنافس على الأصوات التفضيليّة يفتح باب المفاجآت في أكثر من دائرة.

لكنّ العامل الحاسم يبقى خارجيًّا بقدر ما هو داخليّ: ما ستُنتجه التسويات الإقليميّة، وما ستقرّره العواصم حول "اللحظة المناسبة" للانتخابات. فموعد أيّار يبدو ثابتًا على الورق، لكنّه في الممارسة السياسيّة قد يصبح قابلًا للتأجيل إذا اشتبكت الشروط بالسقوف.

لبنان يتحرّك بين ثلاثة مسارات تتشابك ولا تنفصل: "الممرّ" بوصفه عنوان التموضع الاقتصاديّ، "السلاح" بوصفه مفتاح الاشتباك الداخلي والخارجيّ، والانتخابات بوصفها صندوق إعادة تركيب السلطة. وبين هذه العناوين، يبرز رهان الدولة على "التأهّب الإيجابيّ"، أي التقاط فرصة التسويات الكبرى، وحجز مقعدٍ في الإقليم الجديد، شرط ألّا يتحوّل المقعد إلى فاتورةٍ جديدة تُدفع بلا ضمانات.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث