العفو العام إلى الواجهة: هل يتجاوز حسابات السياسة والطائفية؟

فرح منصورالجمعة 2026/02/27
C:\Users\Rainbow10\Desktop\201506\pic\سجن رومية 3.jpg
رئيس الجمهورية جوزاف عون طلب من المعنيين والقضاة تجهيز مسودة لقانون العفو من أجل حل أزمة السجون اللبنانية. (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

أحال رئيس مجلس النواب نبيه بري اقتراح قانون العفو العام إلى اللجان النيابية المشتركة لدرسه. بحسب معلومات "المدن"، أن رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال استقباله النائب العام التمييزي جمال الحجار يوم الأربعاء الماضي شدد على ضرورة إيجاد حل لوضع السجون واكتظاظها مستفسراً الحجار عن السبيل للحل فكان جواب النائب العام التمييزي أن الحل الأفضل يكمن في إقرار قانون للعفو العام عن عدد من المحكومين والموقوفين مع بعض الاستثناءات. عندها طلب بري من عرض آخر اقتراح قانون بهذا الشأن إلى اللجان النيابية، وبالفعل فقد تمت إحالة اقتراح القانون الأخير الذي قدّمه النائب فيصل كرامي للعفو العام في 10 شباط الجاري على أن تجري مناقشته قريباً. وعلمت "المدن" أن المداولات الأولية لقانون العفو تشمل المحكومين والموقوفين بجرائم متعددة، قد يُستثنى منها الحقوق الخاصة مثل القتل الجنائي وقتل العسكريين وجرائم الاغتصاب. 

 

العوامل المؤثرة

دائماً ما يستظل إقرار قوانين العفو في لبنان متغيرات سياسية كبرى، ويأتي مقروناً بتسويات سياسية معينة فتختلط فيها حسابات القضاء بالسياسة.

واليوم، تتوفر عوامل سياسية وتقنية وإنسانية تجعل قرار العفو العام لا بد منه خصوصاً مع انتخاب رئيس جمهورية وعهد جديد. أبرز تلك العوامل سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وانكفاء دور محور إيران في المنطقة بشكل عام بعد حربيْ غزة والـ66 يومًا في لبنان. يُضاف إلى ذلك الوضع الإنساني الصعب في السجون اللبنانية المكتظة بالسجناء بشكل يفوق قدرتها الاستيعابية، مع تفشٍ الأوبئة والأمراض  فضلاً عن تصاعد تحركات أهالي السجناء الإسلاميين في الشارع، وفي أكثر من منطقة لبنانية، وصعد أهالي الموقوفين والمطلوبين من منطقة بعلبك – الهرمل جولاتهم مطالبين بإطلاق سراح أبنائهم.

 

عون وبرّي مع العفو

لم يكن اللقاء بين بري والقاضي الحجار الوحيد الذي تطرّق إلى العفو العام. إذ علمت "المدن" أن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون كان قد طلب من القضاة المعنيين العمل على مسودة لقانون العفو، مشدّدًا على أنّ أي قانون في هذا الإطار ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الحرص على دماء العسكريين والمؤسسة العسكرية.

في حديثٍ لـ"المدن"، أفاد عضو كتلة اللقاء الديمقراطي النائب بلال عبد الله  إنّه لدى مجلس النواب الكثير من مشاريع العفو في أدراجه، ولكن حتى الساعة لم يصل أي مشروع عفو جديد إلى لجان المجلس لدراسته. كما أن الانقسامات السياسية والطائفية بين الأحزاب غالبًا ما تؤدي إلى عرقلة إقرار العفو، مستبعداً أن يقرّ أي قانون للعفو في البرلمان طالما أن مقاربة هذا الملف لا تزال تحت سقف الحسابات الطائفية والسياسية. وبرأيه أن حل هذا الملف ينبغي أن يكون من منطلق إنساني وحقوقي، وحينها يكون مجلس النواب جاهزًا لإقرار القانون الذي يؤدي إلى تهدئة سياسية، ومعالجة قضية اكتظاظ السجون.

 

الحسابات السياسية: انتخابات وطائفية

قد تجد القوى السياسية نفسها مضطرة للعمل على إقرار قانون العفو، أو على الأقل إعادته إلى طاولة النقاشات السياسية - التقنية مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية، بالنظر لما يمثله إقرار هذا القانون في دوائر انتخابية عديدة مثل طرابلس وعكار والبقاع الأوسط وبعلبك - الهرمل، لكن معوّقاتٍ عديدة تصاحب العمل على إقراره، وليس مستبعداً أن نكون أمام تجربة شبيهة بما حصل في أيار عام 2020، حين سقط قانون العفو المقترح بالتصويت في مجلس النواب بسبب الخلافات السياسية والطائفيّة حول نوعية الجرائم التي يشملها القانون.

يؤكد مصدر قضائي لـ"المدن" أن العقبات الأساسية التي أدّت إلى سقوط مقترح أيار 2020 لم تُذلّل بعد. إذ إن القوى السياسية اليوم تعمل على مقاربة العفو العام من الزاويتين الانتخابية والطائفية لا الحقوقية والقانونية. فموقف نواب الثنائي حركة أمل وحزب الله لم يتغيّر لجهة رفض العفو الشامل عن الفارين إلى إسرائيل بعد تحرير عام 2000. وهذه الفئة تُصرّ القوى السياسية المسيحية المتمثلة بالقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر وحزب الكتائب على إدراجها ضمن أي قانون عفو كشرطٍ للموافقة عليه.

كما أن المتغير السياسي في الإقليم بعد سقوط نظام بشار الأسد وتغير موازين القوى جعلت العفو عن تجار المخدرات أصعب من ذي قبل. قد يكون ملف الإسلاميين وحده الأكثر استفادة من المتغيرات السياسية، لكنّ اتهام قسم وازنٍ منهم بالقتال ضد الجيش أو ارتكاب أعمال تفجير في الفترة بين عامي2013 و2015 في الضاحية الجنوبية وبعض مناطق البقاع، قد تجعل نواب الثنائي أكثر إصرارًا على استثناء هؤلاء بالإضافة إلى المتهمين بقتل العسكريين.

 

لذلك يبحث المعنيون إلى جانب مقترح العفو بعض الحلول البديلة، أبرزها تخفيض السنة السجنية إلى 6 أشهر ولمرّة واحدة فقط للجرائم المرتكبة قبل إقرار هذا التعديل إن حصل، مع ذكر استثناءات لا تختلف عن تلك المذكورة. لكن حتى هذا المقترح يلقى بعض الاعتراضات في الجسم القضائي.

 كما تدرس السلطات القضائية تفعيل العمل بالمادة 108 من أصول المحاكمات الجزائية، ما يؤدّي في وقت قصير إلى الإفراج عن مئات الموقوفين اللبنانيين والسوريين المتهمين بارتكاب جنح وجنايات مختلفة.

قد يكون تسريع المحاكمات خطوة تنفس الاحتقان داخل وخارج السجون، لكنها لن تكون العلاج الذي يُؤديه العفو العام على الصعيديْن السياسي والإنساني، خصوصًا أن الإفراج المنتظر عن الدفعة الأولى من المحكومين السوريين سيؤدي إلى رفع الصوت أكثر وسط الموقوفين والمحكومين اللبنانيين من مبدأ العدالة الانتقائية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث