الجو بارد فوق العادة. ليس الطقس بل الانتخابات. في مثل هذه الأيام، قبل إقفال باب الترشيحات بأسبوعين، كان عدد المتقدمين يصل عادة إلى 700 أو 800 مرشح، أما اليوم فبالكاد تجاوز العدد عتبة الثلاثين.
في ظل هذه البرودة المهيمنة، بدت الماكينات الانتخابية كأنها أُطفئت، باستثناء ماكينة حزب "القوات اللبنانية" التي تعمل كأن الانتخابات ستجري غداً، وماكينة "حزب الله" المستنفرة إلى أقصى الحدود على الأصعدة كافة، بفعل التحديات الحاسمة التي تنتظره في المرحلة المقبلة. أما الباقون، فقد غرقوا في التأمل بعدما أعلن الرئيس نبيه بري أن لجنة الدول الخماسية طلبت تأجيل الانتخابات.
كيف السبيل إلى التمديد؟
ولكن مهلاً، فالسفير الأميركي ميشال عيسى ينقل لمن يلتقيه أنه لم يطلب التأجيل من الرئيس بري، وكذلك فعل بقية سفراء اللجنة الخماسية. ومع مرور الأيام، يتبيّن أن هناك عدم اهتمام خارجي فاقع بملف الانتخابات؛ إذ ينصبُّ جلّ اهتمام الدول المعنية بالشأن اللبناني على تطبيق قرار الحكومة بحصر السلاح في يد الجيش والأجهزة الأمنية الشرعية، وتأمين سبل تسليح الجيش وتقويته، ومحاولة تجنيب لبنان كوارث حرب أخرى، بالتوازي مع حملة عسكرية محتملة، أميركية-إسرائيلية على إيران.
يرافق غياب الاهتمام الخارجي ضياع داخلي كبير حيال الخطوات الواجب اتخاذها، سواء في حال فرضت التطورات التأجيل -ولا سيما السبل القانونية لتمديد ولاية مجلس النواب الحالي منعاً للوقوع في الفراغ- أو في حال نجحت المفاوضات الأميركية-الإيرانية، أو استمرت لزمن يتجاوز مهلة الأسبوعين المتبقية لتقديم الترشيحات.
بتعبير آخر: ماذا لو دهمت المواعيد الدستورية الجميع على غفلة، وفرضت عليهم الذهاب إلى الانتخابات قبل الاستعداد لها كما ينبغي؟
يرجّح سياسيون يتابعون التطورات بقلق، أن "حزب الله" سيحصد من خلال تحالفه "الثنائي" مع حركة "أمل" المقاعد الشيعية الـ 27، يُضاف إليها ربما أربعة نواب سُنّة وأربعة مسيحيين، وذلك بسبب حالة التشتت في قوى الداخل المنافسة، ولا مبالاة الخارج بهذا الاستحقاق مقارنة بضخامة التغييرات المرتقبة في المنطقة.
ولكن، ما نفع التغييرات الخارجية أو حتى التطورات المتعلقة بسلاح "الحزب" -المُهدّد بتدمير ما تبقى منه- في مقابل إعطائه ورقة تمثيل الطائفة الشيعية كاملاً، مضافاً إليها تمثيل جزء من السُنّة والمسيحيين لأربع سنوات جديدة في البرلمان؟
يجدر التوقف هنا عند حقيقة أن المدة المتبقية لا تكفي لتستعد الشخصيات والتجمعات السياسية الشيعية المناهضة للحزب لخوض معركة انتخابية، ولو رمزية، حتى في دائرة كسروان-جبيل.
الحيرة والضياع الماثلين اليوم في البيئات السياسية، يشبهان ما عرفه لبنان عشية الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة في بداية عهد الرئيس جوزف عون. حينها، كان الجو يتجه لإعادة تسمية الرئيس نجيب ميقاتي، أو النائب فؤاد مخزومي بحظوظ أقل، وفجأة انبرت مجموعة من "النواب التغييريين" وسمّت القاضي سلام، وانضم إليهم رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل وكرّت السبحة. بصرف النظر عن العوامل المؤثرة آنذاك، يبقى الأبرز هو خوض المعركة بارتجال ومن دون تنسيق مسبق، وما كانت لتنجح لولا "استفاقة" خارجية وداخلية لاستغلال فرصة التغيير.
السيناريو نفسه مرشح للتكرار، بحيث يربح "الحزب" في البرلمان من حيث لا يتوقع، في حين يخسر على الجبهات الأخرى.
بين شروط بري وموقف بعبدا والسرايا
حتى اليوم، لا تظهر خريطة طريق واضحة لدى المسؤولين تشكل "تخريجة" قانونية للتمديد إذا فرضته الظروف. فرئيس الجمهورية جوزف عون يرغب بقوة في إجراء الانتخابات بموعدها التزاماً بقسمه، ولرغبته في العمل مع حكومة جديدة، لذا لن يطرح التمديد بنفسه. أما رئيس الحكومة نواف سلام، فسيصعب عليه إمرار طلب التمديد مجلس الوزراء في ظل معارضة "الحزب" و"القوات". بدوره، ينتظر الرئيس بري مشروع قانون من الحكومة، لكن لا ضمانات بأن يدرجه في الدورة الاستثنائية (2-16 آذار)، وفي حال السير به، فلن يقبل بتمديد لأقل من سنتين لإتاحة المجال لوضع قانون جديد وتطبيق إصلاحات "الطائف"، وفي مقدمها الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية ومجلس الشيوخ واللامركزية الإدارية.
طعن عبده سعادة... هل يكون المخرج القانوني الأخير؟
بالطبع، إذا نشبت حرب في المنطقة فستتغير المعطيات كافة وتفرض اعتماد أي وسيلة لتفادي الفراغ. أما إذا طالت المفاوضات واستمرت الحسابات الصغيرة داخلياً، فقد يكون الحل عبر قبول مجلس شورى الدولة طعناً في مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، قدمه رئيس "تجمع أصحاب المولدات" عبده سعادة، معترضاً على إلغاء الدائرة 16 وحرمان المغتربين من تمثيلهم المباشر بـِ 6 نواب.
سعادة أعلن أنه ليس مرشحاً، وسبق أن ترشح في دائرة بعبدا ونال عشرات الأصوات. كان قريباً من الوزير الراحل إيلي حبيقة خلال الحرب وبعدها. وبحكم عمله في مجال المولدات عمل مع "التيار الوطني الحر" الذي تسلم وزارة الطاقة مدة طويلة، إلى أن أنشأ حزبه الصغير الخاص. لكن كل هذا ليس مهماً. المهم انه ربما قدم من حيث لا يدري مخرجاً لوقف تنفيذ مهل الانتخابات والتمديد للمجلس، أو لمشاركة اللبنانيين غير المقيمين في الاقتراع للـ 128 نائباً، فتحصل انتخابات تخدم مصلحة "حزب الله" وجزئياً "القوات".




