تتأرجح المنطقة على خيط رفيع ممدود بين سلطنة عُمان، حيث تُطبخ المحاولة الأخيرة لتفادي الانفجار، وغرف العمليات في تل أبيب وواشنطن، حيث يقال إن "خرائط الأهداف" باتت جاهزة وتنتظر "الساعة الصفر". وفي قلب هذا المخاض، يعيش لبنان وضعية الترقب، علماً أنه تنفس الصعداء جزئياً نتيجة رسائل التهدئة التي صدرت أمس عن حزب الله. على الرغم من سلسلة الغارات العنيفة التي طالت اليوم البقاع بين شمسطار وحربتا وبوداي، وقبلها استهداف لحرش علي الطاهر في قضاء النبطية، ورسائل التصعيد الإسرائيلية المستمرة للتفاوض تحت النار.
وكان لافتاً إطلاق الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط تحذيراً "من منتصف آذار"، وأرفق ذلك في منشور على منصة إكس، بصورة رمزية تُظهر تمثالاً أسطوريًّا يلفظ النار.
هذا المناخ السياسي كان اليوم مدار نقاش اليوم بين رئيس الحكومة نواف سلام والسفير الأميركي ميشال عيسى في السراي، الذي سربت مصادره أن لقاء الرجلين تناول ملف دعم الجيش. وهو يأتي قبل أسبوع تقريباً من الموعد المقرر لمؤتمر باريس. ويتحدث سلام في السادسة مساء اليوم عن ثوابت الموقف الرسمي في إطلالة عبر تلفزيون لبنان.
في المشهد الإقليمي، ظهر في عُمان اليوم أن إيران تحاول تقديم إغراءات اقتصادية إلى المفاوض الأميركي، في مسعى إلى مخاطبة عقلية دونالد ترامب "رجل الصفقات" والاستثمارات، وفي المقابل، هي تطلب ملاقاتها إلى منتصف الطريق في ملفي النووي والبالستي. وهي تأمل في أن تغري واشنطن بـ "نصر دبلوماسي واستثماري" بدل الذهاب إلى الحرب. ولكن، في المقابل، يترصد بنيامين نتنياهو المفاوضات، ويرى أن أي اتفاق "وسطي" هو بمثابة حقنة إنعاش لنفوذ إيران الإقليمي. ولذلك، هو يدفع إلى "الضربة الصاعقة" التي لا تستهدف المفاعلات فحسب، بل تقوض قدرة طهران على التأثير طوال جيل كامل، وهذا الخيار يجد صدى قوياً في أروقة "صقور" الإدارة الأميركية.
إزاء هذا الموقف الإقليمي المثير للقلق، شكل موقف حزب الله بعدم التدخل العسكري، إذا كانت ضربة إيران محدودة، بمثابة نقطة تحول في المشهد. فللمرة الأولى، يلمح الحزب بهذا الوضوح إلى إمكان فصل الساحة اللبنانية عن ساحة الإقليم، ما منح الدولة اللبنانية هامشاً مقبولاً للمناورة ديبلوماسياً.
وفي أي حال، يسيطر الجمود على الملفات الداخلية، بعد يومين شهدا اجتماعاً تحضيرياً لمؤتمر دعم الجيش في القاهرة واجتماعاً عسكرياً للميكانيزم في الناقورة، وإعلان لبنان استعداده للدخول في مبادرة الممر الاقتصادي، الهند، الشرق الاوسط، أوروبا. لكن اللافت اليوم كان توقيع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام على مرسوم فتح دورة استثنائية لمجلس النواب في النصف الأول من آذار. وهذه الخطوة قد تنطوي على رسالة سياسية بالغة الأهمية، بوصفها صمام أمان دستوري. ففتح الدورة في هذا التوقيت يوفر الغطاء الضروري لاتخاذ قرار بالتمديد للمجلس الحالي، إذا تقرر ذلك.
ومن المرتقب أن تستمر وضعية التجميد حتى تظهر ملامح المرحلة الجديدة في الشرق الأوسط. ولذلك، يمكن أن يكون مؤتمر 5 آذار المقرر عقده في باريس رهينة "البرودة" الدولية والإقليمية. وكذلك لجنة "الميكانيزم". وتتحسب الدولة اللبنانية لأي سيناريو محتمل: فإذا نجحت صفقة ترامب- طهران، سيكون لبنان أمام مفاوضات مباشرة وقاسية لترتيب وضعه. وأما إذا وقعت الضربة، فالتمديد للمجلس ولملمة الوضع الداخلي سيكون الخيار الضروري وسط الفوضى الإقليمية المقبلة.
تأمين موارد
حياتياً، رأس رئيس الحكومة نواف سلام جلسة لمجلس الوزراء تركزت على تأمين موارد اضافية للخزينة. وخلالها، تمت الموافقة على تفعيل الجباية المالية والجمركية. وقال وزير الاعلام بول مرقص خلال تلاوته مقررات الجلسة: أقريّنا معظم جدول الأعمال وتوقّف المجلس عند العرض المقدّم بشأن تحسين الإيرادات على نحو كبير ومكافحة التهرّب الضريبي. كما وافق مجلس الوزراء على طلب وزارة الاعلام تشكيل لجنة وزارية تضم إلى جانب وزير الاعلام سائر الوزارات والادارات والهيئات المختصة لإعداد خطة وطنية شاملة تهدف إلى ترشيد استخدام الانترنت وتطبيقاته كافة للأولاد دون سنة معينة.
لا تأجيل
أما انتخابيا، وقبيل الجلسة الحكومية ايضا، قال وزير الداخلية أحمد الحجار "ارتفع احتمال حصول الانتخابات النيابية في موعدها وبلغ عدد المرشحين 30 حتى مساء أمس، والوزارة لم تتبلغ أي طلب خارجي بتأجيل الانتخابات وهي ستحصل في موعدها على أفضل ما يرام".
ليس بعيدا، صدر ظهر اليوم المرسوم الرقم 2591 تاريخ 26 شباط 2026 القاضي بدعوة مجلس النواب إلى عقد استثنائي يُفتتح في 2 آذار المقبل ويُختتم في 16 منه ضمنا. وحدد المرسوم، الذي وقعه رئيس الجهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، برنامج أعمال هذا العقد الاستثنائي لمشاريع القوانين المحالة إلى مجلس النواب والتي ستحال اليه، وسائر مشاريع القوانين والاقتراحات والنصوص التي يقرر مكتب المجلس طرحها على المجلس.
في هذا الإطار، أحال رئيس مجلس النواب نبيه بري اقتراح قانون العفو العام على اللجان النيابية المشتركة.
مقومات الصمود
من جهة اخرى، حيَّا رئيس الجمهورية أبناء الجنوب عموما وبلدة رميش الحدودية خصوصا على تشبثهم في أرضهم وتجذرهم فيها. وشدد عون على أنه وجَّه كافة التعليمات إلى مختلف الوزارات ولا سيما الخدماتية منها للقيام بما يلزم وتأمين ما يمكن تأمينه من مقومات لدعم صمود الأهالي، مشيرا إلى أن الجيش يوسع انتشاره في الجنوب فاتحا يديه لأبناء المنطقة الذي يرغبون بالتطوع فيه، إضافة إلى قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة.
وعلى الارض، استكمل الجيش اللبناني اليوم إجراءاته الدفاعية في منطقة "سردة"، حيث عمد إلى تركيب أسلاك معدنية بمحاذاة الساتر الترابي الذي كان رفعه في مسلك يُستخدم عادةً للتوغلات من تلة الحمامص باتجاه جنوب الخيام.




