لبنان بين النفاق السياسي والشيزوفرينيا في زمن ترامب

مصطفى علّوشالخميس 2026/02/26
Image-1772015902
لا يحتمل لبنان أي صدمة إضافية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"هالسيارة مش عم تمشي  بدنا حدا يدفشها دفشة ...

مبارح شفناهم رايحين  على قمر العشاق طالعين

ونحنا بمطرحنا واقفين  والسيارة مش عم تمشي...

بيجي مختار وبيروح مختار والسيارة مش عم تمشي" (مسرحية ميس الريم) 

 

في طفولتي كنت أدرس في مدرسة الرهبان الكرمليين في طرابلس، ومن واجبي وبدافع العرفان بالجميل أن أوجه رسالة شكر ومحبة لهؤلاء الآباء الكرام، من متسامحين ومتعصبين، ومن حاملي صليب المسيح وحاملي صليب فرسان الهيكل، فلهم عليّ الكثير من الجمائل في التعليم. لكن، في سياق موضوع الشيزوفرينيا أذكر كيف كان انقسامنا الغريب والمثير للسخرية، ونحن أطفال في العاشرة من العمر، حول موضوع احتلال أميركا للقمر وزرع العلم الأميركي على سطحه سنة 1969. كان الفرز الأول بين من لم يصدق الأمر لأسباب دينية، أو لأن الجدة استنكرت ذاك الاحتمال، ومن صدقوه، وكان ذلك يضم تلامذة من طوائف متعددة. لكن الفرز الثاني كان بين من اعتبروه نصرًا للمعسكر الغربي القريب من المسيحيين، وهزيمة من قبل من اعتبروه ضد العرب والمسلمين. المفارقة هي أننا كنا نعتبر مسبقًا بأن من اسمه ميشال أو أنطوان أو شربل مؤيدًا ومشجعًا لاحتلال القمر، في حين أن من كان اسمه محمد أو عمر أو عبد الرحمن كانوا في خانة المعادين، حتى وإن لم يسألوا عن مواقفهم. الحيرة كانت في الأسماء الحيادية مثل سمير وربيع وصالح، فكنا نلجأ معهم إلى مكان سكنهم أو قريتهم أو مشاركتهم في قداس يوم الجمعة في كنيسة المدرسة، أو انسحابهم في ذاك الوقت لصلاة الجمعة في الجامع الحميدي القريب والمركون وسط مدرسة الرهبان الفرير ومطرانيتي الروم الأرثوذوكس والكاثوليك. مع أن معظمنا كان من عائلات متوسطة الحال، ولم تعطنا لا الامبريالية ولا عكسها أيا من الامتيازات، سوى أننا مجرد ريشة في مهب الريح في كلتا الحالتين. 

 

من هنا أنطلق إلى ما يلي.  

في لبنان، ليست السياسة مجرد متابعة للأحداث الدولية، بل هي مرآة تعكس انقسامات الداخل، وتعيد إنتاجها بلغة جديدة في كل محطة عالمية. ومع عودة اسم دونالد ترامب إلى الواجهة، وتصاعد الحديث عن احتمال مواجهة عسكرية مع إيران، يبدو المشهد اللبناني كأنه يعيش حالة انفصام سياسي وأخلاقي. فهنا المواقف لا تُبنى على مبادئ ثابتة، بل على الاصطفافات، والولاءات، والخوف، والمصلحة. في هذا المناخ، تتحول شخصية ترامب إلى مادة سجالية محلية، لا بقدر ما تعنيه للسياسة الأميركية، بل بقدر ما تسمح لكل طرف أن يرى فيها ما يريد أن يراه. البعض يراه زعيمًا قويًا يواجه إيران، وآخرون يرونه نموذجًا للفوضى السياسية والفضائح الأخلاقية. لكن المفارقة أن الفريقين غالبًا ما يتبادلان الأدوار عندما يتعلق الأمر بحلفائهم المحليين أو الإقليميين. هنا تحديدًا يظهر النفاق السياسي اللبناني في أوضح صوره.

فبالرغم من الإجماع اللفظي بين اللبنانيين على قيم مكارم الأخلاق، كالنزاهة، والصدق، واحترام القانون، إلا أن هذه القيم تتحول في الممارسة إلى معايير انتقائية. فالفضيحة مثل قضية "إبستين" أو فساد مالي أو قانوني ليست فضيحة في ذاتها، بل تصبح كذلك أو تُمحى، تبعًا لهوية صاحبها وموقعه ضمن شبكة الولاءات السياسية أو الطائفية. فحين تصدر الأخطاء أو التجاوزات عن شخصية محسوبة على "فريقنا"، يُعاد تفسيرها بوصفها سوء فهم، أو حملة إعلامية، أو استهدافًا سياسيًا. أما إذا صدرت عن "الفريق الآخر"، فإنها تتحول إلى دليل قاطع على الفساد والانحلال وسوء الأخلاق. وهكذا لا يعود النقاش حول الفعل نفسه، بل حول الانتماء الذي يحدد طريقة قراءته. في هذا المناخ، تتحول الأخلاق من مبدأ جامع إلى أداة صراع. يصبح معيار الحكم ليس الصواب والخطأ، بل القرب والبعد. ويغدو الدفاع عن الشخص دفاعًا عن الجماعة، حتى لو تعارض ذلك مع القيم التي يعلن الجميع التمسك بها.

 

هذا النمط من الازدواجية لا يعكس فقط أزمة سياسية، بل أزمة ثقافية أعمق. فهو يعكس انتقال المجتمع من ثقافة المعايير إلى ثقافة الولاء، حيث تتراجع فكرة المسؤولية الفردية لصالح منطق الحماية الجماعية. ومع الوقت، يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة العامة، لأن الناس تدرك أن المحاسبة ليست مبدأً عامًا، بل أداة تستخدم عند الحاجة. والأخطر أن هذا الانفصام الأخلاقي يُنتج حالة من التبلّد الجماعي. فعندما تصبح الفضائح متوقعة، وعندما يعرف الجميع مسبقًا أن رد الفعل سيتحدد وفق الاصطفاف لا الوقائع، يفقد الغضب معناه، وتتحول الفضيحة إلى حدث عابر في دورة الأخبار.

بهذا المعنى، لا تكمن المشكلة في كثرة الفضائح، بل في فقدان القدرة على رؤيتها بمعيار واحد. فالمجتمع الذي يدين الخطأ عند خصومه ويبرره عند حلفائه، لا يعيش أزمة أخلاق فحسب، بل أزمة في فكرة العدالة نفسها. لأن العدالة، في جوهرها، لا تقوم على من ارتكب الفعل، بل على الفعل ذاته.ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام لبنان لا يتمثل في كشف المزيد من الفضائح، بل في استعادة معيار أخلاقي واحد لا يتبدل بتبدل المواقع والانتماءات. فالمجتمعات لا تنهار عندما يخطئ الأفراد، بل عندما يصبح الخطأ قابلاً للتبرير إذا صدر عن "أهل البيت".

 

ترامب كرمز أكثر منه شخصًا

بالعودة إلى بيت القصيد، ففي النقاش اللبناني، لا يُقرأ ترامب بوصفه رئيسًا سابقًا أو مرشحًا محتملاً، بل بوصفه رمزًا. بالنسبة لفريق، هو تعبير عن عودة الحزم الأميركي في مواجهة إيران وحلفائها في المنطقة. بالنسبة لفريق آخر، هو تجسيد للشعبوية، والتهور، وانتهاك المؤسسات. لكن هذا التقييم المزدوج سرعان ما يفقد طابعه المبدئي. فالذين ينتقدون شعبوية ترامب قد يدعمون زعماء محليين يقوم خطابهم على الغرائز الطائفية ذاتها. والذين يبررون تجاوزاته باسم "القيادة القوية" قد يكونون أول من يندد بأي تجاوز مشابه من خصومهم.

المسألة هنا ليست ترامب نفسه، بل طريقة تلقيه: كل طرف يستخدم صورته لتأكيد روايته الخاصة عن العالم، لا لفهم الواقع.

 

فضائح تُدان هنا وتُبرر هناك

لم تخلُ مسيرة ترامب من الجدل من اتهامات، محاكمات، تصريحات صادمة، وقرارات مثيرة للانقسام. في أي بيئة سياسية مستقرة، كانت هذه القضايا ستُقرأ ضمن إطار واضح، أي وفق معايير قانونية أو أخلاقية. أما في لبنان، فتتحول إلى مادة انتقائية.فمن يرفع شعار "محاربة الفساد" قد يتجاهل فضائح حلفائه، بينما يضخم أخطاء خصومه. ومن ينتقد "تسييس القضاء" في ملف ما، قد يطالب بتوظيفه في ملف آخر. هذه الازدواجية ليست جديدة، لكنها تتفاقم حين يتم استيراد الصراعات الدولية إلى الساحة المحلية. فيصبح ترامب فاسدًا أو بطلاً، لا وفق الوقائع، بل وفق موقعه من إيران، أو من السياسات الأميركية في المنطقة.

 

لبنان كجمهورية الاصطفاف

المشكلة الأعمق أن لبنان لا يتعامل مع السياسة الدولية بوصفها مجال مصالح، بل بوصفها امتدادًا لصراعات الهوية. فالموقف من واشنطن أو طهران ليس تحليلًا استراتيجيًا، بل إعلان انتماء. في هذا السياق، يتحول أي حديث عن احتمال هجوم على إيران إلى اختبار ولاء. فريق يتحدث عن "ردع المشروع الإيراني"، وفريق آخر يتحدث عن "حرب على محور المقاومة". وبين الخطابين، يغيب السؤال الأكثر إلحاحًا وهو ماذا يعني ذلك للبنان نفسه؟

فإذا حدث تصعيد عسكري واسع ضد إيران، فإن لبنان لن يكون بعيدًا عن تداعياته. ليس فقط بسبب الجغرافيا، بل بسبب التداخل السياسي والعسكري بين الساحة اللبنانية والصراعات الإقليمية.لكن المفارقة أن النقاش الداخلي لا يتركز على المخاطر الاقتصادية أو الأمنية أو الاجتماعية، بل على الانتصار الرمزي لهذا المحور أو ذاك. وكأن الحرب حدث إعلامي أو معنوي، لا كارثة محتملة على بلد يعاني أصلًا من انهيار اقتصادي ومؤسساتي. هذا الشكل من التفكير يعكس ما يمكن تسميته بـ"الانفصام السياسي"، وهو الاحتفاء بالتصعيد في الخطاب، والخوف منه في الواقع.

 

بين القوة الخطابية والهشاشة الواقعية

لبنان اليوم في وضع لا يحتمل أي صدمة إضافية باقتصاد منهك، مؤسسات ضعيفة، بنية تحتية متآكلة، وهجرة مستمرة. ومع ذلك، يستمر الخطاب السياسي والإعلامي في التعامل مع المواجهات الإقليمية بلغة التعبئة، لا بلغة الحذر. يُشيد البعض بـ"توازن الردع"، ويتحدث آخرون عن "فرصة لإعادة رسم المنطقة"، لكن القليلين فقط يسألون عمن سيدفع الثمن؟ في بلد يعتمد على التحويلات الخارجية، وعلى الحد الأدنى من الاستقرار المالي والأمني، فإن أي مواجهة إقليمية واسعة قد تعني انهيارًا جديدًا. ومع ذلك، يبقى النقاش محكومًا بالرموز، لا بالوقائع.

ربما لا يكون النفاق السياسي هنا مجرد خلل أخلاقي، بل آلية دفاع نفسي. في مجتمع يعيش تحت ضغط الأزمات المتراكمة، يصبح الانتماء إلى محور قوي نوعًا من التعويض الرمزي عن الضعف الداخلي. اللبناني الذي يشعر بالعجز أمام انهيار عملته أو فقدان مدخراته قد يجد في انتصار هذا الطرف أو ذاك نوعًا من الإحساس بالقوة. وهكذا تتحول السياسة الدولية إلى مسرح لتعويض نفسي جماعي. لكن هذا التعويض له ثمن فادح فهو يمنع بناء سياسة وطنية مستقلة، ويُبقي البلاد رهينة صراعات الآخرين. وبالمعنى الأعمق، لا تكشف النقاشات حول ترامب عن أميركا، بل عن لبنان نفسه. فهي تظهر مدى استعدادنا لتبرير ما ننتقده، وتضخيم ما نتجاهله، بحسب موقعه من انقساماتنا. الشعبوية التي نندد بها في الخارج، نمارسها في الداخل. والفساد الذي نعتبره فضيحة هناك، نعتبره "تسوية" هنا. والانقسام الذي نراه خطرًا على الديمقراطية الأميركية، نعيش معه يوميًا بوصفه أمرًا طبيعيًا.

 

الخطر الحقيقي هو تآكل المعايير

المشكلة ليست في دعم هذا الطرف أو ذاك دوليًا، بل في غياب معيار ثابت للحكم على الأمور. عندما تصبح الأخلاق نسبية بالكامل، والقانون أداة سياسية، والوقائع مجرد روايات متنافسة، يتحول النقاش العام إلى صراع هويات لا إلى بحث عن الحقيقة. وفي هذه البيئة، يصبح من السهل تبرير أي شيء، من الحرب إلى الفساد إلى القمع أو حتى الانهيار، طالما أنه يخدم "قضيتنا". التحدي الحقيقي أمام لبنان ليس اختيار موقعه في الصراع الأميركي-الإيراني، بل الخروج من منطق الاصطفاف نفسه. أي بناء رؤية تقوم على مصلحة البلد أولاً في الاستقرار، التعافي الاقتصادي، حماية المؤسسات، وتحييد البلاد قدر الإمكان عن الصراعات الكبرى. لكن هذا يتطلب تغييرًا في الثقافة السياسية قبل أي شيء آخر، بالانتقال من سياسة الولاءات إلى سياسة المصالح، ومن الخطاب التعبوي إلى التفكير الواقعي.

في الخلاصة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يقف لبنان مرة أخرى أمام اختبار صعب. عودة ترامب إلى المشهد، وتصاعد التوتر مع إيران، قد يعيدان رسم توازنات المنطقة. لكن الخطر الأكبر على لبنان قد لا يأتي من الخارج، بل من داخله أي من هذا الانفصام بين الخطاب والواقع، بين الشعارات والمصالح، بين الانتماءات والقدرة الفعلية على التحمل. البلد الذي يصفق للحروب في الخطاب، بينما يخشى أي اهتزاز في الواقع، يعيش حالة إنكار جماعي. وإذا لم تتحول السياسة من ساحة تعويض نفسي إلى مجال إدارة عقلانية للمخاطر، فإن أي تصعيد إقليمي لن يكون مجرد حدث خارجي، بل اختبارًا جديدًا لهشاشة الداخل.

في النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس: ماذا سيفعل ترامب؟ أو هل ستندلع حرب مع إيران؟
بل: هل يستطيع لبنان أن يرى نفسه بوضوح في هذه المرآة، قبل أن تفرض عليه الأحداث ثمن أوهامه؟

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث