تصل إلى الناقورة، حيث الأزرق جزء من المشهد اليومي، ينحدر من التلال نحو البحر، بهدوء يخفي ما مرّ من هنا. كأنك دخلت مكاناً خارج الجغرافيا المألوفة: نظيف أكثر مما يجب، هادئ أكثر مما يحتمل الجنوب، ومنظّم بطريقة تذكّر بمدينة مصغّرة تحيا داخل مدينة أكبر منها.
عند مقرّ اليونيفيل، يبدو المشهد أقرب إلى عالم مكتف بذاته. طرق داخلية، مرافق وخدمات، كل ما يمكن أن يحتاجه شخص من دون أن يضطر إلى الخروج، ومصير هذه البنى بعد الانسحاب المرتقب لـ"اليونيفيل" لا يزال مجهولاً. مدينة كاملة تُدار بقواعد أخرى، وإيقاع آخر، وحدود غير مرئية تفصلها عن محيطها اللبناني المتعب.
اليونيفيل، التي تنتهي ولايتها هذا العام بعد تمديد أخير حتى 31 كانون الأول 2026، تتحضّر للمغادرة. في هذا السياق، أجرت "المدن" مقابلة مع المتحدث الرسمي باسمها، تيلاك بوخاريل.
الوضع في لبنان
-السيد تيلاك، كيف تقيّمون الوضع في جنوب لبنان اليوم، وكيف ترون تطوره؟
-تغير الوضع بشكل جذري منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. وكما يمكنكم أن تروا على الأرض، هناك خمسة مواقع للجيش الإسرائيلي، إضافة إلى منطقتين عازلتين يسيطر عليهما.
الناس الذين يعيشون بالقرب من الخط الأزرق، والذين نزحوا خلال الحرب، لم يتمكن آلاف منهم من العودة. كما أن هناك الكثير من الدمار. الوضع غير طبيعي، لكن هناك هدنة هشة صامدة في الوقت الراهن.
عن إنجازات اليونيفيل
-ما أبرز الإنجازات التي تحققت نتيجة وجود اليونيفيل في جنوب لبنان، وكيف تقيّمون دورها الأمني على مرّ السنوات؟
-منذ عام 2006، تمكنا من الحفاظ على نوع من السلام والاستقرار هنا. واستطعنا العمل مع الجانبين، ومع الجيش اللبناني، شركائنا الاستراتيجيين. كما أننا نعمل أيضاً مع الجيش الإسرائيلي من حيث التواصل ومتابعة التطورات على الأرض. ومن خلال هذا الدعم وذلك الدور الذي أدّيناه، تمكنا من الحفاظ على الاستقرار، أو الاستقرار النسبي. كانت هناك أوقات بلغ فيها الوضع نقطة ظننا أنها قد تؤدي إلى تصعيد، لكننا تمكّنا من تهدئة الأمور.
حاجة لبنان إلى اليونيفيل
-هل تعتقدون أن لبنان لا يزال بحاجة إلى اليونيفيل؟ بعبارة أخرى، إذا انتهت مهمة اليونيفيل، كيف سيبدو جنوب لبنان من دون جنودها؟
-ما يمكن قوله من جانبنا هو أننا ما زلنا نقدم الدعم ونقوم بما نستطيع، وبأفضل ما لدينا، خدمة لمصلحة المنطقة، وللاستقرار والسلام في هذا الجزء منها. وأود فقط أن أضيف نقطة هنا، وهي التأكيد على العمل الذي قمنا به دعماً للجيش اللبناني، وكذلك دعماً للمجتمعات هنا في الجنوب. فعلى سبيل المثال، منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ساعدنا في إعادة انتشار الجيش اللبناني في أكثر من 130 موقعاً دائماً في جنوب لبنان. كما قمنا بإزالة مئات الحواجز، وذخائر غير منفجرة، ودعمنا الجيش اللبناني في العثور على مخابئ أسلحة وغيرها. وهذا أمر بالغ الأهمية لتمكين النازحين من العودة.
أعلم أن المناطق القريبة من الخط الأزرق ما زال العديد منها خاضعاً لسيطرة أو احتلال الجيش الإسرائيلي. لكن في مناطق أخرى أيضاً، كان هذا العمل مهماً للغاية لتسهيل عودة السكان.
الاعتداءات على اليونيفيل
-الهجمات الإسرائيلية على لبنان غالبا ما تكون دقيقة ومحددة الأهداف. هل توافقون؟
-لقد شاهدتم الضربات. وربما شاهدتم كما شاهدت أنا. لذلك، لا أعتقد أن هناك حاجة للتعليق. لكن الضربات مستمرة. هذا كل ما يمكن قوله.
- كم مرة تعرضت اليونيفيل لهجمات من الجانب الإسرائيلي؟ وكم منها كان متعمّدًا؟
-لا أملك هذا الرقم حالياً. لكن خلال الحرب، وأثناء الأعمال القتالية النشطة، كانت هناك مرات عديدة استُهدفت فيها منشآتنا وحتى بعض جنود حفظة السلام. إن كان ذلك متعمّدا أم لا، لا أعلم كيف حدث، لكنه حدث. والحقيقة أنه حدث.
ومنذ اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ما زلنا نشهد ونواجه بعض السلوكيات العدائية.
بطبيعة الحال، ليس كما كان الوضع خلال القتال النشط. لكن كانت هناك حالات واجهنا فيها سلوكاً عدائياً من الجانبين، وليس فقط من الجانب الإسرائيلي. كما واجهنا أحيانا سلوكيات عدائية داخل لبنان أيضاً.
-كيف من لبنان أيضاً؟
-مثل إيقاف دورياتنا على الطرق.
- من قبل أهالي جنوب لبنان أم الجيش اللبناني؟
-من قبل الأهالي. الجيش اللبناني نعمل معه، ونحاول دائماً خفض التصعيد بمساعدته.
استعدادت اليونيفيل للمغادرة
-كيف تستعد اليونيفيل للانسحاب؟ كم عدد العناصر الذين غادروا؟ كم بقي؟ وما الخطوات المتخذة قبل المغادرة النهائية؟
-أودّ توضيح نقطة هنا: مغادرة بعض قواتنا، والتي حدثت بالفعل، ليست مرتبطة بانسحاب اليونيفيل، الذي سيحدث لاحقاً. المغادرة التي تجري حالياً أو حدثت في الأشهر الماضية جاءت بسبب الأزمة المالية العامة على مستوى الأمم المتحدة، وليس في اليونيفيل فقط بل في بعثات أخرى أيضاً.
وقد أدّت هذه التخفيضات إلى تقليص عدد القوات والموارد الأخرى. حتى الآن، منذ أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، غادر نحو 2,500 جندي. ومن المتوقع مغادرة مزيد من حفظة السلام خلال الأشهر المقبلة.
لكن تقليصنا يبدأ في 1 كانون الثاني 2027، ويُستكمل الانسحاب بحلول نهاية ذلك العام. ووفق ما ذكره مجلس الأمن، يجب أن يكتمل الانسحاب بنهاية عام 2027.
وقد منحنا المجلس سنة واحدة اعتباراً من 1 كانون الثاني 2027، لكننا نخطط لإتمام الانسحاب بحلول منتصف عام 2027.
علاقة اليونيفيل بالجنوب والأهالي
-ما أكثر ما يثير إعجابكم في أهالي جنوب لبنان؟ وما أكثر ما استمتعتم به في لبنان؟
-الطعام. والضيافة مذهلة. كما أرى روح الإبداع. عندما أزور القرى في الجنوب، حتى طريقة تزيين المنازل تبدو خارجة عن المألوف، وهي فريدة.
-كيف تصفون أهالي جنوب لبنان؟
-مضيافون، مبتسمون، مجتهدون، ومبدعون.
عن استبدال اليونيفيل
-أشارت بعض التقارير إلى أن الزيارة الأخيرة للرئيس الألماني إلى لبنان تناولت احتمال استبدال قوات اليونيفيل الحالية. هل لديكم أي معلومات حول هذا الموضوع؟
-لا يمكننا التعليق على ما يجري على المستوى الثنائي بين الدول المختلفة، حتى وإن كانت من الدول المساهمة بقوات. لقد اطّلعنا على تقارير إعلامية، لكننا لسنا في موقع يسمح لنا بالتعليق عليها. ونحن نلتزم بتوجيهات ما قرره مجلس الأمن، ولا سيما القرار 2790 الصادر في آب الماضي. وينص بوضوح على أن الموعد النهائي لمهمة اليونيفيل هو 31 كانون الأول 2026.




