اليوم التالي بعد التأجيل: لحظة الرئيس

نزيه درويشالخميس 2026/02/26
Image-1769974529
كل الدلائل تشير إلى تطيير الانتخابات النيابية(حسن ابراهيم)
حجم الخط
مشاركة عبر

حسنًا، يبدو أن ما كُتب قد كُتب. كل الدلائل تشير إلى "تطيير" الانتخابات النيابية المقرّرة في أيار 2026. ولن تستطيع الخطوات المتردّدة، المرتجلة والاستعراضية، أن تُقنعنا بغير ذلك. لا تأكيد رئيسَي الجمهورية والحكومة على احترام الاستحقاق، ولا دعوة الهيئات الناخبة، ولا فتح باب الترشيح، ولا مسارعة رئيس المجلس إلى تقديم ترشيحه أولًا، ولا محاولة أحد مناصريه تقديم ترشيحه في الدائرة 16، ولا استعراض هذا الحزب أو ذاك جاهزيته وطاقمه الجديد… كل ذلك لا يعني أن الانتخابات حاصلةٌ فعلًا في موعدها.

كما لا يعني أن الجميع لا ينتظرون إشارة خارجية حاسمة للانطلاق في التأجيل؛ فالعين ليست على صناديق الاقتراع، بل على تلبّد الغيوم الإقليمية، وعلى ما قد تحمله من أمطار على لبنان، تشكّل ذريعة، حتى لا أقول مخرجًا "لائقًا" ، للتأجيل.

ولمعظم الأطراف يدٌ في هذا التأجيل ومصلحة فيه. وما التباطؤ والتلكؤ الحكومي في معالجة عقدتي اقتراع غير المقيمين والاقتراع في مكان السكن من جهة، والتمنّع والحرَد البرلماني من جهات أخرى، إلا عناصر في مسار واحد ينتهي إلى نتيجة شبه محسومة: تأجيل الانتخابات والتمديد للمجلس الحالي سنتين على الأقل، مع ما يحمله ذلك من تمديد لعمر الحكومة.

طوال الأشهر الماضية، ساد انطباع بأن لرئيس الجمهورية، دون سواه، مصلحة في احترام الاستحقاق الانتخابي: أولًا بصفته حارسًا للدستور والقوانين، وثانيًا لإعطاء إشارة إيجابية إلى الخارج بأن "العهد الجديد" مختلف عن سابقيه. لكن ماذا لو كان هذا الخارج نفسه لا يمانع التأجيل؟ بل ربما يفضّله قبل تسليم حزب الله لسلاحه؟ وماذا لو عدّل المشرّعون المهل القانونية ومدّدوا لأنفسهم تحت أي ذريعة؟ وماذا لو اندلعت حرب إقليمية، فباتت الانتخابات تفصيلًا أمام تبعاتها؟ عندها، لن يكون السؤال: لماذا حصل التأجيل؟ بل: ماذا في اليوم التالي؟

 

مدير أزمة أم صانع مسار؟

لنعتبر أن التمديد قد حصل. كيف سينجو الرئيس من صورة "مدير الأزمة" بدل أن يكون "المنقذ" منها؟ فالتأجيل، مهما كانت أسبابه، سيُنظر إليه كنكسة دستورية إضافية في بلد استُنزف من الاستثناءات.

إذا سلّمنا بأن العام الجاري سيكون عامًا لبسط سلطة الدولة، بعد أن مُدّدت مهلة تنفيذ ذلك من نهاية العام الماضي، فستكون أمام الرئيس، إن رغب، فرصة لتبرير التأجيل بتحويله من إجراء ارتجالي إلى مدخل حقيقي للإصلاح. إذ لا يكفي أن يقول إن الظروف فرضت التأجيل، بل المطلوب أن يعوّضه بخطوات دراماتيكية، كمثل إطلاق ثلاث ورشات وطنية محدَّدة المهل.

 

أولًا: تحرير قانون الانتخاب

الخطوة الأولى هي إنشاء هيئة وطنية مستقلة لإعادة النظر في قانون الانتخاب، في مواده الإشكالية، أو حتى لإعادة صياغته بالكامل (لمَ لا؟) ضمن مهلة زمنية قصيرة لا تتجاوز الستة أشهر. أليست كل القوى السياسية تشتكي من شوائبه علنًا؟

يمكن أن تتشكّل هذه الهيئة على غرار تلك التي ترأسها الوزير الراحل فؤاد بطرس عام 2006، من حيث مستوى الخبرة والكفاءة والنزاهة، ومن حيث تمثيل مختلف الحساسيات السياسية والمذهبية والمناطقية، مع الحفاظ على استقلالية نسبية لأعضائها. لكن الفارق الجوهري هذه المرة يجب أن يكون في "مصير" اقتراحاتها؛ فالتجربة السابقة أثبتت أن اللجان قد تُنتج نصوصًا متقدّمة، لكن الأدراج أوسع من القاعات العامة.

الانسداد الحالي في مجلس النواب، والعرقلة المفتعلة الدائمة التي يشهدها، يدلان على مخاطر بقاء صياغة قانون الانتخاب في يد مَن سيُنتخبون على أساسه؛ فهي وصفة لإعادة إنتاج وتعيين الطبقة نفسها، في حلقة مغلقة تُقصي مصلحة غالبية اللبنانيين.

سيُقال إن في ذلك "مصادرة" لصلاحيات المجلس. لكن كسر حلقة الانسداد يتطلّب مهارة التفاوض أحيانًا، والفرض أحيانًا، وضغط النخب والرأي العام والشارع أحيانًا أخرى. ألم نشهد كيف مرّت قوانين حساسة تحت ضغط داخلي وخارجي، كما حصل في تعديل قانون رفع السرية المصرفية استجابة لتوصيات المجتمع الدولي؟ وكيف أُجبرت الحكومة مؤخرًا على إعطاء المتقاعدين حقوقًا بقوة اقتحام مجلس النواب! حين تتوافر الإرادة السياسية، تُفتح الأبواب الموصدة.

 

ثانيًا: الانتقال من الشعار إلى المسار 

الخطوة الثانية، الأكثر جرأة وتعقيدًا، هي إنشاء "الهيئة الوطنية لدراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية السياسية"، كما نصّت المادة 95 من الدستور. هذه ليست فكرة طوباوية، بل التزام دستوري.

المادة 22 من الدستور تنص على أنه "مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، يُستحدث مجلس للشيوخ تتمثّل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية". أي أن الانتقال إلى نظام غير طائفي ليس قفزة في المجهول، بل مسار مرحلي متدرّج: هيئة وطنية، خطة مرحلية، ثم برلمان محرّر من القيد الطائفي يتزامن مع إنشاء مجلس شيوخ يُطمئن هواجس الجماعات.

 

ثالثًا: الإفراج عن اللامركزية

الورشة الثالثة التي لا تقلّ أهمية، بل ربما هي الأكثر التصاقًا بحياة الناس اليومية، هي إقرار اللامركزية الإدارية الموسّعة، كما وردت في اتفاق الطائف.

هذه ليست ترفًا نظريًا، إنها معالجة لخلل مزمن في بنية الدولة اللبنانية: مركزية مفرطة عطّلت التنمية المتوازنة، وأغرقت الإدارات في البيروقراطية، وحوّلت المواطنين إلى متسوّلين عند أبواب الوزارات في العاصمة أو الزعماء في الأحياء. في بلد متنوّع جغرافيًا واجتماعيًا، لا يمكن أن تُدار شؤون كل بلدة وقرية ومدينة من مكتب واحد في بيروت.

وكما بالنسبة إلى قانون الانتخاب، أُنشئت لجنة متخصصة لوضع مشروع قانون للامركزية في عام 2012 ترأسها الوزير السابق زياد بارود، وأعدّت مسودة متقدمة يمكن البناء عليها. لكن كالعادة، كان مصير اقتراحها الأدراج.

المفارقة أن اللامركزية الإدارية الموسّعة تكاد تكون نقطة التقاء بين مشاريع إصلاحية متباينة. وقد أكّد عليها رئيس الجمهورية في خطاب القسم، والتزمت بها الحكومة في بيانها الوزاري. ما الذي يمنع إذًا؟

الجواب سياسي. فاللامركزية تعني إعادة توزيع للسلطة والموارد. وتعني نقل صلاحيات فعلية إلى مجالس محلية منتخبة، ومنحها استقلالًا ماليًا، وإخضاعها في الوقت نفسه لرقابة شفافة. أي أنها تقلّص قدرة المركز على استخدام الإنماء أداة للزبائنية، وتحدّ من البيروقراطية ومن تحكّم القوى السياسية بالمشاريع والخدمات، وتوفّر عدالة وتنافسًا إيجابيًا بين المناطق.

 

الشرط الأساس

يبقى أن هذه المشاريع لا يستقيم السير بها ما لم يُستكمل الشرط الأساس: مساواة جميع اللبنانيين أمام القانون، وبسط سلطة الدولة وحدها على كامل التراب الوطني، ونزع سلاح جميع الميليشيات والأحزاب والتكوينات المسلحة اللبنانية وغير اللبنانية. لا يمكن الحديث عن منافسة سياسية عادلة في ظلّ اختلال موازين القوة وانعدام المساواة بين الأفراد.

 

اهتزاز الصورة وصناعتها

صورة "العهد" ستتأثر حتمًا إذا مُدّد للمجلس الحالي ولم يُحترم الاستحقاق الدستوري. لكن الصورة يمكن إعادة تشكيلها بالأفعال المتجانسة لا بإعلان النوايا.

إذا فُرض التأجيل، فلا يجوز أن يكون فراغًا زمنيًا إضافيًا؛ بل يجب أن يتحوّل إلى عقد سياسي جديد، بثلاث قوائم: قانون انتخاب يُنتج تمثيلًا أصدق، مسار دستوري يُعيد الاعتبار لمبدأ المواطنة، ولامركزية إدارية تُحرّر الإدارة من أسر المركز.

هكذا، اليوم التالي لن يُقاس بعدد الأشهر الممدَّدة، بل بجرأة القرارات المتخذة خلالها. هناك فقط، يصبح التأجيل استثناءً منتجًا. وما عداه… مجرّد تأجيل آخر في بلد يتقن توليد وتمديد أزماته بلا حياء.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث