وسط ترقّبٍ لـ"السّاعة الصّفر" التي يمكن أن تكون واشنطن قد حدّدتها لتوجيه ضربةٍ إلى إيران، دخل لبنان فجأةً في "مدارات" اقتصاديّة وجيوسياسيّة جديدة قد تقلب الطاولة رأسًا على عقب. فقد فتح قصر بعبدا والسراي الحكومي أبوابهما اليوم لمشروع "طريق الهند-الشرق الأوسط-أوروبا" (IMEC). وهذا التحوّل الجذريّ، الذي باركه الرّئيس جوزاف عون، سيضع لبنان أمام اختبارٍ حقيقيّ: هل ينجح في القفز إلى قطار الاقتصاد العالميّ كما يطمح البعض، أم سيبقى "ساحةً رديفةً" تحترق بنيران المحاور، كما يخشى آخرون؟
يمكن اعتبار زيارة الموفد الخاصّ للرّئيس الفرنسيّ لمبادرة طريق الهند جيرار ميستراليه، والبحث في انضمام لبنان إلى هذه المبادرة، تحوّلًا جوهريًّا في "العقيدة السّياسيّة" اللّبنانيّة الحاليّة. فموافقة لبنان عليها تضعه واقعيًّا، وبمعزلٍ عن النّيّات الرّسميّة اللّبنانيّة، في موقع الراضخ للضّغط الإسرائيليّ والأميركي والأوروبي من أجل توسيع هذا الممرّ، وهو أمرٌ قد يثير حفيظة قوى عربيّة وإقليميّة.
لكن الواضح هو أنّ لبنان اليوم يبدو "محشورًا" في الزّاوية الفرنسيّة. فباريس هي الرّئة الماليّة والأمنيّة الوحيدة المتبقّية له، من خلال مؤتمر 5 آذار لدعم الجيش. والموافقة على "طريق الهند" قد تكون أحد الأثمان السّياسيّة التي تدفعها بيروت لضمان بقاء المظلّة الفرنسيّة فوق رأس لبنان والمؤسّسة العسكريّة.
وللمصادفة، ترأّست فرنسا اليوم اجتماع لجنة "الميكانيزم" في النّاقورة، بانشغال الجنرال الأميركيّ جوزيف كليرفيلد بملفّ إيران السّاخن. ويُنظر إلى الاجتماع اليوم على أنّه مجرّد تواصلٍ عسكريّ. فواشنطن وتل أبيب ترفضان، على ما يبدو، أيّ تقدّمٍ في النّاقورة قبل تبلور نتائج الضّربة لإيران، إذ يطمح الطّرفان إلى فرض مفاوضاتٍ مباشرةٍ ورفيعة المستوى. لكن المؤشّر الأبرز اليوم هو اللّهجة "المتهيّبة" التي بدت على حزب الله، من خلال "الوعد" الذي أطلقه بأنّه "لن يتدخّل عسكريًّا إذا كانت الضّربة ضدّ إيران محدودة". وهذا يعني أنّ الحزب يدرس جيّدًا خياراته في المواجهة المحتملة بحيث لا تكون انتحاريّة.
في هذا المناخ، تتداخل ثلاث طبقاتٍ من السّياسة في يومٍ واحد: حركة داخلية في عين التّينة تتصل بالانتخابات وبالجيش وبالغطاء الخارجي، لهجة محسوبة من حزب الله ترسم "حدود" التدخّل في حال الضربة، ورسالة ميدانيّة-سياسيّة من رأس النّاقورة تُعيد تعريف من يفاوض ومن يُستبعَد، ومن يدير الحدود على وقع ميزان القوى.
عين التّينة: الانتخابات تحت السّقف الدّوليّ
استقبل رئيس مجلس النّواب نبيه برّي في مقرّ الرئاسة الثّانية في عين التّينة مستشار رئيس الجمهوريّة أندريه رحّال، في لقاءٍ قيل إنّه لبحث تطوّرات الأوضاع العامّة والمستجدّات. غير أنّ القراءة السّياسيّة الباردة تُشير إلى أنّ الاجتماع يتقدّم عليه ملفّان لا ثالث لهما: مؤتمر دعم الجيش ومسار الانتخابات النيابيّة.
فالخاتمة التّحضيريّة لمؤتمر دعم الجيش، والتي انعقدت في القاهرة، ليست حدثًا منفصلًا عن مؤتمر باريس الأساسيّ في الخامس من آذار المقبل. إنّها حلقة ضمن سلسلة تُمسك فرنسا بخيوطها، وتستثمرها لبناء نفوذٍ مضاعف: دعم مؤسّسةٍ عسكريّة تحتاج المال والغطاء، وفي الوقت نفسه تثبيت موقع باريس كضامنٍ أمنيّ وسياسيّ للبنان في مرحلةٍ تتراجع فيها المظلّات الأخرى أو تتبدّل أولويّاتها. وبين القاهرة وباريس، يصبح تموضع لبنان إزاء "طريق الهند" قابلًا للفهم: ثمن سياسيّ يُدفَع، أو "تذكرة مرور" لضمان استمرار الرّئة الفرنسيّة التي يتنفّس منها البلد ومؤسّساته.
أمّا الانتخابات النيابيّة، فتبدو كأنّها امتحان الإرادة السّياديّة في وجه رغباتٍ دوليّة "غير مُعلنة رسميًّا" لكنّها تُبلَّغ عبر القنوات الدبلوماسيّة. برّي، وفق ما يُنقل، يصرّ على إجراء الانتخابات في موعدها، فيما يشي مناخ السفارات بأنّ ثمة من لا يريد فتح صندوقٍ انتخابيّ في لحظة اهتزاز الإقليم، ويفضّل إدارة لبنان بمنطق "التأجيل الوقائيّ" إلى حين اتّضاح صورة المنطقة. هنا تتقاطع الرّغبات الخارجيّة مع الحسابات الداخليّة: فريق يخشى مفاجآت الصناديق، وفريق يخشى أن تتحوّل الدولة إلى تمديدٍ بلا أفق.
حزب الله: "عدم التدخّل" المشروط
في موازاة ذلك، نقلت وكالة "فرانس برس" عن مسؤولٍ في حزب الله تأكيده أنّ الحزب "لن يتدخّل عسكريًّا إذا وجّهت الولايات المتّحدة ضرباتٍ "محدودة" إلى إيران"، مع تحذيرٍ صريح من "خطٍّ أحمر" يتمثّل في استهداف المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.
هذه ليست مجرّد رسالةٍ إعلاميّة. إنّها محاولة ضبط إيقاع، وإرسال إشارة مزدوجة: إلى واشنطن بأنّ هامش المناورة موجود إذا بقيت الضربة ضمن "التأديب" لا "الإسقاط"، وإلى البيئة الداخليّة في لبنان بأنّ الحزب لا يريد انزلاقًا انتحاريًّا يفتح جبهة الجنوب تلقائيًّا. لكنّ "الشرط" يكشف ما هو أعمق: الحزب يضع سقفًا لعدم التدخّل، أي أنّه يترك الباب مواربًا على تدخّلٍ محسوب إذا تحوّلت الضربة إلى مشروع تغيير نظام أو اغتيال رأسه السياسيّ-الدينيّ. إنّه منطق الردع بالحدود، لا الردّ المطلق.
وتتّصل هذه اللهجة بما كان قد أعلنه الأمين العامّ لحزب الله نعيم قاسم سابقًا حين أكّد أنّ الحزب ليس حياديًّا في مسألة إيران، وأنّه يرى التهديد الأميركيّ لإيران تهديدًا مباشرًا له، معتبرًا أنّه ليس شأنًا داخليًّا إيرانيًّا بل "استهداف صريح لمحورٍ كامل ولنهجٍ مقاومٍ ممتدّ في العالم الإسلاميّ". في السياسة، مثل هذا الكلام يهدف إلى تثبيت المعادلة: لبنان لا يُفصَل عن الإقليم، لكنّ درجة الانخراط تُدار بميزان الربح والخسارة.
النّاقورة: "ميكانيزم" بلا مدنيّين
على خطّ الجنوب، انتهى عصر اليوم الأربعاء اجتماع لجنة مراقبة وقف إطلاق النّار، "الميكانيزم"، بعد جلسة بدأت عند السّاعة العاشرة صباحًا في رأس النّاقورة، وترأّسها نائب رئيس اللّجنة الجنرال الفرنسيّ فالنتين سيلير، بسبب غياب رئيسها الجنرال الأميركيّ جوزيف كليرفيلد. غياب الأميركيّ هنا ليس تفصيلًا تنظيميًّا، بل انعكاس لانشغال واشنطن بملفّ إيران، وترتيبها الأولويّات بما يسبق حدود لبنان.
وعقب الاجتماع، توجّه سيلير على رأس وفدٍ من الضبّاط الفرنسيّين، برفقة ضبّاطٍ أميركيّين، إلى ثكنة الجيش في صور، حيث عُقد اجتماعٌ مع مسؤول منطقة جنوب اللّيطاني العميد نقولا تابت، في إطار متابعة التّنسيق الميدانيّ المتّصل بآليّات التّثبّت من الخروقات ومعالجة الإشكالات على الأرض.
غير أنّ الدلالة السّياسيّة الأوضح كانت في شكل الاجتماع نفسه: حضورٌ عسكريّ فقط، وغياب الموفد المدنيّ اللّبنانيّ السّفير سيمون كرم، الذي بالكاد شارك في اجتماعين للجنة، ولم يتسنَّ له لعب الدّور المنوط به أو تكريس حضوره كمفاوضٍ مدنيّ، رغم إلحاح الولايات المتّحدة على وجوده ضمن أعضاء "الميكانيزم". هذا الغياب يُقرأ كرسالة: التفاوض يُعاد إلى الثكنة، والسياسة تُؤجَّل إلى ما بعد إيران.
الأكثر حساسيّة هو ما عُدَّ إعلانًا أميركيًّا عن مواعيد اجتماعات الجانب العسكريّ للأشهر المقبلة بمثابة إعلانٍ غير رسميّ لحصر الاجتماعات بالممثّلين العسكريّين، واستبعاد كرم منها. ويأتي ذلك بعد رفض لبنان اقتراحًا أميركيًّا، حمله السّفير الأميركيّ ميشال عيسى، يقضي بتوسيع التمثيل واستبدال مكان انعقاد الاجتماعات ليكون خارج لبنان، في ما اعتبرته بيروت مساسًا بالسيادة ومحاولةً لتعديل قواعد الاشتباك الدبلوماسيّ بالتوازي مع الضغط الميدانيّ.
ما يجمع الخيوط: ممرّات الاقتصاد
إذا جُمعت هذه المشاهد في لوحة واحدة، يظهر لبنان كبلدٍ يُدفَع إلى "مدار" جديد من دون أن يمتلك ترف القرار الحرّ. باريس تُدير التمويل والحماية، وتملأ فراغ واشنطن في النّاقورة حين تنشغل بإيران. عين التّينة تشتبك مع ملفّ الانتخابات تحت العين الدّوليّة، ومع ملفّ الجيش تحت الرّعاية الفرنسيّة. حزب الله يرفع "عدم التدخّل" إلى مستوى التعهّد المشروط، كي يمنع اشتعالًا تلقائيًّا، لكنّه يضع خطًّا أحمر يمنع تحويل إيران إلى ساحة اغتيالٍ سياسيّ بلا ردّ.
في النهاية، لا يبدو "طريق الهند" مجرّد مشروع نقل وتجارة. إنّه اختبارٌ لهويّة لبنان الوظيفيّة: هل يتحوّل إلى عقدة وصلٍ اقتصاديّة تُخفّف عزلة الدولة وتُعيد فتح الأسواق، أم يصبح مجرّد تفصيلٍ في خريطة ممرّات تُدار بالضغط الإسرائيليّ وبالرعاية الفرنسيّة وبالمزاج الأميركيّ؟
والأخطر أنّ هذا كلّه يجري فيما "السّاعة الصّفر" قد تُطلق شرارة تغيّر قواعد اللعبة، وعندها لن يكون السؤال عن الممرّ فقط، بل عن موقع لبنان: بلدٌ يفاوض على حافة النار، أم دولةٌ تستعيد قرارها قبل أن تُفرَض عليها الخرائط.




