لقاء القاهرة شبكة أمان للبنان لكن إسرائيل تشغّل جهاز التفجير

مانشيت - المدنالثلاثاء 2026/02/24
Image-1770556466
يعيش لبنان، كحكمٍ وقوى سياسية، حالة انفصامٍ عن الواقع.. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

فيما تنشط الدبلوماسيّة العربيّة والدوليّة المعنيّة بلبنان، لتأمين شبكة أمان للجيش اللبنانيّ، من خلال الاجتماع التّمهيديّ الذي انعقد في القاهرة، تحضيرًا لمؤتمر باريس في 5 آذار، يواجه البلد لحظةً حرِجةً تتداخل فيها التهديدات العسكريّة الوجوديّة مع أزماتٍ بنيويّة داخليّة، وسط ترقّب لتداعيات أيّ صدمةٍ عسكريّة محتملة في الشرق الأوسط. وما يثير المخاوف خصوصًا هو أنّ الجبهة الداخليّة في لبنان منشغلة في تجاذباتٍ سياسيّة ودستوريّة وماليّة تعوق قدرة الدّولة على اتّخاذ أيّ قرارٍ إنقاذيّ حقيقيّ.

وبرزت اليوم معطياتٌ ميدانيّة وسياسيّة بالغة الخطورة، تمثّلت في تسريباتٍ نقلتها وكالة "رويترز" حول رسالةٍ إسرائيليّة غير مباشرة إلى لبنان، تلوّح فيها باستهداف البُنية التحتيّة المدنيّة بشكلٍ شامل، المطار، المرافئ، محطّات الطّاقة، إذا قرّر حزب الله الانخراط في أيّ مواجهةٍ أميركيّة إيرانيّة مرتقبة. ومن الواضح أنّ هذه الرسائل ترمي إلى تحييد الساحة اللبنانيّة عبر ممارسة ضغطٍ نفسيّ وسياسيّ على الحكومة والبيئة الحاضنة للحزب.

وبالتزامن مع هذا التّصعيد، عُقد اليوم في القاهرة الاجتماع التّمهيديّ لمؤتمر دعم الجيش اللبنانيّ المقرّر عقده قريبًا في باريس. وتسعى فرنسا واللّجنة الخماسيّة إلى تحصين المؤسّسة العسكريّة باعتبارها المؤسّسة الوحيدة القادرة على منع الانزلاق نحو الفوضى الشاملة. والمفارقة تكمن في أنّه فيما يطلب المجتمع الدوليّ تقوية الشرعيّة اللبنانيّة، تهدّد إسرائيل بتدمير مقدّرات هذه الشرعيّة وبُنيتها التحتيّة، ما يضع الدّولة في موقفٍ مُربِكٍ وعاجز.

وأمّا في الدّاخل، وفي ذروة الاستنفار الإقليميّ، فاللافت انشغال القوى السياسيّة بملفّاتٍ تقنيّة وقانونيّة تزيد من إرباك المشهد. فموازنة 2026 باتت اليوم أمام طعنين من نوّاب التغيير وتكتّل "الجمهوريّة القويّة" أمام المجلس الدّستوريّ. وهذا المسار القانونيّ، رغم دستوريّته، قد يضع البلاد أمام تحدّياتٍ ماليّة جديدة في لحظة الطوارئ الوطنيّة، علمًا أنّ السّجالات لم تتوقّف حول قانون الفجوة الماليّة وتوزيع الخسائر بين الدّولة والمصرف المركزيّ والمصارف التجاريّة.

وهكذا، يعيش لبنان، كحكمٍ وقوى سياسيّة، حالة انفصامٍ عن الواقع. فبينما تُقرَع طبول الحرب الإقليميّة الكبرى وتوجّه إسرائيل رسائل التدمير الشامل للبُنى التحتيّة، تغرق القوى السياسيّة في تفاصيل إداريّة وماليّة قد لا تجد "دولةً" للتعاطي معها إذا ما وقع المحظور. ومن شأن عجز المنظومة السياسيّة عن إنتاج "رؤية طوارئ" موحّدة أن يجعل لبنان الحلقة الأضعف في الصّراع الإقليميّ الدائر، وأن يعيش حالًا من قطع الأنفاس بانتظار ما ستسفر عنه الأيّام المقبلة من تحوّلاتٍ ستعصف بالشرق الأوسط كلّه.

 

من التهديد إلى الردع

ليست التسريبات المنقولة عن "رويترز" تفصيلًا عابرًا في يومٍ لبنانيّ مثقلٍ بالقلق، بل تُشبه، في جوهرها، ورقة إنذارٍ مُبطّنة موجّهة إلى ثلاثة عناوين في آنٍ واحد: الحكومة، والشارع، وقرار الحرب والسّلم. وإذ تُلوّح إسرائيل باستهداف شامل للبُنى التحتيّة المدنيّة، فهي تُحاول هندسة بيئةٍ داخليّة تضغط على "حزب الله" لتقليص هامش حركته، أو على الأقلّ لتكبيل قراره، عبر رفع كلفة أيّ انخراطٍ في مواجهة أميركيّة إيرانيّة محتملة.

وفي خلفيّة هذه الرسائل، تتقدّم "القراءات الإسرائيليّة" بوصفها جزءًا من إدارة الصّراع، لا من وصفه فقط. فقد نشر مركز ألما للدّراسات والأبحاث الإسرائيليّ تقريرًا تناول ما وصفه بـ"المعضلة الاستراتيجيّة" التي يواجهها حزب الله مع تصاعد التوتّر المتعلّق بإيران، بين ضغوطٍ إيرانيّة تدفعه إلى الانخراط في أيّ حربٍ محتملة، وبين اعتبارات البقاء التنظيميّ والخسائر الجسيمة التي قد تلحق بلبنان وبالحزب نفسه.

ويشير التقرير إلى أنّ الحزب يقف بين الولاء الأيديولوجيّ لمحور إيران وبين حسابات الحفاظ على الذات، مع بقاء سيناريو "التّحرّك المنفلت" احتمالًا قائمًا في حال اتّساع دائرة التّصعيد أو وقوع تطوّراتٍ مفاجئة. هذا الاستنتاج بحدّ ذاته يُهمّ إسرائيل، لأنّه يفتح بابين للتعامل: باب "القرار المركزيّ" وباب "الانفلات الميدانيّ". الأوّل يمكن ردعه بالتهديدات السياسية والعسكريّة، والثاني يُواجَه بالاستهداف الاستباقيّ وتقطيع خطوط القيادة.

وفي السياق نفسه، زعم التقرير أنّ "ضربةً إسرائيليّةً غير اعتياديّة" استهدفت مواقع لحزب الله في منطقة البقاع يوم السّبت 21 شباط، جاءت ضمن استهداف منظومة الصّواريخ التابعة للتنظيم، وأنّ الجيش الإسرائيليّ أعلن أنّ هذه المنظومة مسؤولة عن إطلاق الصّواريخ والقذائف باتّجاه إسرائيل، وأنّها "منخرطة حاليًّا في التّخطيط لمثل هذه الهجمات". وبحسب التقرير، أسفرت الغارة عن مقتل ثمانية عناصر من الحزب، من بينهم محمّد ياغي، الذي شغل منصبًا قياديًّا على مستوى وحدة ضمن منظومة الصّواريخ والقذائف، ورأى التقرير أنّه كان يُتوقّع أن يؤدّي دورًا مهمًّا في تنسيق عمليّات الإطلاق ضدّ إسرائيل في حال اندلاع حربٍ تشمل إيران.

ما تريد هذه القراءة تثبيته ليس فقط أنّ إسرائيل "تُراقب"، بل أنّها تُحاول صناعة "سرديّة مسبقة" لأيّ تصعيدٍ مقبل: ضربات تُقدَّم كإجراءات وقائيّة ضدّ هجماتٍ يُقال إنّها قيد التّخطيط. هكذا تُبنى شرعيّة الضربة قبل وقوع الحرب.

 

ضغوط طهران و"مسار الإلزام" الناعم

في سؤال "لماذا قد ينخرط الحزب؟" يذهب تقرير ألما إلى ضغطٍ إيرانيّ متواصل في الأسابيع الأخيرة، مستشهدًا بخطاب المرشد الأعلى علي خامنئي في 1 شباط، وبما زعمه عن رسالة علي أكبر ولايتي إلى الأمين العامّ نعيم قاسم في 5 شباط، بوصفها "إشارة أوضح" إلى توقّعات إيران بانخراط الحزب. ويورد التقرير أنّ ولايتي شدّد على أنّ النّظام الإيرانيّ "ركيزة" محور المقاومة، وأنّ المحور سينتصر في حال اندلاع الحرب، رابطًا مشاركة الحزب بروابط دينيّة وتاريخيّة، ومشيدًا بما سمّاه "السدّ المنيع" في لبنان.

لكنّ التقرير نفسه يلتفت إلى الوجه الآخر للمعادلة، حين يشير إلى محاولة إيران تجنّب الظهور كطرفٍ يدفع لبنان نحو الدّمار، مستشهدًا بمقابلة وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي مع قناة الجزيرة في 7 شباط، حيث شدّد على أنّ قرار المشاركة يعود إلى حزب الله وحده، وأنّ إيران قادرة على الدّفاع عن نفسها دون مساعدة. هنا تظهر لعبة الإيقاع المزدوج: طهران تُلمّح للحليف وتُطمئن العلن، فيما يُترك القرار في منطقةٍ رماديّة تُناسب لحظة الاشتباك الكبرى.

أخطر ما في تقرير ألما ليس تقديره لاحتمال انخراط الحزب، بل حديثه عن "تحرّك منفلت" في حال تعرّض إيران لضربة أميركيّة، باعتباره نتيجة خلافاتٍ داخليّة أو رؤى مغايرة داخل المستويات العسكريّة. ويضيف أنّ الحزب يعاني من أزمة قيادة طويلة الأمد واستنزاف كبير في صفوف القيادات الوسطى نتيجة الاغتيالات، ما عمّق الفراغ القياديّ وزاد حدّة الخلافات الداخليّة، مشيرًا إلى أنّ تصفية أبو علي طباطبائي في تشرين الثاني 2025 فاقمت هذه الأزمة ورفعت منسوب خطر "العصيان".

 

اجتماع القاهرة: شبكة الأمان للجيش… ومأزق الشرعيّة تحت القصف

وسط هذه الصورة، يأتي اجتماع القاهرة التحضيريّ لمؤتمر دعم الجيش اللبنانيّ وقوى الأمن، بوصفه محاولةً لرفع "عمود الخيمة" الأخير قبل العاصفة. فقد عُقد الاجتماع بحضور قائد الجيش اللبنانيّ العماد رودولف هيكل، والمدير العامّ لقوى الأمن الداخليّ اللواء رائد عبد الله، ومشاركة عددٍ من الدّول. وضمّ الوفد الفرنسيّ، إلى جانب المبعوث الشخصيّ للرئيس الفرنسيّ إلى لبنان جان إيف لودريان، الجنرال فالنتان سيلر ممثّل فرنسا في "الميكانيزم" وفي اللّجنة العسكريّة التقنيّة الخاصّة بلبنان. وعرض هيكل خلال الاجتماع احتياجات الجيش اللبنانيّ لاستكمال مراحل انتشاره على الأراضي اللبنانيّة.

وعلى هامش الاجتماع، التقى وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبد العاطي لودريان، مؤكّدًا موقف مصر الدّاعم لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، ومشدّدًا على أولوية تمكين مؤسّسات الدّولة الوطنيّة اللبنانيّة من الاضطلاع بمسؤوليّاتها كاملة، وفي مقدّمها الجيش اللبنانيّ لضمان الاستقرار.

كما أشاد عبد العاطي بـ"الدّور الفرنسيّ الفاعل"، مرحّبًا بانعقاد مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن اللبنانيّة في باريس يوم 5 آذار، وبالمساعي الرّامية لعقد مؤتمرٍ لاحق لدعم الاقتصاد وإعادة الإعمار، معلنًا "استعداد مصر لتقديم سبل الدّعم كافّة لإنجاح هذه الاستحقاقات". وفي المقابل، ركّز على ضرورة تبنّي المجتمع الدوليّ "مقاربة شاملة"، معتبرًا أنّه "لا سبيل لاستعادة الاستقرار إلّا عبر إلزام إسرائيل بالوقف الفوريّ لعدوانها، والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701 دون انتقائيّة"، محذّرًا من مخاطر استمرار السياسات الإسرائيليّة التصعيديّة على أمن المنطقة.

لكنّ المفارقة التي تُثقل هذا المسار أنّ المجتمع الدوليّ يُحاول تقوية الشرعيّة عبر الجيش، فيما يلوّح التهديد الإسرائيليّ بتدمير بيئة الشرعيّة نفسها، من مطارٍ ومرافئ وطاقة. أيّ شرعيّةٍ تُدعَم إذا كانت بنيتها التحتيّة تحت سيف الرسائل؟

 

الطعن بالموازنة

على خطّ موازٍ، وفي لحظةٍ تُشبه الطوارئ الوطنيّة، دخلت موازنة 2026 متاهة الطعون أمام المجلس الدستوريّ، عبر مراجعتين، تقدّم بالأولى عشرة نوّاب غالبيتهم من نوّاب التغيير، وبالثانية تكتّل "الجمهوريّة القويّة". ويستهدف الطعن موادّ قد تُغيّر وجهة الموازنة إذا أُخذ بها.

وتبرز المادة 55 في صلب الاعتراض، إذ تمنح الحكومة، ممثّلة بوزير الماليّة، حقّ التشريع الجمركيّ، وعلى أساسها اتُّخذ قرار رفع الرسوم على البنزين بقيمة 300 ألف ليرة، ورفع رسوم الحاويات في المرفأ. وفي هذا السياق، أكّد مصدرٌ ماليّ مواكب للملفّ أنّ "منح قانون الموازنة وزير الماليّة حقّ التشريع الجمركيّ يجعل القرار المتّخذ قانونيًّا بالكامل"، لافتًا إلى أنّ إعادة النظر به تبقى مرهونةً بقرار المجلس الدستوريّ في حال قبوله الطعون شكلًا ومضمونًا. وفي حال حصول ذلك، وهو سيناريو مستبعد بحسب المصدر، يعود قرار الحسم إلى مجلس النوّاب لاتّخاذ التعديلات أو الحلول القانونيّة المناسبة.

ويشمل الطعن أيضًا موادّ إضافيّة، أبرزها ما يتعلّق بخمس عشرة مادّة أُضيفت في اللّحظات الأخيرة من قبل لجنة المال بعد إحالة المشروع من الحكومة وقبل عرضه على الهيئة العامّة، وقد رتّبت، وفق ما ورد، نفقاتٍ إضافيّة من دون نقاشٍ كافٍ أو تدقيقٍ من عددٍ من أعضاء اللجنة. كما أُشير إلى أنّ سقف الاعتمادات ارتفع خلافًا لما تجيزه المادة 84 من الدستور، بنحو 3700 مليار ليرة.

 

 

يُشبه لبنان اليوم غرفةً مليئة بأجهزة إنذارٍ تعمل في الوقت نفسه. إنذارٌ إقليميّ يتقدّم نحو مواجهة أميركيّة إيرانيّة محتملة، وإنذارٌ إسرائيليّ يُلوّح بتدمير شامل للبُنى التحتيّة إذا قرّر حزب الله الانخراط، وإنذارٌ داخليّ عنوانه عجز المنظومة السياسيّة عن إنتاج قرارٍ سياديّ موحّد يوازن بين حماية الدولة وتجنّب الانتحار الجماعيّ. وفي المقابل، يحاول الخارج بناء شبكة أمان للجيش، لأنّه آخر ما تبقّى من فكرة الدولة. لكنّ هذه الشبكة لن تكفي إن بقيت الدولة بلا بوصلة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث