"ليس ضرورياً أن تُفضي كلّ مواجهة إلى التغيير، لكن لا شيء يتغيّر إذا لم تحصل مواجهة".
تخيّلوا للحظة المشهد التالي: مظاهرات تعمّ المناطق اللبنانية، ليس اعتراضاً على قرار حكومي أو لإسقاطها، بل دعماً لها والشدّ على يدها في مواجهة حيتان الفساد. هذا السيناريو لم يحصل، لكنّه كان ممكناً في بلدٍ يريد أن يستعيد معنى الدولة بعد عقود من التسويات.
جاء العهد الجديد بخطاب قسم وبيان وزاري واضحَين وحازميَن. وما تلا ذلك من قرارات بموضوع حصريّة السلاح لم يكن كلاماً فارغاً، بل تُرجم فعليّاً على الأرض جنوب الليطاني. وهذا إنجاز حقيقي لا يجوز الاستهانة به، لأن أي خطوة باتجاه سيادة الدولة واحتكارها السلاح هي خطوة تأسيسيّة، لا تفصيل سياسي.
تسويات على حساب الشعب
لكن الناس التي تقف مع الحكومة في معركة السلاح، تنتظر معركة أخرى بالمنطق نفسه والزّخم نفسه: معركة مكافحة الفساد، وبسط سيادة القانون على كلّ النّاس، واستعادة الموارد المنهوبة، وتعميم مبدأ المساواة والعدالة بحيث يُحاسَب المرتكب ويُحمى الملتزم بالقانون، ويُفكّك نظام الحصانات غير المُعلنة الذي يحمي الناهبين.
لم تأت هذه المعركة. بدلاً منها، جاءت قرارات الحكومة الأخيرة التي قضت برفع تعرفة الـTVA 1%، وزيادة سعر صفيحة البنزين ما قيمته 4$، لتُضعف الآمال المعقودة على فتح هذه الجبهة. فزيادة إيرادات الخزينة كان يمكن أن تأتي من مصادر أخرى كالأملاك البحريّة والنهريّة، والكسّارات والمقالع، وتهريب الأموال الى الخارج (حيث تُقدّر العوائد الضريبية على هذه الاموال بـ2 مليار دولار بالحدّ الأدنى، بحسب الأستاذ المحاضر في قوانين النقد والمصارف توفيق شنبور). لكن الحكومة لم تلجأ إلى هذا الخيار، خيار معالجة الفجوات البنيويّة التي تعوق مشروع بناء الدولة. ليس جهلاً، بل تجاهلاً اختار العهد ورئيس حكومته والحكومة التّعاطي السطحي مع هذا المشروع. فقرارات الحكومة الأخيرة وما سبقها بملفّ التعيينات، التي كانت غراسيا قزّي آخر العنقود فيه، مروراً بقانون "الفجوة المالية" الذي يوحي بأن نيزكاً سقط على لبنان، فابتلع الأموال وقضى على أي إمكانية محاسبة وتدقيق جنائي، إلى ملفّ التفرّغ في الجامعة اللبنانية، الذي يُذكّر بتوظيفات أوجيرو على أبواب انتخابات الـ2018، كلّها إشارات بعنوان واحد هو business as usual، لا جديد: تسويات فوق تسويات، إعادة تدوير، تمييع المحاسبة، وشراء وقت سياسي على حساب فكرة الدولة.
البند الوحيد على الأجندة هو حصريّة السلاح. وبالرّغم من جوهريّته إلّا أنّه مرتبط بشكل حيوي بمعركة مكافحة الفساد؛ فكما أنّ السيادة الكاملة هي شرط أساسي لبناء الدولة، كذلك إن مكافحة الفساد ومعاقبة الفاسدين لا يقلّ جوهريّة؛ هو ليس تفصيلاً سياسياً. فكما أنّ السيادة لا تقبل النّقاش، كذلك المال العام لا يقبل التنازل عنه، هو ليس ملك الحكومة ولا رئيسها ولا رئيس الجمهورية؛ هو ملك النّاس الذّي لا يحقّ لأي كان أن يتنازل عنه ويساوم عليه.
عقاب جماعيّ مرّ
السياسة الضريبيّة هي خيار اقتصادي يمكن مناقشته ويقبل تعدّد وجهات النّظر. أمّا موارد الدّولة المُصادرة والمال العام المنهوب لا يخضعان لأي نقاش أو وجهة نظر: لا يحقّ للحكومة أن تفرض ضرائب على الناس من أجل تمويل خزينتها، في الوقت الّذي يكون فيه المال العام مُستباحاً، مسروقاً، مُهرّباً، ومحميّاً بشبكات نفوذ لا تُمسّ.
أوّلاً، نُعيد الأمور لنصابها: نستردّ ما لنا، نعاقب السّارق، ومن ثمّ ننتقل لمناقشة كيفيّة تمويل الخزينة وزيادة الواردات. لا نُنزل عقاباً جماعياً بالناس، بينما الاوليغارشيّة السياسية-المالية المتحالفة مع السلطات الدينية تسرح وتمرح وتُحاضر!
يُطرح هنا سؤال كبير: ما الجدوى من حصريّة السلاح إذا لم يكن هناك مشروع حقيقي لإرساء المبادئ الأساسية والبديهيّة لبناء الدولة المتمثّلة بسيادة القانون والانصاف والعدالة؟
دائماً ما كان الادّعاء بأن السلاح يحمي الفساد. اليوم ومع تراجع تأثير السلاح داخلياً بشكل ملحوظ جدّاً، انقلبت المعادلة. الفساد هو من أخذ على عاتقه حماية السلاح ولو بشكل غير مُعلن، والاثنان راضيان بهذا الوضع: استمرار السلاح يُبقي معركة مكافحة الفساد والفاسدين مؤجّلة. فقد تكوّنت في الوعي الجماعي -بفعل مقصود ومُمنهج- فكرة أنّه لا يمكن ولا يجوز ولا يجب الحديث بأي موضوع أو معالجة أي مشكلة قبل الانتهاء من ملفّ السلاح. "قدسيّة الأولويّات" هذه، أبقت المجتمع في مستنقع المراوحة والتراجع والتخلّف، حوّلت كلّ ملفّ الى رهينة، فأصبح المجتمع يُدار بالانتظار، وبتعليق العدالة بدل فتح معركة تطبيقها، وبالتعوّد على الفشل بدل معاكسته.
بالمقابل، يبقى السّلاح مطمئناً طالما أنّ معركة الفساد مؤجّلة، فهو بذلك يتنصّل من أي مسؤولية، ويكسب الوقت داخلياً، تماماً كما يحاول كسبه إقليمياً. يتحرّر حزب الله من أي "إحراج" طالما أنّ السلطة تتعامل مع الملفّ من زاوية واحدة، لا من زاوية مشروع دولة متكامل. فهي تُقدّم له البيئة المثالية لرفض الدولة، بينما تتخلّى الدولة نفسها عن معاييرها في ملفّات الفساد والمال العام، فتضعف حجّتها.
معركة الفساد مؤجّلة
إن هذا الانسداد ليس مجانيا، ولعلّ الثّمن الأكثر ارتفاعاً له هو موت فكرة "الحقّ" ذاتها. وحين تؤجّل معركة الفساد، يُشرّع باب النّهب ويُعاد انتاجه متحوّلاً الى "عامل استقرار". وحين تتحوّل الدولة الى جهاز يقسو على الضّعيف ويتسامح مع القويّ، تفقد معناها كعقد اجتماعي: فإذا كان قويٌّ ينجو بسرقته، لماذا لا ينجو قويٌّ آخر بسلاحه؟
نعود الى مشهد المظاهرات الشعبية الذي بدأنا به، والذي لم يحصل، كيف ولماذا كان من الممكن أن يحصل؟
لإن رئيس الحكومة القاضي نوّاف سلام، كان على رأس محكمة العدل الدولية حين أصدرت أوامرها المتتالية بحقّ الارتكابات الإسرائيلية، ولم يخف ويتراجع. ولأنّ ما يفوق الثلاثمئة ألف امرأة ورجل وشاب وشابّة صبّت أصواتها لصالح مرشّحي التغيير في الانتخابات النيابية سنة 2022. ولأن خطاب القسم وبيان الحكومة الوزاري جاءا ليُعيدا الأمل لهذه الكتلة الناخبة الأكبر في لبنان، بعد الخيبة التي مُنيت بها من أداء أغلبيّة نواّب التغيير. كان ممكناً لهذا السيناريو أن يحصل لأن رئيس الحكومة اختار اطلالته الإعلامية الأولى أن تكون عبر تلفزيون لبنان، معلناً بذلك وقوفه لجانب الدولة ومؤسّساتها المهمّشة.
تساءل الكثيرون كيف يمكن لرسم بسيط على الواتساب أن يدفع الناس للنزول إلى الشارع، بينما الضرائب الأخيرة التي فرضتها الحكومة لم تحرّك ساكناً. قد تكون الناس قد أصبحت بحاجة للنزول الى الشوارع والطرقات لا اعترضاً، لكن دعماً لمسؤول اختار خوض غمار معركة محاربة الفساد، لا الاكتفاء بإدارة الأزمة. الناس بحاجة الى مسؤول يُعيد تعريف الدولة كحماية للحقّ، لا كمنصّة تسويات، والّا...لا جديد.




