ميونيخ: قلق أوروبا وهندسة الشرق الأوسط

خلدون الشريفالاثنين 2026/02/23
Image-1771789087
انصب الضوء على العلاقة الأميركية-الأوروبية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في ميونيخ هذا العام، لم يكن القلق موضوعًا للنقاش… بل كان الحاضر الحقيقي في القاعة.

لم يأتِ القادة لتبادل تقييم التهديدات، بل ليختبروا سؤالًا أكبر: هل ما زال النظام الذي حكم العالم منذ الحرب العالمية الثانية قابلًا للحياة؟

يُعدّ مؤتمر ميونيخ للأمن أحد أبرز المنتديات الدولية السنوية التي تجمع رؤساء دول ووزراء دفاع وخارجية وقادة عسكريين وأمنيين وخبراء استراتيجيين لمناقشة مستقبل الأمن العالمي. لكنه ليس مكانًا لاتخاذ القرارات بقدر ما هو مساحة لالتقاط الاتجاهات الكبرى قبل أن تتحول إلى سياسات.

وهذا العام، لم يكن النقاش عن أزمة بعينها، بل عن شعور يتسلل إلى العواصم الغربية: الخوف من عالم لم يعد يمكن التنبؤ به.

في العلن، انصبّ الضوء على العلاقة الأميركية-الأوروبية، وعلى سؤال بات يُطرح بلا مواربة: هل ما زال بإمكان أوروبا الاتكال على المظلّة الأميركية؟

لكن في العمق، دار نقاش آخر: ماذا يحدث عندما يبدأ الحلفاء أنفسهم بالتساؤل عن صلابة التحالف… إن لم يكن عن التحالف نفسه؟

 

ماكرون: نهاية زمن الاتكال

تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بلغة بدت أقرب إلى إعلان تحوّل منها إلى موقف سياسي. بالنسبة إليه، لم تعد أوروبا قادرة على العيش في ظل ضمانات خارجية.

لم يعد النقاش حول تعزيز القدرات فقط، بل حول القدرة على الدفاع عن المصالح الأوروبية بصورة مستقلة.

لم يهاجم واشنطن، لكنه لم يخفِ القناعة بأن زمن الاعتماد شبه التلقائي قد انتهى.

الاستقلال، في نظره، لم يعد فكرة… بل ضرورة.

 

ميرتس: الواقعية بدل القطيعة

في المقابل، بدا المستشار الألماني فريدريش ميرتس أقل حماسة لفكرة الاستقلال الكامل. أقرّ بأن النظام الدولي الذي نشأ بعد 1945 يتفكك، لكنه حذّر من تحويل ذلك إلى دعوة لفك الارتباط.

بالنسبة إليه، لا يزال التحالف عبر الأطلسي إطارًا لا غنى عنه، حتى لو احتاج إلى إعادة توازن.

في ميونيخ، تحدثت باريس عن الاستقلال، في حين فضّلت برلين الحديث عن إعادة بناء الثقة.

الأولى ترى أن زمن الاتكال انتهى، والثانية تخشى أن يكون زمن التحالف نفسه هو الذي يمر بمرحلة تحول.

 

من تقاسم الأعباء إلى تقاسم المخاطر

ما تبلور في النقاشات لم يكن مجرد دعوة لزيادة الإنفاق العسكري. لم يعد المطلوب من أوروبا أن تدفع أكثر فقط، بل أن تخاطر أكثر.

العالم الذي يتجه نحو تعددية قطبية لا يتيح الاكتفاء بالتمويل، بل يفرض المشاركة في إدارة الأزمات.

لم يعد السؤال كم ستنفق أوروبا على أمنها، بل إلى أي حد هي مستعدة لتحمّل تبعات الدفاع عنه.

 

روبيو: الغرب منظومة قوة

جاء خطاب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مختلفًا في النبرة، لكنه لم يكن بعيدًا في الجوهر.

دعا الأوروبيين إلى الحفاظ على قوة الغرب، لا كتحالف عسكري فقط، بل كمشروع حضاري واقتصادي. وفي الوقت نفسه، أقرّ بأن العلاقة عبر الأطلسي تمر بلحظة مفصلية، في عالم تتراجع فيه قدرة أي قوة على إدارة النظام بمفردها.

اللافت أن الاستقلال الأوروبي لم يُطرح هنا كتهديد، بل كجزء من إعادة توزيع المسؤوليات. فالعالم لم يعد يُدار من مركز واحد، بل عبر شركاء قادرين على تثبيت الاستقرار في محيطهم.

 

أوروبا بين طموحين

خرج ميونيخ بانطباع واضح: أوروبا تدرك ضرورة تحمّل مسؤولية أمنها، لكنها لم تحسم بعد كيف تفعل ذلك.

فرنسا ترى استقلالًا استراتيجيًا، وألمانيا ترى استقلالًا تدريجيًا ضمن الناتو.

وبين الطموح والقدرة، يبقى السؤال: من يقود المشروع؟ ومن يتحمّل المخاطر؟

 

الشرق الأوسط: الحاضر الغائب

لم يكن الشرق الأوسط نجم المؤتمر. لكن غيابه عن المنصة جعله حاضرًا في كل حساب. واللافت أن الحضور العربي كان أكثر نشاطًا في الجلسات المغلقة والحوارات الجانبية منه في المنصات الرئيسية، خصوصًا في ما يتصل بمستقبل الاستقرار الإقليمي وتداعيات حرب غزة والمسار السوري.

في جلسات جانبية، دار نقاش حول مستقبل التكامل الإقليمي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من التفكك.

فبعد موجة التفاؤل الغربية التي أعقبت اتفاقات أبراهام، والتي رأت في المنطقة بداية مسار اندماج جديد قائم على المصالح الاقتصادية والتكنولوجية، جاءت حرب غزة لتكسر فرضية الاستقرار السريع، وتعيد إدخال الصراع إلى قلب المعادلة.

ومع التوترات السعودية–الإماراتية المرتبطة بانتهاج مسارين مختلفين في إدارة التحولات الإقليمية، برزت حدود التوافق الخليجي الذي شكّل ركيزة ذلك التفاؤل.

وفي موازاة ذلك، أظهرت هشاشة الانتقال السوري أن إعادة إدماج الدول المنهكة في منظومة إقليمية جديدة ليست مسارًا خطيًا، بل عملية محفوفة بالاختبارات.

عند هذا التقاطع، عاد السؤال الذي ظن كثيرون أنه أصبح من الماضي: هل تتجه المنطقة نحو تكامل تدريجي… أم نحو إعادة إنتاج الانقسام بأشكال جديدة؟

 

لكن النظرة تغيّرت.

لم يعد الشرق الأوسط يُرى فقط كمصدر تهديد، بل كجزء من منظومة الاستقرار المقبلة.

ومع تراجع شهية القوى الكبرى للانخراط المباشر، بات مطلوبًا من الفاعلين الإقليميين الكبار -وفي مقدمتهم السعودية وتركيا ومصر- إنتاج حد أدنى من التوازن الذاتي يمنع الانزلاق إلى الفوضى.

وتبقى إيران، بثقلها الجيوسياسي وشبكة نفوذها الإقليمي، عنصرًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة، سواء كعامل توازن أو كمصدر توتر.

أما إسرائيل، فتمثل حالة مختلفة، إذ تجمع بين مشاركتها في بعض ترتيبات الاستقرار مع لاعبين في جوارها المباشر وصولًا إلى الإمارات، وبين تصاعد الشكوك التي يثيرها سلوكها لدى محيطها العربي، ما يجعل دورها جزءًا من المعادلة… ومصدرًا دائمًا للقلق في الوقت نفسه.

 

ميونيخ بين عالمين

في نهاية المطاف، لم يكن مؤتمر ميونيخ عن أزمة محددة، بل عن انتقال.

أوروبا تبحث عن أمنها في ظل تراجع اليقين الأطلسي، والشرق الأوسط يبحث عن استقراره في ظل تصاعد أخطار التفكك.

عالم لم يعد يُدار من مركز واحد يتجه نحو نظام تُصان فيه التوازنات عبر أقاليم قادرة على منع الانهيار قبل إنتاج الاستقرار.

في ميونيخ، لم يكن الشرق الأوسط على المنصة، لكنه كان حاضرًا في معادلة المستقبل.

وفي عالم يتراجع فيه اليقين، لم يعد السؤال من يقود النظام… بل من يمنع انهياره.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث