يُعدّ "مجلس السَّلام (Board of Peace)" كيانًا دوليًا جديدًا للإشراف والحوكمة، كحجر زاوية في خطّة النقاط العشرين الشاملة لإنهاء الصراع في غزّة. إنّ مجلس السلام هو الهيئة العليا التي تضم قادة العالم المدعوين، ويترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصفته "رئيساً مدى الحياة" وفقًا لميثاق المجلس. من أهدافه الرئيسة: الأمن، عبر الإشراف على قوة الاستقرار الدولية (ISF)لنزع سلاح الفصائل وتدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة؛ إعادة الإعمار، عبر حشد رؤوس أموال ضخمة عبر نموذج "الدفع مقابل المشاركة"، حيث تساهم الدول مالياً مقابل الحصول على مقاعد دائمة؛ والحكم، عبر الإشراف على الإدارة المحلية لحين إجراء إصلاحات مُرضية في السلطة الفلسطينية.
أولاً: السوابق التاريخية والقانونية مقارنة مع "مجلس السلام"
إنّ مجلس السلام يربط النفوذ السياسي بالمساهمة المالية المباشرة (نموذج مليار دولار للمقعد) في صندوق المجلس، وهو ما يشبه نظام بيع الألقاب أو المكاتب الذي كان سائداً في العصور الوسطى.
من الناحية الوظيفية، يُشبه مجلس السلام شركات الامتيازCompanie Chartered في القرن التاسع عشر، وإلى حدّ بعيد شركة الهند الشرقية البريطانية أو شركة جنوب أفريقيا البريطانية. كانت هاتان الشركتان كيانات خاصة تمنحها بعض الدول (مثل بريطانيا) ميثاقاً لممارسة السيادة، وجباية الضرائب، وتشكيل جيوش، وإدارة أقاليم، مقابل تحقيق استقرار تجاري وإعادة إعمار.
كما وتُعتَبَر سابقة سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق للعام 2003، الأقرب زمنياً وهيكلياً لمجلس السلام. فبعد غزو العراق، أُنشئت سلطة الائتلاف من قبل الولايات المتّحدة الأميركيّة برئاسة بول بريمر لإدارة البلاد وتفكيك حزب البعث وإعادة بناء المؤسسات. مثلما يُعيِّن ترامب اليوم تكنوقراطاً في غزّة، قام بريمر بتعيين مجلس الحكم الانتقالي. تجدر الإشارة، إلى أنّ قرارات سلطة الائتلاف (كالقرار رقم 39 بشأن خصخصة الشركات العامة) قد اعتُبرت تجاوزاً لولاية المحتلّ بموجب اتفاقيات لاهاي وجنيف، التي تُلزم الإدارة المؤقتة باحترام القوانين الوطنية القائمة.
مقارنةً مع الإدارة الانتقالية الدولية في تيمور الشرقية (UNTAET) وبعثة الأمم المتحدة في كوسوفو(UNMIK)، اللتين أنشأتا في العام 1999 كأجهزة فرعية تابعة للأمم المتحدة، وتخضع للمساءلة وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، إنّ مجلس السلام، وعلى الرغم من أنّ قرار مجلس الأمن 2803(2025) قد رحّب بإنشائه، إلّا أنّ المجلس يُعرّف عن نفسه ككيان مُستقل بشخصيّة قانونية دولية خاصة به. هذا يجعله أقرب إلى اتّحاد دوليّ خاص منه إلى بعثة حفظ سلام تقليدية، ممّا يُضعف آليات الرقابة القانونية الدولية عليه. أمّا الاختلاف الأكبر، فيبرز في هيكله التمويلي، فالبعثات الدولية تعتمد على اشتراكات الدول الأعضاء والميزانية العامة للأمم المتحدة لضمان الحياد. أمّا نموذج المجلس فيتبنى الدفع مقابل السيادة (Pay-to-Play)، حيث يُمنح حقّ التصويت والعضوية بناءً على المساهمات المالية الضخمة. قانوناً، هذا يُغيّر من طبيعة السلطة الإدارية، من ولاية دولية (Trusteeship) تهدف لمصلحة السكّان المحليين، إلى هيئة إدارة أصول تهدف لحماية استثمارات المانحين.
ثانياً: شرعيّة "مجلس ترامب" من منظار القانون الدولي العام
تُعتبر الوضعية القانونية للمجلس قضية شائكة. فبالرغم من تفويض قرار مجلس الأمن 2803(2025) لمجلس السلام نشر قوّة استقرار مؤقتة، ومنحه صبغة قانونية دولية للعمل داخل غزّة، إلّا أنّ طبيعة ميثاقه جاءت تُناقِض القانون الدولي. فهو يخلط بين المصلحة التجارية والسيادة الوطنية. إنّ استعادة هذا النموذج في غزّة عام 2026 عبر مجلس السلام يُعدّ سابقة لم تحدُث منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية.
إنّه وبالرغم من تصويره كإدارة انتقالية تهدف للتمهيد لحكم فلسطيني سيادي، إنّ ميثاق المجلس يصف مهامه بالعالمية والدائمة، خلافاً لقرار مجلس الأمن 2803 المحصور في غزّة وينتهي في نهاية العام 2027، ممّا يجعل المجلس يفتقر لأساس قانوني دولي مستدام. فميثاق مجلس السلام، لا يحدّد جدولاً زمنياً لنقل السلطة للفلسطينيين، بل يربطها بإصلاحات غير محدّدة المعايير. هذا الانتداب المفتوح يتناقض مع اجتهاد محكمة العدل الدولية في "قضية تيمور الشرقية" التي أكّدت في قرارها العام 1995 أنّ حقّ تقرير المصير هو حقّ غير قابل للتصرّف ومواجه للكافة (Erga Omnes)، لا يجوز رهنه بشروط سياسيّة، مالية أو إداريّة. وكونه يشترط مساهمات مالية ضخمة للحصول على مقعد، فهو يمثّل سابقة تُخلّ بمبدأ المساواة السيادية بين الدول في القانون الدولي.
بموجب القانون الدولي الإنساني تظلّ غزّة أرضاً خاضعة للاحتلال طالما لم يتمّ التوصّل إلى تسوية نهائية حيث يتوجّب على السلطة الإدارية المؤقّتة الحفاظ على القوانين القائمة وعدم إجراء تغييرات جذرية في البنية السياسية أو الاقتصادية للإقليم المُحتَل. حسب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدوليّة سنة 2004 في "قضية الجدار العازل"، إنّ أيّ سلطة تمارس سيطرة فعليّة على إقليمٍ ما (حتى لو كانت إدارة دولية) مُلزمة باتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 بشأن حماية السكّان المدنييّن. وعليه، لا يُمكن لمجلس السلام التذرُّع بصفته الدولية للتحلُّل من التزاماته تجاه السكان المدنيين. إنّ منح ميثاق مجلس السلام صلاحيات واسعة لإعادة صياغة القوانين الأساسية في غزة (مثل قوانين الملكية العقارية والتجارية والمدنية) لجذب الاستثمارات، أو أيّ محاولة من المجلس لتغيير التركيبة الديموغرافية فهو يُصنَّف كتغييرٍ غيرُ قانونيٍّ في الوضع الراهن، وهو ما كان محظوراً حتّى في البعثات التي قادتها الأمم المتحدة سابقاً. علماً أنّه وفقاً للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1971 في "قضية ناميبيا"، إنّ الانتداب هو أمانة مقدّسة للحضارة وليس صكّ تملُّك للأراضي، وأنّ السلطة المنتدبة لا تملك السيادة على الإقليم. وبالتالي، هل إنّ مجلس السلام هو أمينٌ على غزّة أم مالكٌ جديدٌ لقرارها؟
كما وأنّه في "قضية مشروعيّة استخدام القوة"، فلقد ميّزت محكمة العدل الدوليّة في قرارها الصادر سنة 1986 ما بين العمليات التي تتمّ تحت إشراف وسيطرة فعليّة من الأمم المتحدة، وبين العمليات التي تقوم بها دول تحت غطاء تفويضٍ عام. وبالتالي، إذا مارس مجلس السلام عمليّات عسكرية عبر قوّة الاستقرار الدولية خارج إطار مجلس الأمن، فإنه يتحوّل من أداة دولية إلى وكيل لمصالح دولٍ بعَينها. في هذه الحالة، يُمكن اعتبار أيّ تدخل عسكريّ غير متناسبٍ خرقاً لمبدأ عدم التدخُّل.
يسعى مجلس السلام لإنشاء محاكم خاصة لفضّ النزاعات الاستثمارية في غزّة، متجاوزاً المحاكم المحليّة وحتى الأُطُر القضائية الدولية التقليدية. إضافة إلى أنّه يهمش الوكالات، عبر استبدال وكالات مثل الأونروا بالمجلس التنفيذي لغزّة، وبالتالي ينتقل المجلس من دور المُيَسّر إلى دور البديل الوظيفي الكامل للأمم المتحدة في القطاعات الحيوية.
كما وفي رأيها الاستشاري بشأن "قضية التعويض عن الأضرار 1949"، اعتبرت محكمة العدل الدولية أنّ الأمم المتحدة تملك شخصية قانونية دولية لأنّها تمثّل إرادة المجتمع الدولي ككلّ. أمّا المجلس فيقوم على الدعوات الخاصة والمساهمات المالية ويفتقر إذاً إلى صفة العالمية. ففي حال وقوع نزاع قانوني، قد لا تعترف محكمة العدل الدولية بالحصانات الدبلوماسية لمسؤولي المجلس، لأنّ وجوده يقوم على اتفاق تعاقديّ خاص خارج إطار القانون الدولي العام.
ما يفعله مجلس السلام في غزّة هو محاولة لدمج كفاءة القطاع الخاص الأجنبي مع سلطة الدولة. تاريخياً، كلّما حدث هذا الاندماج، كانت النتيجة تهميشاً للقانون الدولي العام لصالح قانون القوّة أو قانون المال. من الناحية القانونية الصرفة، يمثّل مجلس السلام خروجاً عن تقاليد القانون الدولي عبر محاولة دمج قانون العقود الخاص مع القانون الدولي العام، مما يخلق هجيناً قانونياً يفتقر إلى السوابق.
ثالثاً: هل يشكّل مجلس السلام بديلاً عن الأمم المتحدة؟
رغم أنّ المجلس يدّعي العمل مع الأمم المتحدة، إلّا أنّ الواقع يشير إلى مسارٍ موازي. ففي غزّة، استحوذ المجلس فعليًا على أدوار إعادة الإعمار والتنسيق الأمني التي كانت تضطلع بها وكالات مثل الأونروا أو مكتب المُنَسَق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. إنّ القراءة الدبلوماسية تشير إلى أنّ المجلس هو تحالف الراغبين المُصَمَّم لتجاوز العقبات البيروقراطية في الأمم المتحدة، ممّا يجعله منافسًا وظيفيًا للنظام الدولي القائم وليس مجرد مُكمّلٍ له. إنّ مجلس السلام ليس مجرّد أداة لإدارة غزة، بل يشكّل بالون اختبار لمستقبل العلاقات الدولية. إذا نجح في البقاء كبديل للأمم المتحدة بعد عام 2027، فإننا بصدد الانتقال من عصر العالمية والقانون إلى عصر التكتلات والاستثمار السيادي.
إنّ مجلس السلام يُمثل عودة لنموذج شركات الامتياز التي كانت تدير الأقاليم في القرون السابقة، ولكن بغطاء دبلوماسي حديث. السابقة التي يؤسس لها المجلس هي انتقال القانون الدولي من نظامٍ تعاقدي بين الدول إلى نظامٍ استثماريّ بين مساهمين. يمثّل مجلس السلام تحولاً جذريًا نحو الدبلوماسية المُخَصْخَصَة والمدفوعة بقرارات تنفيذية. وبينما يمتلك تفويضًا مؤقتًا في غزة، فإنّ شرعيته طويلة الأمد كبديلٍ للأمم المتحدة تظلّ مُعلّقة، ونجاحه سيعتمد على قدرته على إعمار غزة دون تقويض النظام القانوني الدولي بشكل دائم.




