انكشاف سياسي وشكوك بدعم الجيش: لبنان إلى الحرب بلا خطة طوارئ

مانشيت - المدنالاثنين 2026/02/23
GettyImages-2206665131.jpg
ليس الإجلاء الأميركي تفصيلًا إداريًا. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

مع إجلاء واشنطن العديد من موظّفي سفارتها وعائلاتهم عبر مطار بيروت، يمكن القول إنّ المنطقة دخلت رسميًّا في "بروتوكول ما قبل المواجهة". فهذه إشارةٌ قويّةٌ إلى أنّ الضربة الأميركيّة لإيران باتت مسألة توقيتٍ لا أكثر. وتاليًا، بات على لبنان، المكشوف سياسيًّا، أن يبحث عن وسيلةٍ للاحتماء من صدماتٍ إسرائيليّةٍ محتملة، إذا ما قامت واشنطن، ومعها العديد من القوى الدوليّة والإقليميّة، بـ"نفض اليد" من تغطيته وخطط دعمه التي كانت مرتقبة.

إشاراتٌ إقليميّةٌ عدّة تلاقت مع الإجلاء الأميركي لتوحي باقتراب المواجهة، أبرزها هبوط مقاتلاتٍ أميركيّةٍ في مطار بن غوريون للتزوّد بالوقود، ومبادرةُ مرشد الثورة علي خامنئي إلى تكليف علي لاريجاني بإدارة السلطة في حالات الطوارئ والاغتيالات. فهذا اعترافٌ إيرانيٌّ صريحٌ بأنّ "بنك الأهداف" الأميركي، الإسرائيلي يتضمّن رؤوس الهرم، وهو ما يعني أنّ محور طهران بكامله هو اليوم في حالة استنفارٍ وجوديّ.

اللافت أيضًا هو صمتُ "الكابينت" الإسرائيليّ الذي عقد اجتماعاتٍ بدءًا من الأحد، ولم يصدر عنه شيء، ما يثير الخوف من "هدوءٍ يسبق العاصفة". ويخشى لبنان أن يتضمّن التنسيقُ الإسرائيليّ مع الضربة الأميركيّة تفويضًا لتنفيذ عمليّةٍ أو عمليّاتٍ واسعةٍ في لبنان، بشكل غاراتٍ موضعيّةٍ قد تتحوّل اجتياحًا برّيًّا أو تدميرًا شاملًا للبنية التحتيّة لحزب الله.

وبينما يتوجّه قائدُ الجيش والمديرُ العامّ لقوى الأمن الداخلي إلى القاهرة لتمهيد الطريق لمؤتمر باريس في 5 آذار، تأتي الرسائلُ الدوليّة مخيّبةً للآمال، بعد تقليص مستوى بعض المشاركين، ما يُفسَّر على أنّه رسالةُ احتجاجٍ سياسيّةٌ مغلّفةٌ ببروتوكولٍ دبلوماسيّ، تعبيرًا عن فشل انطلاق المرحلة الثانية من خطّة حصر السلاح. فالدولة، على الرغم من كلّ الوعود، لم تُظهر جدّيّةً في التنفيذ. وهذا ما انعكس أيضًا شكوكًا في ما يتعلّق بـ"الميكانيزم"، إذ يسود عدمُ اليقين حول اجتماع اللجنة المقرّر بعد غدٍ.

إذًا، يبدو لبنان عالقًا في نفقٍ خطرٍ جدًّا. فمن دون تغطيةٍ دوليّةٍ وإقليميّةٍ فاعلة، هو يخوض المواجهة مع إسرائيل التي تنتظر الساعة الصفر الأميركيّة لتصفية حساباتها القديمة. وكلّ ذلك يتمّ وسط غيابٍ تامٍّ لـ"خطّة طوارئ" وطنيّة لبنانيّة تتجاوز لغة الانتظار التي أثبتت أنّها مدمّرة.

 

بيروت كجبهةٍ محتملة

ليس الإجلاء الأميركيّ تفصيلًا إداريًّا، ولا "روتينًا" في سفارةٍ معتادةٍ على تبديل مستويات جهوزيّتها. في السياسة، ثمّة فارقٌ حاسمٌ بين التحذير وبين الحركة على الأرض، وبين بيانات "القلق" وبين مشاهد الحافلات والحقائب وعبور المطار. عندما تُخلي واشنطن جزءًا من طواقمها غير الأساسيّين، فهي لا تقول إنّ الحرب وقعت، لكنّها تقول إنّ احتمالاتها باتت مرتفعة بما يكفي لإعادة التموضع.

الأخطر على لبنان أنّ هذه الإشارة تأتي وهو أصلًا بلا درعٍ سياسيّ متماسك. دولةٌ تُفاوض على الدعم، وتُؤجّل الحسم في ملفّات الداخل، وتراهن على "أن تمرّ العاصفة"، ثمّ تُفاجأ بأنّ العواصف لا تنتظر من لا يملك خطّة. هنا يصبح الإجلاء الأميركيّ عامل ضغطٍ مزدوج، ضغطٌ أمنيّ بسبب ما قد يتدحرج إقليميًّا، وضغطٌ سياسيّ لأنّه يفتح الباب أمام سؤالٍ قاسٍ، هل تُخفِّف العواصم الكبرى انخراطها في لبنان إذا اشتعلت الجبهات، أم تُضاعفه، أم "تنفض يدها" وتترك البلد على خطّ النار؟

وأُنجز الإجلاء عبر مطار رفيق الحريري الدولي لعشرات الموظّفين، وعددهم 32 من غير الأساسيّين، ضمن ترتيباتٍ لوجستيّة اعتياديّة تُعتمد عند رفع مستوى التأهّب، من دون إعلان تغييرٍ رسميّ في وضع السفارة أو توجيهاتٍ علنيّة إضافيّة. لكنّ "عدم الإعلان" لا يلغي حقيقة الإجراء، فالدبلوماسيّة لا تكتفي بما تُصرّح به، بل بما تفعله.

 

حامات: المُسيّرة التي فتحت باب التأويل

حادثة المُسيّرة في محيط قاعدة حامات الجويّة، ثم إسقاطها، ثم الحركة خارج القاعدة للبحث عنها ومصادرتها، ليست حادثًا أمنيًّا منفصلًا عن السياق. ما يرفع حساسيّتها، أنّ القاعدة تضمّ عسكريّين أميركيّين، يشرف بعضهم على تدريب الجيش اللبناني، فيما أفيد أنّ آخرين ينتمون إلى وحداتٍ خاصّة نُقلت حديثًا من العراق. الأبعد من الحادثة أنّ توقيتها جاءفي لحظة بلغ فيها التصعيد الكلاميّ الأميركيّ تجاه إيران مستوى غير مسبوق من الجديّة، فيما تردّ طهران بإشاراتٍ مفادها أنّ أيّ ضربةٍ لن تبقى محصورة داخل حدودها. وعليه، يصبح السؤال لبنانيًّا بامتياز، هل يتحوّل "التحذير" إلى "إجراءات" متدحرجة، تبدأ بتشديدٍ أمنيّ، ثم بإجلاءاتٍ إضافيّة، ثم بإعادة تموضعٍ دبلوماسيّ، وصولًا إلى واقعٍ جديدٍ على الأرض؟

 

الصمت الإسرائيليّ: "هدوءٌ يسبق العاصفة"؟

صمت "الكابينت" بعد اجتماعاتٍ متتالية، وعدم صدور شيء، لا يُقرأ كفراغٍ إعلاميّ، بل كسياسة. إسرائيل، عندما تُقلّل الكلام، غالبًا ما تُكثّر العمل، أو تُكمل التحضير. وفي السياق الذي يطرحه ، يتقدّم هاجسٌ لبنانيّ: أن يكون هناك تنسيقٌ بين ضربةٍ أميركيّةٍ محتملة لإيران وبين هامشٍ عمليّ تمنحه واشنطن لإسرائيل على الجبهة اللبنانيّة، غاراتٍ موضعيّة تبدأ "دقيقة"، ثم تتوسّع، ثم تنزلق إلى اجتياحٍ برّيّ أو تدميرٍ منهجيّ للبنى التحتيّة والقدرات.

من جهةٍ ثانيّة، يورد  تقريرًا لصحيفة "معاريف" عن معضلة حزب الله في ظلّ احتمال مواجهة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتّحدة من جهةٍ أخرى. ووفق ما جاء، ثمّة صعوباتٌ متزايدة في إعادة بناء القدرات العسكريّة، ولا سيّما المنظومة الصاروخيّة، بفعل تشديد الرقابة الإسرائيليّة على مسارات التهريب عبر سوريا، وتزايد الضغوط الداخليّة اللبنانيّة، مع تقديراتٍ إسرائيليّة تعتبر أنّ أيّ حربٍ مقبلة قد تكون حاسمة لمستقبل الحزب العسكريّ والسياسيّ.

وفي موازاة ذلك، ينقل  ما يفيد بوجود خلافٍ داخل إسرائيل حول تقدير نيّات الحزب إذا نُفِّذت ضربة أميركيّة لإيران، مع روايةٍ إسرائيليّة ترى أنّ طهران تحاول كسب الوقت تفاوضيًّا، وأنّ إسرائيل لا تريد الظهور بمظهر الدافع نحو الضربة، لكنها ترى "فرصة تاريخيّة" لتغيير موازين القوى. هذا الكلام، إذا صحّ في تقديره، يعني أنّ لبنان قد يُستدرج، لا لأنّه يريد، بل لأنّه موجود على خطّ التماس بين رغباتٍ أكبر منه.

أمّا أكثر ما يضغط على الجنوب اليوم ليس فقط احتمال الحرب، بل اهتزاز قواعد الاشتباك السياسيّ والدوليّ.  ينقل عن هيئة البثّ الإسرائيليّة أنّ مسؤولين في الجيش الإسرائيلي أبلغوا الأميركيّين أنّهم يفضّلون العمل مباشرةً مع الجيش اللبناني من دون وجود "اليونيفيل"، معتبرين أنّها "تسبّب ضررًا أكثر من الفائدة"، وأنّها أصبحت "أكثر عدائيّة" في الآونة الأخيرة.

في المقابل، يورد  أنّ تفويض "اليونيفيل" سينتهي نهاية العام الحالي، وأنّ مجلس الأمن قرّر في 28 آب 2025 "تمديد تفويض اليونيفيل لمرّة أخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، والبدء بعملية تقليص وانسحاب منسّقة وآمنة اعتبارًا من 31 كانون الأول 2026 ضمن مهلة عام واحد". هنا يدخل لبنان في أخطر منطقة رماديّة، جنوبٌ قد تتبدّل فيه قواعد الرقابة الدوليّة بالتدريج، فيما ترتفع حرارة الإقليم.

المعادلة بسيطة وقاسية: كلّما تراجعت المظلّة الدوليّة الميدانيّة، ارتفعت احتمالات سوء التقدير، واتّسع هامش "العمل المنفرد" على الحدود، وهذا هو الباب الذي يدخل منه الانفجار عادةً.

 

مؤتمر باريس: الدعم على المحكّ

في الوقت الذي يتوجّه فيه قائد الجيش العماد رودلف هيكل ومدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبدالله إلى القاهرة للاجتماع التحضيري، يظلّ مؤتمر باريس في 5 آذار عنوانًا مضغوطًا بشروطٍ قاسية. ففرنسا، بحسب ما ورد، تريد "تزويد لبنان بأدوات الدولة القويّة التي تحتكر السلاح". العبارة هنا ليست ديكورًا سياسيًّا، بل هي معيار الدعم. لكنّ  يلمّح إلى "رسائل دوليّة مخيّبة"، عبر تقليص مستوى بعض المشاركين، بما يُفهم كاحتجاجٍ سياسيّ مغطّى ببروتوكول. والمعنى أنّ بعض العواصم لا تريد تمويل دولةٍ تقول شيئًا وتفعل شيئًا آخر، ولا تريد الاستثمار في مسارٍ بلا تنفيذ، خصوصًا في المرحلة الثانية من خطّة حصر السلاح.

وإذا كان البرنامج الذي سيُعرض يتضمّن حاجات الجيش وقوى الأمن والمساعدات، فإنّ السؤال الذي يسبق كلّ ورقة عمل هو سؤال الثقة، هل تستطيع الدولة أن تُقدّم ضمانات تنفيذ، لا ضمانات نوايا؟ لأنّ الفارق بينهما هو الفارق بين مؤتمرٍ منتج ومؤتمرٍ للصور التذكاريّة.

 

"الميكانيزم": لجنةٌ مُرجّحة للتأجيل

هذا وتظهر شكوكٍ تحيط بـ"الميكانيزم" وإلى عدم اليقين حول اجتماع اللجنة المقرّر بعد غدٍ. هنا بيت القصيد، في لحظةٍ حرجة، يصبح تأجيل اجتماعٍ تقنيّ، أو ارتباك آليّة، عنوانًا سياسيًّا بحدّ ذاته. عندما يتعطّل "الميكانيزم"، يتعطّل معه معنى الضمانات، وتتحوّل التعهّدات إلى جملٍ إنشائيّة، فيما الوقت يعمل ضدّ لبنان.

 

ولبنان اليوم ليس فقط أمام احتمال مواجهةٍ عسكريّة، بل أمام احتمال خسارة شبكة الدعم إذا بدا أنّه عاجز عن إدارة نفسه. الخطر ليس ضربةً من هنا أو غارةً من هناك فقط، بل أن يُعامل لبنان كملفّ مؤجّل في زمن الحروب الكبرى، وأن تُترك ساحته لتصفية الحسابات، بينما دولته تفتقد "خطة طوارئ" تتجاوز الانتظار.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث