في لُبِّ الأزمنةِ الانتقاليّةِ، حينَ تتكاثفُ الأزماتُ وتتشابكُ المصالحُ، تَميلُ بعضُ النُّخبِ إلى استسهالِ الالتفافِ على الدُّستورِ بدلَ الارتقاءِ إليهِ. وهنا تكمنُ المفارقةُ الكُبرى، فالدُّستورُ ليسَ نصًّا إجرائيًّا قابلًا للتَّسليكِ في منعرجاتِ السّياسويّةِ الضّيّقةِ، بل هوَ عقدٌ تأسيسيٌّ ناظمٌ للكيانِ، ومِعيارٌ حاسمٌ لشرعيّةِ السُّلطةِ، وضابطٌ لحدودِها. إنّ تحويلَ الدُّستورِ إلى مادّةٍ تفاوضيّةٍ ظرفيّةٍ يُفقدُهُ جوهرَهُ القِيَميَّ، ويُحوِّلُهُ من مرجعيّةٍ عليا إلى أداةٍ في بازارِ التَّوازناتِ.
الدَّولةُ الحتميّةُ ليستْ شعارًا إنشائيًّا، بل هيَ نتيجةٌ منطقيّةٌ لمسارِ انتظامٍ دستوريٍّ سليمٍ. فحينَ تتأسَّسُ السُّلطةُ على قاعدةِ الشَّرعيّةِ الدُّستوريّةِ، وتخضعُ المؤسّساتُ لرقابةٍ متبادلةٍ وفقَ مبدأِ فصلِ السُّلطاتِ وتوازنِها، تتكوَّنُ بنيةٌ صلبةٌ للدَّولةِ، قادرةٌ على امتصاصِ الصَّدماتِ وإدارةِ الاختلافاتِ. أمّا حينَ يُصارُ إلى تسليكِ الدُّستورِ في منعطفاتِ المصالحِ الفئويّةِ، فإنّ النّتيجةَ تكونُ دولةً رخوةً، هشَّةَ المرجعيّةِ، قابلةً للتَّشظّي مع أوّلِ اختبارٍ جدّيٍّ.
محاذيرُ الدَّجلِ تبدأُ من اللُّغةِ. فكم من خطابٍ يُزيِّنُ الالتفافَ على النُّصوصِ بذريعةِ الضّرورةِ الوطنيّةِ، أو الخصوصيّةِ المرحليّةِ، أو التَّوازناتِ الحسّاسةِ. هذهِ المفرداتُ، حينَ تُستخدمُ خارجَ سياقِها الدُّستوريِّ، تتحوَّلُ إلى غطاءٍ لعمليّاتِ تفريغٍ تدريجيٍّ للمضمونِ القانونيِّ. إنّ أخطرَ ما في الدَّجلِ أنّهُ لا يُعلنُ نفسَهُ كخرقٍ مباشرٍ، بل يتسلَّلُ كاستثناءٍ عابرٍ، ثمّ يتحوَّلُ إلى قاعدةٍ مستدامةٍ.
والأخطرُ من ذلكَ هوَ الانغماسُ في دوامّةِ التَّلاعبِ الجينيِّ بمنطقِ القانونِ. فكما يُصارُ في علومِ الحياةِ إلى تعديلِ الجيناتِ بما يُغيّرُ خصائصَ الكائنِ، يُصارُ في بعضِ البيئاتِ السّياسيّةِ إلى تعديلِ منطقِ القواعدِ القانونيّةِ بما يُبدّلُ طبيعتَها. يُعادُ تعريفُ المفاهيمِ، ويُعادُ تفسيرُ الصَّلاحيّاتِ، وتُستحدثُ أعرافٌ هجينةٌ، لا هيَ نصٌّ صريحٌ ولا هيَ اجتهادٌ منضبطٌ. هكذا ينشأُ كيانٌ قانونيٌّ مُشوَّهٌ، يُشبهُ الدَّولةَ في شكلِها، لكنّهُ يفتقدُ إلى روحِها.
الخياراتُ ما فوقَ الدَّولتيّةِ الهجينةُ تُشكّلُ بدورِها خطرًا مضاعفًا. إذ حينَ يُصارُ إلى إدخالِ ترتيباتٍ تتجاوزُ السّيادةَ الدُّستوريّةَ من دونَ سندٍ واضحٍ في النَّصِّ، أو إلى إضفاءِ شرعيّةٍ ضمنيّةٍ على وقائعَ خارجةٍ عن احتكارِ الدَّولةِ للعنفِ المشروعِ، فإنّ النّتيجةَ تكونُ تقويضًا صامتًا لأسسِ الكيانِ. الدَّولةُ إمّا أن تكونَ مرجعيّةً نهائيّةً في إدارةِ المجالِ العامِّ، وإمّا أن تتحوَّلَ إلى إطارٍ شكليٍّ تتقاسَمُهُ سلطاتٌ متعدّدةُ الولاءاتِ.
إنّ السّياسويّةَ الضّيّقةَ تُغري بتقديمِ حلولٍ سريعةٍ لأزماتٍ معقّدةٍ. لكنّ هذهِ الحلولَ، حينَ تُبنى على تسوياتٍ خارجَ المنطقِ الدُّستوريِّ، تُراكمُ اختلالاتٍ بنيويّةً. كلُّ استثناءٍ غيرِ مبرَّرٍ يُنشئُ سابقةً، وكلُّ سابقةٍ تُنتجُ عرفًا، وكلُّ عرفٍ يُقوِّضُ تدريجيًّا صلابةَ النِّظامِ. هكذا تتآكلُ الدَّولةُ من داخلِها، لا بانقلابٍ فجائيٍّ، بل بسلسلةٍ من التَّنازلاتِ المموّهةِ.
الدَّولةُ الحتميّةُ تقتضي وعيًا عميقًا بأنّ الشَّرعيّةَ ليستْ ترفًا نظريًّا. هيَ شرطُ الاستقرارِ، وأساسُ الثِّقةِ، وضمانةُ الاستدامةِ. حينَ يشعرُ المواطنُ بأنّ القواعدَ تُطبَّقُ بانتقائيّةٍ، أو أنّها قابلةٌ للتَّكييفِ وفقَ ميزانِ القوى، تتراجعُ ثقتهُ بالمؤسّساتِ، ويتعزَّزُ ميلُهُ إلى البحثِ عن بدائلَ موازيةٍ. وهنا يتفكَّكُ العقدُ الاجتماعيُّ، ويُفتحُ البابُ أمامَ صيغٍ ما دونَ دولتيّةٍ أو ما فوقَ دولتيّةٍ، كلٌّ منها يدَّعي ملءَ الفراغِ.
إنّ تحصينَ الدُّستورِ لا يعني تجميدَهُ أو رفضَ تطويرِه. على العكسِ، إنّ أيَّ تعديلٍ دستوريٍّ مشروعٍ ينبغي أن يتمَّ وفقَ الآليّاتِ المنصوصِ عليها، وبحوارٍ وطنيٍّ شفافٍ، وبإجماعٍ واسعٍ يضمنُ استمراريّتَهُ. أمّا القفزُ فوقَ الآليّاتِ بحجّةِ الظُّروفِ الاستثنائيّةِ فيحوِّلُ الاستثناءَ إلى قاعدةٍ، ويُفقدُ النِّظامَ قابليّتَهُ للتَّوقّعِ.
في مواجهةِ الدَّجلِ، لا يكفي الخطابُ الأخلاقيُّ. المطلوبُ هوَ بناءُ ثقافةٍ دستوريّةٍ راسخةٍ، تُدرِّسُ النُّصوصَ في سياقِها، وتُعمِّقُ فهمَ فلسفتِها، وتُعزِّزُ الوعيَ العامَّ بأهمّيّتِها. كما أنّ استقلاليّةَ القضاءِ، وفعاليّةَ الهيئاتِ الرّقابيّةِ، وحرّيّةَ الإعلامِ، تُشكّلُ خطوطَ دفاعٍ أساسيّةً ضدَّ أيِّ محاولةٍ لتسليكِ القواعدِ في دهاليزِ المصالحِ.
الدَّولةُ الحتميّةُ هيَ دولةُ الاحتكارِ الشَّرعيِّ للقوّةِ، ودولةُ وحدةِ القرارِ السّياديِّ، ودولةُ المساواةِ أمامَ القانونِ. كلُّ صيغةٍ هجينةٍ تُبقي على ازدواجيّةِ المرجعيّاتِ، أو تُشرعِنُ تعدُّدَ مراكزِ القوّةِ، تُنتجُ حالةً رماديّةً، لا هيَ استقرارٌ كاملٌ ولا هيَ فوضى معلنةٌ. وهذهِ الحالةُ الرّماديّةُ هيَ البيئةُ المثاليّةُ لازدهارِ الدَّجلِ.
إنّ خطورةَ المرحلةِ لا تكمنُ فقط في الأزماتِ الماليّةِ أو الاجتماعيّةِ أو الأمنيّةِ، بل في ميلِ بعضِ الفاعلينَ إلى إعادةِ هندسةِ المنطقِ الدُّستوريِّ بما يخدمُ توازناتٍ عابرةً. فالدُّستورُ ليسَ قابِلًا لإعادةِ التَّصميمِ في كلِّ مرّةٍ تتبدّلُ فيها موازينُ القوى. هوَ إطارٌ ثابتٌ نسبيًّا، يُتيحُ تداولَ السُّلطةِ ويضبطُها، لا مادّةٌ مطّاطةٌ تُشكَّلُ بحسبِ الحاجةِ.
الخلاصةُ أنّ الدَّولةَ ليستْ خيارًا انتقائيًّا، بل حتميّةٌ تاريخيّةٌ لأيِّ مجتمعٍ يسعى إلى الاستقرارِ والازدهارِ. وكلُّ محاولةٍ لتسليكِ الدُّستورِ في منعطفاتِ السّياسويّةِ، أو للانغماسِ في تلاعبٍ جينيٍّ بمنطقِ القانونِ، إنّما تُعرّضُ الكيانَ لخطرِ التَّفكُّكِ البطيءِ. إنّ صونَ الدُّستورِ هوَ صونُ الكرامةِ الوطنيّةِ، وهوَ شرطُ قيامِ دولةٍ سيّدةٍ حرّةٍ عادلةٍ مستقلّةٍ، لا دولةِ تسوياتٍ مؤقّتةٍ تُخفي تحتَها هشاشةً بنيويّةً.
فإمّا دولةٌ حتميّةٌ تُصانُ نصوصُها وتُحترمُ آليّاتُها، وإمّا مسارٌ انحداريٌّ يُغذّيهِ الدَّجلُ ويُعمِّقهُ التَّلاعبُ. أما الاختيارُ، في نهايةِ المطافِ، فهوَ بينَ منطقِ الدَّولةِ ومنطقِ اللّادولةِ، بينَ شرعيّةٍ واضحةٍ وواقعٍ هجينٍ يُراكمُ المخاطرَ بصمتٍ.




