في وقت لم تهدأ فيه بعد عاصفة التصريح الذي أدلى به سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي، واعتبر فيه أن التقاليد التوراتية تمنح إسرائيل الحق في أراضٍ تمتد على جزء كبير من الشرق الأوسط، حتى أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّ حكومته تعمل على إنشاء منظومة تحالفات جديدة "داخل الشرق الأوسط أو في محيطه"، في إطار ما وصفه بمواجهة "المحاور الراديكالية، سواء الشيعية أو السنية"، معتبرًا أنّ المرحلة الراهنة تتطلّب إعادة رسم شبكة العلاقات الإقليمية والدولية لإسرائيل، ما يشير إلى نوايا إسرائيلية تصعيدية في المنطقة تزامناً مع استمرار الأجواء التي توحي بقرب حرب أميركية جديدة على إيران. وسط هذه الأجواء الملبدة يقف لبنان على عتبة الحسم في استحقاقين بالغي الأهمية، أولهما المؤتمر التحضيري لدعم الجيش المزمع عقده في مصر يوم الثلاثاء المقبل، وملف الانتخابات النيابية وتطوراتها الدراماتيكية.
ففي الاستحقاق الأول تكشف مصادر المتابعين لـ"المدن" أن المؤتمر التحضيري للجيش في مصر قد يكون انتهى، قبل حتى أن ينعقد والسبب اعتذار سفراء أكثر من دولة أساسية عن المشاركة والاكتفاء بإرسال ممثلين عن دولهم. ومن أبرز من اعتذر عن المشاركة سفراء الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية. وبحسب المعلومات فإنّ الولايات المتحدة ستتمثل باسم يحدد لاحقاً.
مصير مؤتمر باريس؟
غياب قد يدفع الآخرين للإحجام عن المشاركة، ما يقلل من أهمية النتائج التي يفترض أن تنبثق عن المؤتمر، ويطرح تساؤلات حول مصير المؤتمر الأساس، المقرر عقده في باريس في الخامس من شهر آذار المقبل. ويعني غياب سفيرا أميركا والسعودية عدم رضى دولي عن خطة الجيش شمال الليطاني والتي يعتبرها السعودي شرطاً أساسياً لأي مساعدة مستقبلية للجيش اللبناني.
وداخلياً برز موقف لافت لرئيس مجلس النواب نبيه بري قال فيه بصريح العبارة إن "سفراء الخماسية أبلغوني صراحة أنهم يحبّذون تأجيل الانتخابات"، ومضى بالقول: "لكنّي رديت بأني ماضٍ في خوضها ولا أؤيد تأجيلها تقنياً أو التمديد للبرلمان".
يأتي ذلك وسط أجواء دبلوماسية تحدث لـ"المدن" عن رسالة سعودية مفادها أن الأولوية الآن هي لتأجيل الانتخابات النيابية وليس لمؤتمر دعم الجيش. وعلم أن "التخريجة" للتأجيل يشترطها بري من الحكومة.
ولعل من أولى مؤشرات التأجيل، محلياً ما تحدث عنه المرشح عن مقاعد المغتربين عباس فواز الذي يعتزم تقديم طعن بالدائرة 16 الواردة في قانون الانتخاب بعدما رفضت وزارة الداخلية أوراق ترشيحه لعدم وجود آلية إدارية وتنفيذية للبند المتعلق بهذه المادة من قانون الانتخاب.
هل انتهى دور الميكانيزيم؟
ملف آخر يبرز محلياً، وهو دور لجنة الميكانيزم، حيث من المفترض أن تعقد اللجنة اجتماعاً لها في 25 شباط الجاري، بعد فترة من التوقف عن عقد الاجتماعات، وسط ما يعتري هذه اللجنة من انتقادات وضياع ما بين احتمالية أن تُعقد على مستوى العسكريين فقط دون مشاركة الجانب المدني، أو انعقادها بحضور الجانبين.
وأمام هذا الواقع، ثمة من يتحدث عن تخوف من أن تتحول لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية إلى لجنة عسكرية فقط بلا مشاركة المدنيين، على أن يُتفق على إطار آخر للتفاوض المدني، وهو ما قد يؤدي إلى كثير من العراقيل المحلية، بين من يعتبر أن الهدف الذي تسعى إليه كلّ من أميركا وإسرائيل، هو جعل لبنان يجلس على طاولة مفاوضات مع إسرائيل قوامها من المدنيين فقط.
وفي هذا الإطار، برز موقف لافت وهجومي في آن لعضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي فياض على لجنة الميكانيزم، حيث اعتبر أنّ اجتماعاتها مشبوهة وفارغة، ولا تقدم أي ضمانات للبنان، خصوصاً أن لبنان بعد مجزرة البقاع أصبح أمام "تصعيد إسرائيلي مفتوح"، حيث "بيانات الإدانة لم تعد تعني شئياً، وسياسة التنازلات تشجع الإسرائيلي ولا تدفعه إلى التراجع"، بحسب فياض.
وهذا ما يعني أن علامات استفهام كثيرة ستحيط بعمل اللجنة في المستقبل القريب، وما إذا كان دورها قد انتهى فعلياً. يأتي هذا خصوصاً أن دور الميكانيزم بات شبه معدوم في وضع حد للخروقات الإسرائيلية المتكررة في المناطق الجنوبية، فضلاً عن الغارات الجوية، تمعن إسرائيلي بخرق السيادة اللبنانية، لا بل يتوغل إلى بلدات وقرى جنوبية ويقوم باختطاف سكانها كما حصل مع مسؤول الجماعة الإسلامية عطوي عطوي، أو يتوغل ويفجر البيوت، وهو ما يتكرر بشكل دائم.
إذاً، مشهد إقليمي متقلّب، يقف لبنان عنده أمام مفترق طرق دقيق، تتقاطع فيه الضغوط الخارجية مع الحسابات الداخلية، فيما تتبدّل موازين القوى وتُعاد صياغة التحالفات على وقع التصعيد الإسرائيلي وتزايد الحديث عن مواجهة أوسع في المنطقة. وبين مؤتمر دعم الجيش المهدد بفقدان زخمه، واستحقاق انتخابي تحيط به علامات التأجيل، ودور لجنة الميكانيزم الذي يتآكل تحت وطأة الخروقات الإسرائيلية، تتكشّف هشاشة الواقع اللبناني أمام التحولات الكبرى.




