غارات البقاع والرسائل المعقّدة: إرباكُ الحزب وحَشر الدولة

مانشيت - المدنالسبت 2026/02/21
Image-1764579378
يرسم اليوم اللبناني بوصفه يومًا "هادئًا" في الشكل، لكنه مثقلٌ بعناصر الانفجار. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تشهد السّاحة اللّبنانيّة تطورات بارزة اليوم، وبقيت تتردّد الأصداء القاسية للضربة الإسرائيليّة مساء أمس على منطقة البقاع، بما أوقعته من خسائر في الأرواح، على السواء بين المدنيين والمسؤولين في "حزب الله". فهذه الغارات جاءت في توقيت جيوسياسيّ بالغ التعقيد، إذ تقاطعت مع التحضيرات للمواجهة الأميركيّة- الإيرانيّة، الّتي ربّما تكون على وشك الانفجار بين يوم وآخر.

تجاوزت إسرائيل في هذه الغارات قواعد الاشتباك التقليديّة، وسعت إلى تحقيق أهداف عدّة أساسيّة: الأوّل والمباشر هو ضرب المنظومات الصاروخيّة الخاصّة بـ"حزب الله" ومراكز القيادة الّتي تتولى إدارتها، والّتي بات قسم كبير منها في البقاع، بعد الضربات القاسية الّتي تلقاها الحزب في الجنوب. فإسرائيل تريد بأي وسيلة منع الحزب من ترميم قدراته الصاروخيّة الّتي تضرّرت بشدّة في حرب 2024. ولا تستبعد أوساط متابعة أنّ يكون لضربات البقاع مغزى آخر، هو توجيه رسالة إلى الذين يعنيهم الأمر بأن القرار حتميّ ونهائيّ بقطع خطوط الإمداد القديمة الممتدة عبر الحدود السّوريّة - اللّبنانيّة.

من جهة أخرى، وفيما تأجّل الاجتماع الذي كان مقرّرًا أن تعقده لجنة الميكانيزم قريباً، تسعى إسرائيل إلى زيادة منسوب الإحراج الذي تعيشه الدولة اللبنانية، وإظهارها بمظهر العاجز عن ضبط جهود حزب الله الرامية إلى ترميم قدراته العسكرية، وهذا ما ينعكس على تنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح وعلى المساعي المبذولة لإنجاح مؤتمر باريس لدعم الجيش في 5 آذار واجتماع القاهرة التمهيدي في 24 من الجاري، علمًا أن الرئيس جوزاف عون اتهم إسرائيل اليوم بأنها تعرقل الجهود الدبلوماسية. كما تسعى إسرائيل إلى دفع الحزب للانشغال بالدفاع عن نفسه واستنزاف قدراته، ما يقلص قدرته على الردّ، إذا قرر الانخراط في الحرب، في حال استهداف المنشآت النوويّة أو العسكريّة في الداخل الإيرانّي، أي إذا نفذت واشنطن تهديدها بضرب إيران "استباقيًّا" خلال الأيام القليلة المقبلة.

 

الغارات: رسالة متعددة العناوين

على وقع الغارات الإسرائيليّة الّتي استهدفت ليل أمس بحرًا وجوًّا منطقة صيدا وبلداتٍ في البقاع، بدا المشهد الداخليّ اللّبنانيّ محكومًا بمعادلةٍ شديدة الحساسيّة: ضغطٌ عسكريٌّ إسرائيليٌّ يتقدّم على أيّ إيقاعٍ سياسيّ، ومحاولة الدولة لالتقاط أيّ فرصةٍ دبلوماسيّة تمنع الانزلاق إلى توسّعٍ لا سقف له. وبين هذين الحدّين، تتحرّك تل أبيب بمنطق الضربة التي لا تكتفي بإيقاع الخسائر، بل تنتج وقائع ميدانيّةً تعيد تعريف حدود الردع ومساحات الحركة.

في هذا السياق، دان رئيس الجمهوريّة جوزاف عون بشدّة الغارات، معتبرًا أنّ استمرار هذه الاعتداءات "يشكّل عملًا عدائيًّا موصوفًا لإفشال الجهود والمساعي الدبلوماسيّة التي يقوم بها لبنان مع الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدّمها الولايات المتّحدة الأميركيّة، لتثبيت الاستقرار ووقف الأعمال العدائيّة الإسرائيليّة ضدّ لبنان". وأكّد عون أنّ الغارات "تمثّل انتهاكًا جديدًا لسيادة لبنان وخرقًا واضحًا للالتزامات الدوليّة، كما تعكس تنكّرًا لإرادة المجتمع الدوليّ، ولا سيّما قرارات الأمم المتّحدة الداعية إلى الالتزام الكامل بالقرار 1701 وتطبيقه بكلّ مندرجاته". كما جدّد الدعوة إلى الدول الراعية للاستقرار في المنطقة "إلى تحمّل مسؤوليّاتها لوقف الاعتداءات فورًا، والضغط باتّجاه احترام القرارات الدوليّة، بما يحفظ سيادة لبنان وأمنه وسلامة أراضيه ويجنّب المنطقة مزيدًا من التّصعيد والتوتّر".

غير أنّ الإدانة الرئاسيّة، على صلابتها، تواجه السؤال الأشدّ قسوة: ماذا بعد؟ فالغارات، وفق ما تتداوله أوساطٌ سياسيّة، ليست حدثًا معزولًا عن مناخٍ إقليميٍّ متشنّج، بل حلقةٌ في سلسلة ضغطٍ تدار بعناية لفرض وقائع جديدة، عنوانها العمليّ تضييق هامش ترميم القدرات العسكرية لدى "حزب الله"، ورفع منسوب الإحراج عن تل أبيب بإلقائه على عاتق الدولة اللبنانية، وكأنّ المطلوب إظهار بيروت كسلطةٍ تطالب بما يتجاوز قدرتها الفعليّة على الضبط والتحكّم.

 

"حزب الله": نعيٌ رسميّ وتصعيد الكلفة البشرية

ميدانيًّا، نعى "حزب الله" رسميًّا 8 من عناصره الذين قضوا في الغارات الإسرائيلية على البقاع أمس، موضحًا، بحسب بيانٍ من الإعلام الحربيّ، أنّهم "ارتقوا فداءً للبنان وشعبه". وبحسب الإعلام الحربيّ، فإنّ "بمزيدٍ من الفخر والاعتزاز، زفّت المقاومة الإسلاميّة الشهيد القائد المجاهد حسين محمد ياغي "أبو علي صادق" مواليد عام 1984 من مدينة بعلبك، والشهيد المجاهد محمد إبراهيم الموسوي "علي حسين" مواليد عام 1980 من بلدة النبي شيت، والشهيد المجاهد علي زيد الموسوي "ناصر" مواليد عام 1990 من بلدة النبي شيت، والشهيد المجاهد أحمد حسين الحاج حسن "مجاهد" مواليد عام 1987 من بلدة شعث، والشهيد المجاهد قاسم علي مهدي "عبد المطّلب" مواليد عام 1981 من بلدة علي النهري، والشهيد المجاهد أحمد محمد زعيتر "أشتر" مواليد عام 1996 من بلدة ريحا، والشهيد المجاهد حسنين ياسر السبلاني "عذّاب" مواليد عام 1997 من بلدة شمسطار".

ومساء أمس الجمعة، شنّت إسرائيل غاراتٍ جوّيّةً على منطقة تمنين في البقاع الشماليّ. وأدّت إحدى الغارات إلى تدمير مبنى بالكامل خلف "القرض الحسن" على أوتوستراد رياق، بعلبك، فيما هرعت سيّارات الإسعاف إلى المكان. وبينما تراكم الضربات كلفةً بشريةً عالية، يزداد منسوب التقدير بأنّ تل أبيب تمسك بقرارٍ مزدوج: ضرب أهدافٍ مرتبطة بالبنية العسكريّة، وترك أثرٍ سياسيٍّ مباشر يحرج الدولة ويعمّق النقاش الداخلي حول "حصر السلاح" ومراحل تطبيقه، في وقتٍ تتشابك فيه حسابات الداخل بتبدّلات الإقليم.

 

القاهرة: تحضيرٌ لدعم المؤسّسات الأمنيّة 

على خطٍّ موازٍ، وبعد أيّام، يتوجّه إلى القاهرة وفدٌ عسكريٌّ لبنانيٌّ رفيع المستوى للمشاركة في الاجتماع التمهيديّ لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخليّ في باريس. ويترأّس الوفد كلٌّ من قائد الجيش العماد رودولف هيكل والمدير العام لقوى الأمن الداخليّ اللواء رائد عبد الله، حاملين معهما خطط المؤسّستين.

وفي العاصمة المصرية، يلتقي هيكل وعبد الله، ليومٍ واحدٍ كامل، كبار المسؤولين الدوليّين الممثّلين للجنة الخماسيّة، وهم مبدئيًّا المبعوث الرئاسيّ الفرنسيّ جان إيف لودريان، والسفير الأميركيّ ميشال عيسى، ووزير الدولة القطريّ محمد الخليفي، والأمير السعوديّ يزيد بن فرحان، إضافةً إلى ممثّلٍ عن دولة مصر المضيفة للقاء. كما تسجّل مشاركة المنسّقة الخاصّة للأمم المتّحدة في لبنان جانين بلاسخارت، ورئيس اللجنة التقنيّة العسكريّة الخاصّة بلبنان "MTC4L" الجنرال أنريكو فونتانا، وهي اللجنة التي تركّز في مهامّها على مساعدة الجيش اللبنانيّ في التدريبات والتجهيزات من أجل تعزيز قدراته، والتأكيد على تطبيق قرارات مجلس الأمن الدوليّ. مع الإشارة إلى أنّ الدول الأعضاء الدائمة العضويّة في اللجنة هي فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا والمملكة المتّحدة والولايات المتّحدة الأميركيّة.

وتقرأ مصادرٌ متابعة هذا المسار بوصفه محاولةً لتقوية ركائز الدولة في لحظة ضغطٍ قصوى، بحيث لا يبقى النقاش الداخلي أسير الميدان وحده. فبين غارةٍ تتجاوز خطًّا أحمر، ومؤتمرٍ يعد بدعمٍ أمنيّ، تتحدّد ملامح معركةٍ من نوعٍ آخر: معركة تثبيت "الدولة القادرة" في زمنٍ تعاد فيه كتابة قواعد الاشتباك على أكثر من جبهة.

 

انتخابيًّا: "ربط نزاع" لحماية تمثيل المنتشرين

انتخابيًّا، واستكمالًا للخطوات التي أعلنها رئيس "التيّار الوطنيّ الحرّ" جبران باسيل بهدف حماية حقّ المنتشرين في التصويت والترشّح في الخارج، وقّع باسيل، إلى جانب ستّةٍ من المرشّحين المحتملين في الدائرة 16، مذكّرة "ربط نزاع" مع وزارة الخارجيّة والمغتربين، لحثّها على القيام بواجباتها في حماية حقّ التمثيل الذي كرّسه قانون الانتخاب للمنتشرين.

وحمّلت المذكّرة وزارة الخارجيّة والمغتربين مسؤوليّة التقاعس في تنفيذ القانون، ولا سيّما أنّ آليّات تطبيقه واضحةٌ في ضوء التقارير الصادرة عن اللجان المشتركة بين وزارتي الداخليّة والخارجيّة، كما ينصّ القانون صراحةً. وبناءً عليه، أعلن ربط نزاعٍ قانونيٍّ وقضائيٍّ مع الوزارة، على أن يلجأ إليه في حال الإصرار على عدم تنفيذ القانون وإحقاق حقوق المنتشرين في الاقتراع والتمثيل والترشّح في الخارج.

 

وسط هذا المشهد، تبدو الغارات أكثر من فعلٍ عسكريٍّ مباشر: إنّها رسالةٌ محمّلة بإشاراتٍ تتجاوز البقاع إلى بيروت، وتتعدّى الداخل إلى الإقليم. فبين قرارٍ إسرائيليٍّ بتشديد الضغط على مسارات الإمداد والتموضع، ومحاولة الدولة التمسّك بالدبلوماسية، ونعيٍ يفتح جرحًا اجتماعيًّا جديدًا، واستحقاقٍ انتخابيٍّ يعيد شدّ الحبل حول القانون والتمثيل، يرسم اليوم اللبنانيّ بوصفه يومًا "هادئًا" في الشكل، لكنّه مثقلٌ بعناصر الانفجار في المضمون.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث