انتخابات على "إنستغرام"

محمود وهبةالسبت 2026/02/21
انتخابات في لبنان (Getty)
لم يعُد هنالك وقت للتحليلات المعقدة(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مساءٌ عاديّ. أفتح هاتفي كناخب لبناني لأتفقّد الأخبار. أجدُ مرشحاً يخاطبني مباشرة: "أردتُ أن أتحدّث معكم بصراحة". أتساءلُ مع نفسي أين المهرجانات والأعلام والهتافات ومكبّرات الصوت والخطابات الرنانة، أين الحشود التي تهتف باسم المرشح! ما أجدهُ أمامي هو فقط وجه مضاء بضوء الهاتف مع خلفية منزلية بسيطة، ونبرة تبدو شخصية حميمة إلى حد الاعتراف. هكذا تبدأ الحملة الانتخابية اليوم.

بدأت الحملات الانتخابيّة فعلياً على منصات التواصل الاجتماعي. بعض المرشحين شرعوا في نشر فيديوهاتهم التعريفية التي يطرحون فيها مواقفهم من السياسة اللبنانيّة ومشاكلها وأزماتها الكثيرة.ينطلقون أيضاً في بثوث مباشرة للرد على الأسئلة من قبل الجمهور، ويرفقون ذلك بجولاتهم المصوّرة في الأسواق، وتعليقاتهم اليومية على مجريات الأحداث اللبنانيّة. هذا التراكم في المنشورات يدل على أنّ السباق الانتخابي انطلق. لكنّه انطلق من الشاشة، بعيداً من الإعلانات الرسميّة، وبيانات الإطلاق. 

المعركة اليوم تبدأ على الأرض ولكنها تبدأ في الوقت نفسه من الميديا أي من الوعي. قبل أن يعلِّق المرشّح صوره على جدران المدن والدساكر والحارات بدأ المرشّح بزراعة أفكاره وأخباره ويومياته الانتخابية في الخوارزميات. قبل أن تتحرك الباصات، يتحرك "الريتش" والناس الذي سيشاهدون هذه المقولة أو غيرها. ودلالة هذا الكلام تخرج عن الطور التقني وتتعدّاه إلى السياسة. شيئاً فشيئاً تصبح المنصة الساحة الأولى لقياس القوة والحجم الانتخابي. أي بتعبير آخر تغدو مختبراً مبكراً لشكل الخطاب السياسي وأداة لفرض الحضور كأمر واقع.

لو أردنا أن نتذكر الانتخابات السابقة نرى أنّ المشهد كان مختلفاً قليلاً يتخلّله مهرجانات حاشدة وأناشيد حزبية وخطابات للمرشّح الميمون. هذا يعني أنّ الحملات في سابق عهدها كانت عبارة عن لحظة استعراض تنظيمي وجماهيري. أما اليومفنراها غدت لحظة بناء صورة. فيديو بسيط للمرشّح من السيارة يتضمن رسالة قصيرة من مكتب متواضع للحديث عن أزمة راهنة أو استطلاع رأي سريع يسأل المتابعين: ما أولوياتكم؟

 

تفرض المنصات اليوم لغة سريعة وجُملاً قصيرة، رسائل عاطفية مكثفة تؤكّد على عمق التحوّل في الوسيلة. السياسة نفسها تتغير في إيقاعها ومعناها. على ما يبدو أن في لبنان لم يعد هنالك مكان لبرنامج مفصل في عشرين صفحة، ما هو مسموح به هو مجرد ريل لستين ثانية. لم يعُد هنالك وقت للتحليلات المعقّدة وهكذا تنتقل الحملة من نقاش مشاريع إلى منافسة صور.

مع الانتخابات الجديدة تتحول السياسة إلى سباق على الانتباه بعيداً من الأفكار. وكأن الشرعيّة السياسية تُختبر أولاً على الشاشة قبل مراكز الاقتراع. حيث يبدأ عدد المتابعين باكتساب معنى رمزي يسبق معنى الأصوات في الصندوق. 

يتغيّر توقيت الانتخابات نفسه. بحيث لا تعود الحملات موسماً قصيراً يسبقُ الاقتراع بأسابيع، تتحوّل إلى حملات دائمة.  ويصبح معها كل حدث سياسي مادة انتخابية فورية، وكل أزمة فرصة لبناء سردية. ولا تنتظر المعركة موعدها الرسمي، إنما تدور على مدار الساعة.

تدخل السياسة اللبنانيّة نفسها زمن العرض الدائم، وتبدأ الحملات من إنستغرام. معها نرى أنّ هذا الزمن هو زمن الصورة التي تسبق المشروع، والانطباع السياسي المباشر الذي يسبق الفكرة الكبيرة عن البلد. ولكن الخطر لا يكمن في الانتخابات على الشاشات، إنما في أن تبقى هناك.  عندها يتحوّل السؤال من الانتخابات والمشاريع والتحسين الاجتماعي إلى إتقان الظهور وصناعة المحتوى.

هكذا في مساءٍ عاديّ عرفتُ أنّ الانتخابات قد بدأت ولكن هذه المرة على منصات التواصل الاجتماعي وبواسطة البثّ المباشر.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث