الرئيس سلام: صفاء النوايا وواقع السياسات

أحمد جابرالسبت 2026/02/21
Image-1763041616
وقع الإخفاق في المسألة الاجتماعية (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

قُوبل تكليف نوّاف سلام تشكيل الوزارة بترحيب محدّد، مثلما قوبل بتوجّس محدود. قليلة كانت الأصوات التي جاهرت برفض تكليفه، لكن همهمات الارتياب والتوجّس كانت واسعة التعداد. على عادة اللبنانيين الذين لا يعرفون إلاّ بافتراقهم السياسي، جاء الترحيب من إرث الحراك الشعبي الذي انطفأ بعد سنة 2019، وجاء الارتياب المحسوب من جهة قوى "الامتناع" التي ما زالت معروفة بشعار "الممانعة".

مقابلة الترحيب والارتياب تحمل موقفين يقتربان من "التناقض"، من دون معادلة جدلية. من رحّب احتفل بنصرٍ سياسيّ تأخر، ومن ارتاب اختار سياسة الانحناء أمام ريح التطورات العامة، الآتية من خارج الحدود، والمتحركة بدراية داخل الحدود. المحتفيّ تعجّل، فأعلن فوزاً وبنى آمالاً وحرّك أحلاماً وخيالات، والمرتاب كَمَن وانتظر وتحصّن داخل "أنظومته" ثم أدار معركة مناوشته المتحرّكة من موقع الثبات، حيث زاوج بين حركتي الهجوم والدفاع، بالتناسب مع قراءة التطورات، وانسجاماً مع مسار الأحداث... تباعاً، قدّمت اليوميات فرزاً وصفيّاً بين المرحِّب والمرتاب، فبات ممكناً الحديث عن متعجل قليل الدراية سياسيّاً، وعن مرتاب أحسن حساباته، فنجح إلى حدود معينة، بتحديد خسائره، مثلما نجح نسبيّاً في النجاة من شرب كأس سمّ الهزيمة السياسية.

 

قاعدة الفرز

لم يستند الفوز على عوامل الرغبة، وإن كان غير "متطهّر" منها، بل استند إلى واقع مادي لدى من اعترض على مجيء رئيس الحكومة، ومن رفع هذا المجيء إلى مرتبة البشارة.

قاعدة المستبشر كانت هشّة، وكانت متفرقة، وكانت غير مترابطة الأوصال. اسم المعارضة لدى المستبشرين لم يلفت النظر إلى برنامج سياسي، ولا إلى خطة عمل، مثلما لم يقدم عنواناً معلوماً لإطار انتظامي معلوم. بكلام مقتضب: كانت قاعدة الارتكاز "الموالية" سيّالة، على غير انتظام، وجارية على غير ضبط بين ضفتين. ومن المفارقة، أن اللاانتظام واللاضبط واللاتأطير واللاقيادة... كل هذه "اللاءات"، كانت موضع اعتداد بالنفس لدى أصحابها، وكانت، حسب منطوقهم، نموذجاً يجب اتباعه والأخذ به، وكانت مثالاً تقاس عليه تجارب الأحزاب السابقة الخائبة. كانت معارضات لاءات بالجملة، ثم معارضات "نَعَمات" بالجملة، وعند الحصاد، عاد ذلك الجمع بأكياس "زؤان"، وظلّت "الحنطة" من نصيب الذين يديرون حراك دفاعهم وهجومهم اليوم، في مواجهة الرئيس سلام، ويتصيّدون "زلاته"، ويشتغلون على إرباكه وإشغاله، مستندين إلى قاعدة أهلية حقيقية، من سماتها الترابط والانتظام والانضباط والحركة وفق سياسات مختارة بعناية، ومحدّدةٍ بدراية. إذن، يقوم الاختلاف بين بنية ولا بنية، وبين مقومات تماسك وإدارة وضبط لواحدة، وافتقار كل ما ورد لدى الأخرى. 

هذه الحالة الحقيقية أخرجت ثمار إرهاصاتها في السياسة العامة على مختلف الصعد الوطنية والاجتماعية، ثم كان منها، أي من الإرهاصات، هذا الذي يشهده اللبنانيون اليوم من إدارة خلافية للمسألة السيادية، من مدخل "سلاح حزب الله"، وكيفية التعامل معه، ومن مدخل المسألة الاجتماعية، التي تنتمي إلى سياسات النظام الطائفي، قديماً وحديثاً، الذي كان ولا زال نظام استغلال ونهب للفئات الشعبية. ونظام نهبٍ للموارد الوطنية، ونظام توزيع مغانم على "لوياجيرغا" الأهليات الطائفية، تلك التي لا توحّد جهودها إلاّ دفاعاً عن مكتسباتها، وإلاّ إمعاناً في تجديد سياسات الإفقار الموروثة، للأغلبية الساحقة من اللبنانيين.

 

أين يقف الرئيس؟

جاء رئيس الحكومة من خارج الاصطفاف الأهلي الداخلي، لكنه لم يأتِ من خارج النظام الذي يرعى الاصطفاف.

وضعُ الرئيس على لائحة أبناء النظام ليس افتئاتاً عليه، ولا اتهاماً له، بل هو تقرير لواقع حال يزكيه واقع اقتراح الاسم للتكليف، وواقع نجاح صاحب الاسم في التأليف. ماذا يرتب ذلك؟ يرتب استعادة قراءة ما نجح في رعاية تنفيذه، الرئيس الجديد، وما يدلُّ على حقيقة التحاقه بالأصل "النظامي" الذي ننسبه إليه.

نجاحاً، تمّ تنفيذ ضبط سلاح حزب الله في منطقة جنوب الليطاني. تحقق النجاح من خلال عدد من العوامل، من بينها الضغط السياسي الخارجي، ومن بينها وهذا هو الأهم، وجود بيئة منكوبة بالدمار وبالقتل وبالمطاردة، مما استدعى الاستجابة لمصلحتها في التقاط الأنفاس، وفي مباشرة ما أمكن من استعادة حياة طبيعية. هذه البيئة، حيث للشيعية السياسية، الثنائية، النفوذ الأول، كانت سبباً غير معلن، في انضمام حزب الله وحركة أمل، إلى عملية السماح بتحقيق النجاح على الوجه الذي اكتمل مضمونه، حسب بيان قيادة الجيش.

عليه، نجاح الرئيس كان فعل شراكة، فهو نجح بمقدار ما وفّر له الخارج، وبمقدار ما أتاح له الداخل، وهذا وقع على فهم من قبل رئيس الجمهورية، الذي التقط وما زال، حساسية ما يعرض على اللبنانيين من أفعال، وما يلقى على أكتافهم من أحمال.

 

بخلاف النجاح "السيادي" الموضعي الذي أتيح للرئيس سلام، وقع الإخفاق في المسألة الاجتماعية بعد قرار تصحيح الرواتب، وبعد الرسوم والضرائب التي استحدثت لتغطية مبلغ صرفها.

المسألة الاجتماعية هي الفيصل الذي يفرق بين تصنيف اجتماعي وآخر، وهو في الحالة المعروضة الآن، بطاقة تعريف لانتساب رئيس الحكومة إلى المصالح الأساسية للكتل الأهلية الطائفية والمذهبية. ثمة عوامل ساعدت الرئيس سلام على الميل "يميناً"، منها أنه، أي الرئيس، "يمينيّ" الموقع، و"يساريته" السابقة المعلومة عنه، كانت يساريّة "بالعبور" شأن "دولته" في ذلك شأن من "خانوا طبقتهم" واتّبعوا رومانسية "ثورية" آنية، ثمّ عادوا إلى مسقط رأسهم "الطبقي" بعد "غناء الموّال". 

هذا في الانتساب، أمّا في الظرف الاجتماعي، فقد استفاد "رئيس الحكومة" من غياب معارضة شعبية ذات وزن في الشارع، كما كانت عليه الحال قبيل الحرب الأهلية اللبنانية، في العام 1975، هذا يعني أنه لم يحسب حساب شارع مناوئ، ولا خشيّ ضغط كتلة شعبية مختلطة، ولا وضع في حسابه "انتفاضة" شارع على غرار ما حصل سنة 1919. إلى ذلك حظيت قرارات الحكومة "بمباركة" أرباب التشكيلة الحاكمة والمتحكّمة، ولعل كثيرين من دهاقنتها ردّدوا في سرّهم: أهلاً بعودة "الإبن" إلى أحضان أهله المجتمعين باسم التضامن والتكافل، في مواجهة كل حركة شعبية جدّيّة.

 

ما الخلاصة؟

التكرار مفيد، والتذكير مطلوب، والإلحاح يضع نصبَ عينيه مطلب استعادة اسم الحركة الشعبية، واستعادة التركيز على بنائها وعلى برامجها وعلى وسائل عملها.

نقول الحركة الشعبية، بما هي عليه نسخة 2026، وندعو إلى تجاوز العناصر التي أعاقت تبلور شكل من أشكال الشعبية المستدامة.

الرؤية الواضحة، والبرنامج المحدّد، وشكل التنظيم التأطيري، والعلاقات البينية ومع الخارج، عناصر لا بدّ منها في كل عمليّة بنائية. سيكون مردوداً القول، إن الأحزاب السابقة قد فشلت، وسيكون الجواب، دع أهل الماضي في الماضي، وتقدّم لبناء ما تراه مناسباً من حزبيّة جديدة، خارج هذا الفهم، سيكون رفض التنظيم باسم رفض الحزبية، استرسالاً في العفوية التي فشلت، وانسياقاً إلى الفوضى التي أصابت الحراك الشعبي في الصميم.

وأخيراً، ما لم تهتزّ الأرض الاجتماعية تحت أقدام التشكيلة الأهلية، سيكون من باب الأوهام انتظار التغيير من فوق، مع السيد نوّاف سلام أو مع غيره. 

يطلع النبات من الأرض، ولا يفيد مطر في الأرض الموات.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث