ثقيلًا مرّ ليل الجمعة – السبت على أهالي قرى البقاع، بدءًا من بلدة علي النهري في قضاء زحلة وصولًا إلى جرود النبي شيت في محافظة بعلبك. صحيح أن طائرات الاستطلاع الإسرائيلية كانت تحلّق طوال يوم الجمعة في سماء المنطقة، إلا أن الأهالي اعتادوا طنينها في آذانهم منذ أشهر طويلة. وطالما أنها لم تترافق مع إنذارات بالإخلاء، كتلك التي طبعت الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، رغم اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي وافق عليه الطرفان، قرر أبناء المنطقة أن يمضوا ليلتهم، بأجواء عائلية، كأي ليلة من ليالي شهر رمضان. إلى أن انقلب المشهد قرابة الثامنة مساءً.
أربع غارات متتالية نفذها الطيران الإسرائيلي بعد نصف ساعة تقريبًا من موعد الإفطار. فغزت صواريخه أجواء البقاع، محددة أهدافها بين علي النهري وبدنايل وتمنين وجرود النبي شيت.
لم يكن واضحًا في البداية من أين تأتي الضربات، وهذا ما أربك الأهالي وأوقع وسائل التواصل الاجتماعي كما الصحافيين في تخبّط حول حقيقة ما يجري. الى أن انقشع الليل، وتوضحت الصورة التي ترافقت مع تداعياته المرعبة.
صباح السبت، بدت لأضرار "كارثية" حيثما كان. سواء في تمنين أم في بدنايل وعلي النهري. وفي الموقعين الأخيرين ومحيطهما، سقط عشرة شهداء، بالإضافة الى إصابة 24 مدنيًا بجروح تفاوتت بين طفيفة وخطيرة، بينهم ثلاثة أطفال، وفقًا لبيان صدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة. إلا أن الأنظار تركزت بشكل أساسي على علي النهري.
فداخل أحد المباني المستهدفة بحي سكني في البلدة الواقعة على أطراف قضاء زحلة، قضى حسين محمد ياغي، وقد نعاه حزب الله كقائد جهادي. هذا في وقت تحدثت إسرائيل عن استهداف الغارات في منطقة البقاع لعناصر من الحزب المنتمين الى الوحدة الصاروخية، واتهمت هذه الوحدة بتسريع مراحل التسلح والجاهزية، بهدف تنفيذ عمليات حربية نحو الأراضي الإسرائيلية.
قرابة التاسعة صباحًا، سُمح للصحافيين بالتقاط صور للمبنى المستهدف في علي النهري، ولكن من ضمن ضوابط قضت بمنع التوغل نحو داخله، وعدم تصوير عناصر حزب الله الذين رافقوا الصحافيين في مهمتهم.
ومن موقع الاستهداف التقطت الكاميرات حجم الدمار الكبير الذي خلفته الغارة في محيط المبنى المستهدف، من دون أي مراعاة لسلامة المقيمين في المباني الملاصقة بحي مكتظ، والتي لم يعد بعضها صالحًا للسكن، شأنها شأن المباني الملاصقة للموقعين اللذين استهدفا أيضًا في بدنايل وتمنين.
مستشفى رياق الأقرب الى البلدات الثلاث تلقى تداعيات ليلة الرعب التي عاشها الأهالي. فبين باحته الخارجية التي امتلأت بملاقي الشهداء، وأقسامه المختلفة التي استقبلت الجرحى، استعاد المستشفى جهوزيته التي اختبرها ما قبل مرحلة وقف الأعمال العدائية على لبنان.
سبعة شهداء من عشرة استقبلوا في مستشفى رياق، بالإضافة الى 18 جريح، بقي منهم تسعة فقط صباح اليوم التالي، تراوحت حالتهم بين الحرجة والمستقرة.
وقد تنوعت جنسيات المصابين بين لبنانيين، وسوريين، وعاملات أثيوبيات. وبينهم طفلان سوريان هما أمير (سنة) أصيب بجروح في يده وفانيسا (سنتان) أصيبت بجبينها ويدها. والطفلان كانا في منزل والديهما ببدنايل، مع عائلة خالتهما التي أصيبت ايضًا مع ابنتها، وحالة الجميع مستقرة.
بين المصابين بالغارة أيضًا عاملة أثيوبيّة كانت في منزل مستخدميها من آل سليمان في بدنايل، وقد قضت صديقة لها من مواطنيها جراء الغارة، كانت قد حضرت مع مستخدميها لتمضية سهرة رمضانية بمنزل شقيقها وعائلته. لم تعلم المصابة بمصير صديقتها، ولكنها في تلك اللحظة القاسية بكت طلبًا لابنتها التي شعرت بغربتها عنها.
كما نقلت الى المستشفى ليلى الحاج حسن، التي تقطن في منزل ملاصق للمبنى المستهدف في علي النهري. وروت الأخيرة لـ"المدن" أنها كانت وعائلتها قد وضبوا مائدة الإفطار، ويحضرون القهوة والنرجيلة، عندما شعرت بالدم يغطي عينيها، فعرفت أنها مصابة من حطام الزجاج الذي وقع على وجهها من دون أن يسمع أي صوت سابق للطيران الإسرائيلي.
وفقًا للحاج حسن "كنا نعلم بأن شخصية قيادية من حزب الله تقطن إلى جانبنا، لكن لم يكن ذلك يخيفنا. كنا نظن أن أي استهداف سيسبقه إنذار." ولكن يبدو أن إسرائيل اعتمدت هذه المرة عنصر المباغتة لانجاح هدفها. وقد أقر الناطق باسم الجيش الإسرائيلي بوجود مدنيين بين ضحايا الغارات، مبررًا الأمر بكون حزب الله يتخذ من "الأبرياء" درعًا له. وقال "من يختبئ وراء شعبه، هو المسؤول عن معاناتهم."
إلا أن التصعيد الإسرائيلي في البقاع تزامن هذه المرة مع انطلاق المباحثات على المستوى الرسمي في لبنان بشأن نزع سلاح حزب الله شمال الليطاني، وهذا ما يعقد المشهد بشكل أكبر. إذ بينما يُفترض أن يُبحث هذا الملف في إطار سيادي داخلي، تشكل الأعمال العدائية الاسرائيلية عنصرًا ضاغطًا على الحكومة، يمنح حزب الله تبريرات إضافية للتمسك بسلاحه كجزء من معادلة الردع.




