لم يكن موفقاً رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، في الكلام الذي قاله، في معرض تبريره وشرحه لأهداف الزيادات الضريبة، ومنها زيادة الضريبة على القيمة المضافة، إذ اعتبر في تصريح له من طرابلس، أنها زيادة تستهدف الأغنياء وليس الفقراء!
كان من الأفضل أن يدرس دولة الرئيس كلامه وأقواله أكثر، وهو الفطن والدقيق وليس العكس، وإلى أن تسويق القرارات الحكومية الصعبة والضرورية، يجب أن يُدرس ويُعد بطرق أكثر فاعلية وحداثة، وليس عن طريق الارتجال والتسرع. هذا بالنسبة للقرارات العادية، فكيف بالقرارات الصعبة والحساسة والمعقدة والتي تطال جيوب المواطنين، في بلد يتصرف ساسته وحكامه ونوابه، أنهم دائماً على أبواب الانتخابات النيابية بطريقة شعبوية وعشوائية.
يبدو أن الفخ المُحكم الذي أعد لسلام قد دُرس تم تحضيره بعناية وتفاهم متقاطع بين أكثر من مسؤول، بعد أن جرى إعداده من أكثر من طرف بالتضامن والتكافل، لكي يحدث ما حدث. والهدف كان في النهاية الإيقاع بالرجل والحكومة لأكثر من سبب بات معروفاً ومتوقعاً.
فمنذ أن وقف الدكتور نواف على باب القصر الجمهوري، في بداية تكليفه تشكيل الحكومة، حاملاً نسخة عن الدستور واتفاق الطائف قائلاً: "هذا هو كتابي" وقد أتيت لأطبق الدستور بحذافيره، وتصحيح ما طبق عن طريق الخطأ. فقد حكم على نفسه بأن وضعه كُثر في مرمى أهدافهم المرغوبة، لأن أغلب الممارسات السابقة، للقوى السياسية السلطوية، كانت تطمح للاحتيال على تطبيق الدستور، والمراوغة والانتقائية في تطبيق اتفاق الطائف.
ماذا كان عليه أن يفعل؟ ليتدارك ما حصل من نصب الفخ الأخير في موضوع الأجور والزيادات؟
يتمتع الرئيس سلام بمعرفة الاتجاهات الصحيحة لإصلاح ومعالجة الأمور والقضايا في البلاد، ولكنه يفتقد في بعض الأحيان إلى الحكمة المصحوبة بالتروي والمرونة.
كان المطلوب من الحكومة -وهي حكومة الإنقاذ والإصلاح- أن تعد خطة أو رؤية إصلاحية شاملة لكل القطاعات في الدولة على المستويات الإدارية والمالية والاقتصادية، بالتوازي مع التوجهات والإصلاحات الأمنية (حصر السلاح بيد الدولة الصعبة والجوهرية) على أن تكون هذه الخطة مرفقة بدراسة جدية عن أوجه تحصيل الإيرادات والأموال بطريقة فعالة ومفيدة وجدية. وكان من الأفضل أن تكون هذه الخطة بعد نيل الحكومة الثقة إثر البيان الوزاري الذي حمل التوجهات والعناوين الأساسية لعمل الحكومة.
بمعنى أن تكون الخطة الإصلاحية مع دراسة الموارد هي خطة الإنقاذ، على أن ينصرف وزير المال الموقر بالتعاون مع وزير الاقتصاد المجرب والعليم، مع باقي "الأدمغة" والطاقات العلمية الموجودة في الحكومة، على دراسة وإعداد طرق تحصيل الأموال والجبايات الشاملة غير الموضعية والمؤذية والضاغطة على المواطنين.
لو أُعدت هذه الخطة ودُرست وأُقرت حكومياً بشكل مسبق، إثر البيان الوزاري أو عقبه أو بالتوازي معه، لكان بإمكان الرئيس سلام أن يرفعها بوجه كمين العسكريين المتقاعدين الذين اقتحموا جلسة مجلس النواب، وأن يقول لهم حقوقكم ستأتي من ضمن تنفيذ الخطة الحكومية الشاملة، وليس بشكل منفصل كقطاع مهم وضروري في الدولة.
لقد كان ما جرى من وقائع على الأرض في ساحة النجمة ذلك اليوم المشهود، أكبر دليل على الكمين أو التفاهم الذي أُعد على نحوٍ محكم لإيقاع الحكومة ورئيسها به، والتي وجدت نفسها في قلبه من دون قدرة على المقاومة والممانعة، والسبب أنها افتقدت للرؤية الشاملة المعدة بعمق وفاعلية.
الدليل على الفخ المُعد والمكيدة المدبرة التي حيكت بتفاهم وتقاطع بين أطراف وقوى وشخصيات معروفة، هو ما جرى يوم انعقدت جلسة إقرار الموازنة حيث ضُرب بعض الأساتذة والمدرسون، واستُخدم معهم العنف ومنعوا من تجاوز حواجز الجيش وحرس مجلس النواب الأشاوس قبل الظهر، فيما رفعت الحواجز من أمام وفد العسكريين المتقاعدين بقيادة المغوار "مونتغمري روكز أفندي"، مما سمح للعسكريين بالوصول إلى مدخل مبنى مجلس النواب وحصاره وإحراج رئيسه بمطالب وانتزاع تعهدات بزيادات وتحسينات قبل نهاية شباط الحالي، وبأرقام ونسب حددها العسكريون من دون نظر إلى إمكانية التلبية أو القدرة عليها، مما أوقع الحكومة في شر أعمالها وقراراتها المتسرعة وغير المدروسة.
هل من أحد يمكن أن يجيب على سؤال محدد، وهو كيف سمحت شرطة مجلس النواب المدججة بالخرطوش والرصاص وآليات ضخ الماء الساخن والبارد وفرق المساندة، للعسكريين في اقتحام مجلس النواب بمواكبة من ملك اللياقات والمداهنات الياس أبو صعب، من الوصول إلى داخل مبنى مجلس النواب.
كُسرت وسحقت عظام المتظاهرين المدنيين السلميين وأصيبت أجسامهم وعيونهم في انتفاضة 17 تشرين 2019، بمجرد أن حاولوا تجاوز الحواجز الحديدية للتوجه نحو مبنى البرلمان؟
من دفع ونفخ بعناصر الجيش من المتقاعدين للتهجم على مبنى مجلس النواب ومن فيه من دون تردد أو تفكر أو حساب؟
لقد سبق أن شاهد لبنان سابقاً مسرحية استعراض قوة وبطش وترهيب من قبضايات في الجيش للحصول على مطالب من الحكومة، أيام السباح الأولمبي الفريد من نوعه إميل لحود تجاه وزارة المالية سابقاً وعرفنا النتيجة والثمن.
اليوم تكررت المسرحية وحشرت الحكومة والبلاد بالذي جرى من قرارات متعجلة.
هذا لا يعني أن العسكريين من الجيش وقوى الأمن الداخلي، يجب أن يبقوا من دون تحسين أحوالهم وتلبية مطالبهم. على العكس، فإن لبنان المقبل والمنزلق إلى حصر السلاح بيد الدولة، بحاجة أن ينصف ويكرم ويراعي هؤلاء الأبطال، لكن عن طريق الإمكانيات الواقعية والقدرة والتروي، لا عن طريق الترهيب والتهديد والتشبيح والتخويف، والإرغام والضغط!
تعرض نواف سلام لخدعة معدة بإتقان من دهاقنة الخبث والرياء، فبعد أن زار الجنوب ومضى في إقرار خطط إعادة الإعمار، جاء موقف وزراء الثنائي الشيعي في جلسة مجلس الوزراء، بين الموافقة والتحفظ على الزيادات فيما عارضت القوى الحليفة له.
ولما مضت الحكومة في قرارات الزيادة، وعلى وجه الخصوص الملتهبة منها، بدأت مواقف التنصل والتنمر، من مثل حكم وأقوال: "العودة عن الخطأ فضيلة".
الحكومة أكلت موز المطالب المحقة، والمضغوطة، وانزلقت في قشرها المعد والموزع مسبقاً على الدروب والمفارق وعن قصد وسابق تصور وتصميم، فهل من ينقذها من الكسور والرضوض ويعالج مصابها، أم فات الأوان على ذلك؟




