يعيش لبنان اليوم حالة من "الستاتيكو القلق"، إذ يبدو رهينة مع وقف التنفيذ، بانتظار صافرة البداية للمواجهة الكبرى بين واشنطن وطهران. وهذا الاحتقان هو نتاج تقاطع استحقاقات داهمة وضعت الدولة، ومعها حزب الله، في زاوية حرجة جداً. فالعهد والحكومة يخوضان سباقاً محموماً لإثبات أهليتهما للإمساك بالبلد، أمام المجتمع الدولي، قبل وقوع الانفجار الإقليمي، خصوصاً لجهة تأمين الدعم المالي والعسكري للجيش في المؤتمر الموعود في باريس في 5 آذار، لكنهما يدركان أن هذا الدعم مشروط بتحقيق نتائج ملموسة في نزع السلاح شمال الليطاني. فالمهلة التي طلبها الجيش (4 إلى 8 أشهر) تبدو أقرب إلى "تخريجة" ديبلوماسية لتجنب الصدام الداخلي، لكنها قد تنهار إذا بدأت الضربة الأميركية لإيران. وكذلك، تخشى الدولة إجراء الانتخابات في أيار 2026، سواء تحت وطأة السلاح أو تحت وطأة الحرب. فالتأجيل يضرب شرعيتها، والإجراء في ظل التوتر ليس ممكناً ولا حتى مرغوباً فيه. وأما الحزب فيعيش حالياً أصعب لحظات تاريخه السياسي والميداني منذ التأسيس، وهو محاصر بين الضغط الأميركي والإسرائيلي وخسارة العمق السوري والغطاء الداخلي اللبناني.
وفيما لبنان يتخبط في وضعية المتلقّي للصدمة، يُخشى أن تستغل إسرائيل حال التأهب الأميركي القصوى ضد إيران لمواصلة قضم قدرات الحزب في لبنان عبر الضربات المستمرة، وهي تدرك أن الحزب محشور ولن يرد بحيث يتسبب بإشعال حرب شاملة، قبل أن يتبلور مصير طهران. وفيما تهديدات ترامب لإيران بلغت الأقصى، يبدو لبنان داخل هذه المعادلة مجرد تفصيل يقبع في غرفة الانتظار، بين دولة تأمل أن تشتري الوقت، وحزب يأمل أن تمر العاصفة الإيرانية بأقل الخسائر، ليتمكن من اتخاذ القرارات التي تحدد مصيره.
ضربة عين الحلوة
في هذا المناخ المتوتر، الجنوب يبدو مجدّدًا منصة للاشتباك الإقليمي، وكمساحة ضغطٍ مفتوحة على أكثر من اتجاه. وفي تصعيدٍ إسرائيليٍّ خطيرٍ، استهدفت مُسيَّرةٌ إسرائيليّةٌ، بثلاثة صواريخ، حيَّ حطّين في مخيّم عين الحلوة جنوبًا، ما أسفر عن سقوط شهيدَين. ويأتي هذا الاستهداف ضمن سياق تصعيدٍ إسرائيليٍّ مستمرٍّ ومتدحرجٍ، فيما يُعدّ مخيّم عين الحلوة، الواقع في مدينة صيدا، أكبر المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان.
وعلى خطّ التعليق الإسرائيليّ، كتبت المتحدِّثة باسم الجيش الإسرائيليّ، إيلا واوية، عبر حسابها على "أكس"، "هاجم الجيش الإسرائيليّ قبل قليلٍ مقرًّا كانت تنشط منه عناصرُ تابعةٌ لحركة حماس في منطقة عين الحلوة جنوب لبنان". وبين وقع الضربة ومعناها، يزداد القلق من تحوُّل المخيّمات إلى نقطة اختبارٍ لحدود الرسائل، وقياسٍ للردود، في وقتٍ يُراد فيه للبنان أن يبقى بلا قدرةٍ على المبادرة، وبلا ترفِ المخاطرة.
المشهد الانتخابيّ
انتخابيًّا، لا يقلّ المشهد تعقيدًا، إذ رفضت وزارة الدّاخليّة والبلديّات طلب ترشُّح عبّاس عبد اللّطيف فوّاز، الرّئيس السّابق لـ"الجامعة الثّقافيّة في العالَم"، ومرشَّح حركة أمل، عن المقعد الشّيعيّ للدّائرة 16 في الاغتراب. وبحسب المعلومات، جاء قرار الرّفض على خلفيّةٍ إجرائيّةٍ ترتبط بآليّات فتح باب التّرشُّح في الخارج، إذ إنّ "لا يمكن لأيّ شخصٍ أن يترشَّح ما لم يكن باب التّرشُّح مفتوحًا رسميًّا للخارج، مع تحديد المهل القانونيّة والمستندات المطلوبة بوضوحٍ، وإجراءات فتح الحسابات في الخارج، وتعيين مُدقِّقٍ ماليٍّ لبنانيٍّ أو أجنبيٍّ، وبيان ما إذا كان تقديم طلبات التّرشُّح يتمّ عبر وزارة الدّاخليّة والبلديّات أو عبر السّفارات في الخارج، إضافةً إلى تحديد المقعد المعنيّ وأيّ قارّةٍ يُخصَّص لها".
ويأتي هذا التطوّر في سياق حسّاسيّةٍ سياسيّةٍ متزايدةٍ تُحيط بملفّ اقتراع الاغتراب وتمثيله، خصوصًا أنّ الدّائرة 16، وما يتّصل بها من مقاعد موزّعةٍ على القارّات، تحوّلت، منذ إدخال آليّات اقتراع غير المقيمين، إلى مادّة تجاذبٍ بين القوى السّياسيّة حول التّوقيت، والإجراءات، وصلاحيّات كلٍّ من الإدارة المركزيّة والسّفارات، فضلًا عن أثر أصوات المغتربين على توازنات التّمثيل الطّائفيّ والحزبيّ. وإذا كانت الوزارة لم تُعلن تفاصيل إضافيّة تتجاوز الشقّ الإجرائيّ، فالمُرجَّح أن يُسهم القرار في رفع منسوب النّقاش السّياسيّ حول الجهوزيّة الإداريّة لفتح باب التّرشُّح، والالتزام بالمقتضيات الماليّة والقانونيّة في الخارج، على وقع تنافس القوى على حصد أكبر كتلةٍ تصويتيّةٍ ممكنةٍ في الاغتراب.
وعند مفترق السياسة والانتخابات، بدا أنّ "الثنائيّ" يقرأ اللحظة بوصفها معركة بقاءٍ سياسيٍّ لا مجرّد استحقاقٍ دوريّ. فقد شدَّد رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة"، النائب محمّد رعد، من عين التينة، على أنّ الموقف الانتخابيّ بين الجانبين "متطابق تمامًا"، مُعلنًا أنّهما سيخوضان الاستحقاق النيابيّ معًا "في أيّ اتّجاهٍ كان"، ومؤكِّدًا التوافق على أن يكون "الثنائيّ الوطنيّ" منصّةً "تؤسِّس لوحدةٍ وطنيّةٍ لمواجهة كلّ التحدّيات".
وكان رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي قد استقبل رعد في مقرّ الرئاسة الثّانية في عين التينة، على رأس وفدٍ من نوّاب الكتلة ضمّ النوّاب علي عمّار، حسين الحاج حسن، أمين شرّي، رائد برو، علي فيّاض، وحسن فضل الله. وتناول اللّقاء تطوّرات الأوضاع العامّة، وآخر المستجدّات السّياسيّة والميدانيّة، وشؤونًا تشريعيّةً، إضافةً إلى ملفّ الانتخابات النيابيّة. وأضاف رعد أنّ اللّقاء شكّل فرصةً للتداول في الشؤون المحليّة والإقليميّة، لافتًا إلى أنّ وجهات النّظر كانت "متطابقةً تمامًا كما هي العادة". وتابع، "توافقنا على أن يكون الثنائيّ الوطنيّ هو المنصّة التي تؤسِّس لوحدةٍ وطنيّةٍ لمواجهة كلّ التحدّيات، ولمواجهة كلّ المخاطر التي ينبغي أن يواجهها لبنان حين يُستهدف في سيادته وفي أمنه واستقراره".
وفي سياقٍ متّصلٍ، أكّد رعد أنّهم "حريصون على أمن واستقرار البلد وعلى سير الحياة الطبيعيّة فيه"، كما هم "حريصون على مواجهة الاحتلال الصهيونيّ والعربدة الداعمة له حتّى يخرج من أرضنا، ويعود أهلنا إلى قراهم ومدنهم، وتستقرّ حياتهم في ظلّ وحدةٍ وطنيّةٍ، وفي ظلّ التفافٍ حول سلطةٍ مركزيّةٍ تحفظ السّيادة في هذا البلد". وردًّا على سؤالٍ حول الانتخابات النيابيّة، قال رعد، "موضوع الانتخابات النيابيّة والمواقف التي تدور حولها كان موقفنا متطابقًا تمامًا، وسنخوض هذا الاستحقاق معًا في أيّ اتّجاهٍ كان".
الضربة الأميركيّة
غير أنّ العقدة الأكبر تبقى خارج الحدود، حيث تُدار ساعة المنطقة على توقيت واشنطن وطهران. إقليميًّا، قال الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إنّه يدرس توجيه ضربةٍ عسكريّةٍ محدودةٍ لإيران، من دون تقديم تفاصيل إضافيّة، في خطوةٍ تعكس تصاعد التوتّر بين واشنطن وطهران، في ظلّ تعثُّر المسار الدبلوماسيّ بشأن البرنامج النوويّ الإيرانيّ. وردًّا على سؤالٍ عمّا إذا كان يفكّر في توجيه ضربةٍ محدودةٍ للضغط على إيران للتوصّل إلى اتّفاقٍ حول برنامجها النوويّ، قال ترامب للصحافيّين في البيت الأبيض، "أعتقد أنّني أستطيع القول إنّني أفكّر في ذلك"، مُضيفًا في تصريحٍ مماثلٍ، "أعتقد أنّه يمكنني القول إنّني أدرس ذلك".
وفي موازاة تصريحات ترامب، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولين أميركيّين أنّ التخطيط العسكريّ الأميركيّ بشأن إيران بلغ "مراحل متقدّمةً للغاية"، مع خياراتٍ تتراوح بين استهداف أفرادٍ محدَّدين في هجماتٍ دقيقةٍ، وصولًا إلى السعي لتغيير النظام في طهران، إذا ما أصدر الرئيس أوامره بذلك. وتمثّل الخيارات العسكريّة المطروحة أحدث مؤشرٍ على استعداد الولايات المتّحدة لصراعٍ جدّيٍّ مع إيران في حال فشل الجهود الدبلوماسيّة، وفق المسؤولين. وكانت "رويترز" قد أفادت الأسبوع الماضي بأنّ الجيش الأميركيّ يستعدّ لعمليّةٍ مُستدامةٍ قد تمتدّ لأسابيع، وتشمل استهداف منشآتٍ أمنيّةٍ إيرانيّةٍ وبنىً تحتيّةٍ نوويّةٍ. ولم تُقدِّم المصادر تفاصيل بشأن الشّخصيّات التي قد تُستهدف أو الكيفيّة التي يمكن أن تُنفَّذ بها واشنطن تغييرًا للنظام من دون نشر قوّةٍ برّيّةٍ كبيرةٍ.
حسابات ورسائل
هنا تمامًا تتقاطع الشؤون والشجون اللبنانيّة، الأمنيّة والانتخابيّة والاقتصاديّة، مع خطّ النار الإقليميّ. فالدولة، وهي تحاول شراء الوقت، تُدرك أنّ أيّ اهتزازٍ كبيرٍ في الإقليم سيُسقط عمليًّا حسابات التدرّج التي تعتمدها، ويعيد خلط الأولويّات، من "نزع السلاح" إلى "منع الانهيار"، ومن "التعويل على المؤتمرات" إلى "تدبير البقاء". وفي المقابل، يبدو "حزب الله" محشورًا بين حاجتين متناقضتين، ضبط الداخل كي لا ينفجر، والاحتفاظ بصورة الردع كي لا تُستكمل عمليّة الاستنزاف. وبين هذين الحدّين، يبقى لبنان، مرّةً أخرى، في موقع المتلقّي، ينتظر قرارًا خارج غرفته، بينما تتنازع أرضه رسائل الطائرات، ورسائل الانتخابات، ورسائل العواصم.




