عاد ملفّ الإصلاح الدّستوريّ إلى صدارة النّقاش العامّ في لبنان، من بوّابة استكمال تطبيق اتّفاق الطّائف وبنوده المعلّقة منذ أكثر من ثلاثة عقود، على وقع تداخلٍ لافتٍ بين أسئلة السّيادة وحصر السّلاح، واستحقاقات الإصلاح والانتخابات، وحدود الدّولة ووظائفها. وفي مؤتمرٍ احتضنته المكتبة الوطنيّة في الصّنائع تحت عنوان "المواطنيّة وسيادة الدّولة: الواقع الرّاهن وآفاق المستقبل"، ارتفع السّقف السّياسيّ مع طرح رئيس مجلس الوزراء نواف سلام تفعيل نظام المجلسين، مقابل مقاربةٍ فكريّةٍ قدّمها النّائب نعمة إفرام حول "روح" الميثاق الوطنيّ ومعنى الانتقال إلى "التّعايش المنتج".
مؤتمرٌ في قلب بيروت
المؤتمر دعت إليه "الجمعيّة الثّقافيّة للتّوعية" بالشّراكة مع "مشروع وطن الإنسان"، وشارك فيه وزير الثّقافة غسّان سلامة بوصفه المضيف في صرح المكتبة الوطنيّة، إلى جانب رئيس الحكومة، وحضورٍ وزاريٍّ ونيابيٍّ وثقافيٍّ وأكاديميٍّ وقانونيٍّ وإعلاميٍّ واسع. كما ألقى بشّارة طربيّة كلمة الافتتاح عن الجهة الدّاعية.
وفي كلمته، قدّم سلام مقاربةً دستوريّةً مباشرةً تعيد فتح المادّة 22 من الدّستور باعتبارها مدخلًا عمليًّا لاستكمال "الطّائف"، قائلًا: "من الممكن أن ننتقل إلى العمل بنظام المجلسين المنصوص عليه في المادّة 22 من الدّستور، بحيث يتمّ حصر التّمثيل الطّائفيّ في مجلس الشّيوخ، وتحرير مجلس النّوّاب من القيد الطّائفيّ ليؤمّن المشاركة الوطنيّة، أو بالأحرى المشاركة المواطنيّة".
ولم يكتف رئيس الحكومة بإعادة طرح الفكرة بوصفها "تقنيّةً دستوريّة"، بل ربطها مباشرةً بالمادّة 95، قائلًا: "علينا أن نعود إلى المادّة 95 من الدّستور، وأن نطبّقها بالكامل دون اجتزاءٍ أو تشويه". وفي توصيفٍ سياسيٍّ ذي دلالات، اعتبر أنّ "إعاقة نموّ المواطنيّة تقع مسؤوليّتها على النّظام السّياسيّ الذي يرتكز على الطّوائف ودورها ولو على حساب حقوق الأفراد"، وأنّ "أزمة المواطنيّة في لبنان تكمن في غياب الاعتراف السّياسيّ الكامل بحقوق الفرد بالاستقلال عن انتمائه الطّائفيّ".
غسّان سلامة: السّيادة ركيزةٌ للمواطنيّة ودولة القانون
في مداخلته ضمن المؤتمر، أشار وزير الثّقافة غسّان سلامة إلى أنّ لبنان يشهد "بدايات نجاح" في مسار حصر السّلاح وبسط سلطة الدّولة على كامل الأراضي اللّبنانيّة، معتبرًا أنّ هذا التطوّر يشكّل ركيزةً ضروريّةً لتعزيز السّيادة وترسيخ مفهوم المواطنيّة ودولة القانون، وفق ما نقلته تغطياتٌ محلّيّة.
إفرام: من "تسويةٍ سلبيّة" إلى "تعايشٍ منتج"
من جهته، قدّم النّائب نعمة إفرام، الرّئيس التّنفيذيّ لـ"مشروع وطن الإنسان"، مداخلةً افتتاحيّةً للجلسة التي أدارها ضمن المؤتمر، واضعًا "الرّوح" في مقدّمة أيّ إصلاحٍ سياسيّ، بقوله: "الرّوح تسبق الفكرة، والفكرة تسبق الفعل. قبل أن تكون هناك دولة، تكون هناك إرادةٌ مشتركةٌ للعيش معًا".
وسار إفرام في قراءةٍ تاريخيّةٍ للميثاق الوطنيّ بوصفه "لحظة تسويةٍ تاريخيّة" قامت على تنازلاتٍ متبادلة، محذّرًا من بقاء الصّيغة هشّةً إذا لم تتحوّل من "توازنٍ طائفيّ" إلى "مشروعٍ إيجابيّ مشترك". وفي الشقّ الاستشرافيّ، دعا إلى الانتقال من "تسويةٍ سلبيّة" إلى "التّعايش المنتج"، حيث "ليس فقط غياب الغلبة، بل حضور الشّراكة. ليس فقط توازن الطّوائف، بل تكامل المواطنين"، مقترحًا ركيزتي "الإيمان والحرّيّة" بمضامينهما الدّستوريّة والأخلاقيّة، لا بوصفهما أدوات اشتباكٍ سياسيّ.
جلسةٌ عن الميثاق: وأسئلة النّصّ والرّوح
الجلسة حملت عنوانًا بحثيًّا: "دراسة العناصر المكوّنة للميثاق الوطنيّ وظروف ولادته، والنّصوص القانونيّة التي تحدّده، وتطوّره من خلال ممارسة السّلطة السّياسيّة منذ الاستقلال إلى اليوم"، وشارك فيها الوزير والنّائب السّابق بطرس حرب، والوزير السّابق رشيد درباس، والأستاذ المحاضر في العلوم السّياسيّة وسام لحّام، ضمن نقاشٍ أعاد وصل سؤال "المواطنيّة" بمسار بناء الدّولة وإصلاح مؤسّساتها.
عمليًّا، أعادت مداخلة سلام إحياء أحد أكثر بنود الطّائف حساسيّةً، وهو استحداث مجلس شيوخٍ تحصر فيه الممثّليّة الطّائفيّة، مقابل مجلس نوّابٍ متحرّرٍ من القيد الطّائفيّ، وهو ما يفتح الباب أمام سجالين متوازيين: الأوّل دستوريٌّ تشريعيٌّ حول آليّات الانتقال وقوانينه "العالقة"، والثّاني سياسيٌّ حول ترتيب الأولويّات بين الإصلاح الدّستوريّ وملفّات السّيادة وبسط سلطة الدّولة. وفي الحالتين، بدا المؤتمر منصّةً جمعت "نصّ" الدّستور و"روح" الميثاق، في وقتٍ تشتدّ فيه الحاجة إلى معادلةٍ تعيد تعريف المواطنيّة خارج الاصطفافات الضيّقة.




