مرة جديدة، نجد أنفسنا أمام مشهد مألوف حدّ الملل: استحقاق دستوري داهم، قانون ملتبس، انقسام سياسي حاد، ومؤسسات تتقاذف المسؤوليات فيما الوقت ينفد. الانتخابات النيابية المقرّرة في 10 أيار 2026، والتي دعا إليها وزير الداخلية وفتح باب الترشح لها الأسبوع الماضي، يفترض أن تكون محطة عادية في دولة تحترم دورية التداول الديمقراطي. غير أن المشهد يتدحرج نحو مأزق مركّب، عنوانه الظاهر خلاف قانوني، وعمقه الحقيقي صراع سياسي على هوية المجلس المقبل.
المعضلة لا تقتصر على مضمون تعديل القانون الانتخابي، بل تطاول آلية البتّ به داخل مجلس النواب. مشاريع التعديل مطروحة، ولكن النقاشات تعطلت في اللجان، والهيئة العامة لم تُدعَ إلى الانعقاد. ومع امتناع رئيس المجلس عن توجيه الدعوة، يصبح النقاش بلا أفق، وتتحوّل المهل الدستورية إلى مجرد اقتراحات. هكذا، يتحوّل التحكم في جدول الأعمال إلى أداة تعطيل، ويغدو موعد الاستحقاق عنصر ابتزاز.
جدل بيزنطي
جوهر الأزمة يتمحور حول اقتراع غير المقيمين؛ فالقانون النافذ نصّ على تخصيص "الدائرة 16" للمغتربين، بستة مقاعد موزعة على القارات الست، من دون أن يحدد أي تفاصيل تنفيذية، تاركًا الأمر لمراسيم تضعها الحكومة. هذا الفراغ التشريعي لم يُعالج منذ إقرار النص سنة 2017، وكأن الجميع افترض أن اللحظة الحاسمة يمكن دائمًا تأجيلها.
اليوم، ومع اقتراب موعد الانتخابات، انفجر السؤال: هل تملك الحكومة صلاحية وضع مراسيم تنظّم كيفية وأهلية ومهل الترشّح للدائرة 16 وقواعد الحملات الانتخابية في الخارج، بما يوازي فعليًا عملاً تشريعيًا بامتياز؟ إزاء هذا الالتباس، استشارت وزارة الداخلية "هيئة التشريع والاستشارات" في وزارة العدل، فجاء الرأي – غير الملزِم – بأن غير المقيمين الذين تسجّلوا (144,406 ناخبًا) يمكنهم الاقتراع للدوائر الـ15 في لبنان كما حصل في 2018 و2022، إلى حين استكمال الإطار التنفيذي الخاص بالدائرة 16. وبصورة أوضح: "إن عدم اقتراعهم في الخارج سيعرّض السلطة التنفيذية للمساءلة لمخالفتها الدستور".
هذا التفسير، وهو بطبيعة الحال يحثّ على تعديل القانون، يجنّب البلاد ارتباكًا إداريًا وسياسيًا خطيرًا، ويستند إلى سابقة تطبيقية واضحة. غير أنه يصطدم برفض "الثنائي الشيعي" وحليفه "التيار الوطني الحر"، المتمسكين بحصرية اقتراع المغتربين في الدائرة 16. خلف السجال القانوني تقف حسابات سياسية صريحة: نتائج تصويت المغتربين في الدورات السابقة لم تكن في مصلحة هذا الفريق، وإعادة توزيع أصواتهم على الدوائر الداخلية قد تقلب موازين دقيقة. هكذا، يتحوّل نصّ ملتبس إلى معركة على النتائج قبل وقوعها.
لكن السؤال الأهم ليس: أي تفسير أصحّ؟ بل: هل يجوز أن يتحوّل الخلاف إلى مدخل لتعطيل الانتخابات برمّتها؟ وهل يُعقل أن يُرهن استحقاق وطني جامع بمادة ملتبسة كان يفترض تصويبها منذ سنوات؟
المشهد يزداد خطورة إذا تذكّرنا أن ولاية المجلس الحالي تنتهي في 15 أيار 2026. أي تمديد جديد، صريحًا كان أم مقنّعًا، سيضع البلاد أمام أزمة شرعية مضاعفة. فلبنان الذي خبر تمديدات متكرّرة بين 2013 و2017، لا يحتمل تكرار التجربة في ظل انهيار اقتصادي ومؤسساتي، ولكن أيضًا في بداية "عهد" جديد منطلق وواعد.
ثمّة مَن يهمس بأن عدم السماح للمغتربين بالاقتراع في بلدان إقامتهم -سواء لمرشحي الدوائر الـ15 أو في الدائرة 16- قد يشكّل مدخلًا قانونيًا للطعن في العملية الانتخابية برمّتها، أو حتى لتبرير التأجيل. فإذا لم تُحسم آلية اقتراع عشرات آلاف الناخبين في الخارج، تصبح شروط الشمولية والمساواة غير متوافرة، ما يهدد بفقدان شرعية الانتخابات.
الآن، بعد تعنّت رئيس المجلس وتمنّعه مراراً عن دعوة الهيئة العامة للانعقاد ومناقشة التعديلات التي طلبتها الحكومة على القانون لجعله قابلاً للتطبيق، يبرز سؤال جوهري: مَن يتحمّل مسؤولية منع الانزلاق إلى هذا الفراغ؟
قبل الغرَق
الدستور لم يترك رئيس الجمهورية، الذي أقسَم على حماية الدستور والقوانين، مجرّد شاهدٍ على الغرَق؛ فالبند 10 من المادة 53 يمنحه حق توجيه رسالة إلى مجلس النواب، يطلب فيها إعادة النظر في مسألة محددة. استخدام هذا الحق في الظرف الراهن قد يشكّل صدمة إيجابية: رسالة واضحة تطالب بانعقاد الهيئة العامة فورًا للتصويت على التعديلات الضرورية لتطبيق القانون النافذ ضمن المهلة الدستورية. وهي ليست خطوة رمزية، بل إجراء دستوري مُلزِم، يفرض على رئيس المجلس دعوة الهيئة العامة خلال ثلاثة أيام لمناقشة مضمون الرسالة. أي أن الرسالة، التي ما زال باستطاعة الرئيس إرسالها من فوق الماء، في حدّها الأدنى، ستكسر حالة الجمود وتفرض انعقاد المجلس.
غير أن التحدّي لا يكمن في انعقاد الجلسة بحدّ ذاته، بل في ما إذا كانت المناقشة ستُترجم إلى قرار واضح: هل تتحوّل الرسالة إلى تصويت فعلي على التعديلات المطلوبة؟ أم تظلّ مجرّد نقاش سياسي يُستنزف فيه الوقت من دون حسم؟ الفرق بين الانعقاد الشكلي والحسم التشريعي هو الفاصل بين إدارة الأزمة أو حلّها.
وإذا انعقدت الهيئة العامة وبقيت الانقسامات على حالها، أو تعذّر التوصّل إلى أكثرية تُقرّ التعديلات الضرورية، نكون عندها أمام انسداد من نوع آخر: مجلس يجتمع لكنه يعجز عن إنتاج قرار يمكّن الانتخابات من السير بثبات. في هذه اللحظة تحديدًا، يبرز الخيار الأكثر جذرية.
آخر الدواء
لبنان اليوم أمام خيارين: إما تسوية سريعة تعيد فتح أبواب الهيئة العامة، وتُقرّ تعديلات تضمن آلية اقتراع غير المقيمين ضمن المهلة؛ وإما استمرار الكباش حتى اللحظة الأخيرة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر التأجيل أو الطعن أو الفراغ. خلف هذين الخيارين، يلوح خيار ثالث. فالمادة 55 من الدستور تتيح لرئيس الجمهورية، بالاتفاق مع الحكومة، حلّ مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات جديدة.
صحيح أن هذا الإجراء استثنائي وخطير، ويُفترض أن يُستخدم كملاذ أخير، لكنه يبقى أداة دستورية وُجدت تحديدًا لكسر حالات الانسداد المتمادية. فإذا تحوّل المجلس إلى عائق أمام إجراء الانتخابات بدل أن يكون حاضنًا لها، ألا يصبح حلّه أقلّ كلفة من تمديد ولايته بحكم الأمر الواقع؟
سيقول معارضو هذا الطرح إن حلّ المجلس يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى، وإن البلاد لا تحتمل مغامرات دستورية. لكن أي فوضى أكبر من مجلس عاجز عن الاجتماع لمناقشة قانون انتخاب؟ وأي مغامرة أخطر من ترك الاستحقاق يسقط تحت وطأة المماطلة والتعنّت؟ وأي إنجازات أصلاً اجترحها هذا المجلس طيلة فترة ولايته؟!
والمفارقة أن حلّ المجلس سيفضي إلى انتخابات تُجرى بموجب آخر قانون طُبّق في 2022، أي بصيغة اقتراع المغتربين للدوائر الـ15. بمعنى آخر، التعنّت في فرض الدائرة 16 من دون إطار تنفيذي قد ينتهي بنتيجة معاكسة تمامًا.
تحديات وأثمان
غير أن هذا الخيار ليس وصفة بلا أثمان. أولى التحديات هي: هل يتوافر فعلًا اتفاق بين رئيس الجمهورية والحكومة على استخدام هذه الصلاحية في مناخ انقسام حاد؟ فأي تباين داخل السلطة التنفيذية قد يحوّل الحلّ إلى أزمة إضافية.
ثانيًا، قد يُقرأ القرار كخطوة تصعيدية تستهدف كتلة معينة، ما يدفع القوى المعنية إلى مزيد من التشدّد أو الطعن بشرعيته أمام المجلس الدستوري. صحيح أن النص واضح، لكن المناخ السياسي قد يُلبس الخطوة أبعادًا تتجاوز إطارها القانوني.
ثم هناك الفرضية الأعمق: ماذا لو أعاد الحلّ إنتاج الانقسام نفسه داخل مجلس جديد، من دون معالجة ثقافة التعطيل؟ عندها نكون قد استخدمنا أقصى الأدوات الدستورية من دون أن نلامس جوهر المشكلة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: أيهما أخطر على الاستقرار التشريعي، استخدام صلاحية دستورية أم ترك الاستحقاق يتآكل حتى لحظة السقوط في تمديد مقنّع أو فراغ شامل؟ بين مخاطرة محسوبة يعقبها احتكام إلى صناديق الاقتراع، ومغامرة مفتوحة على المجهول، قد يكون الخيار الأقل كلفة هو الذي يعيد القرار إلى الشعب.
أميال بطول 34 سنة!
حلّ المجلس ليس شعارًا تصعيديًا، بل سؤال دستوري يفرض نفسه حين تعجز المؤسسة عن أداء وظيفتها الأساسية. فالانتخابات ليست تفصيلًا إداريًا، بل صمّام أمان النظام الديمقراطي. وإذا كان الحفاظ عليها يقتضي استخدام الأدوات الدستورية الأكثر حدّة، فإن التردّد قد يكون هو الخطر الحقيقي.
في النهاية، المسألة ليست إن كان الرئيس "سيفعلها"، فحين لا يبقى أمامه، لمنع سقوط الاستحقاق سوى استخدام هذه الصلاحيات أو التلويح بها، نكون قد بلغنا في ابتعادنا عن الأصول البرلمانية أميالًا بطول 34 سنة.




