الحزب الأقوى من "حزب الله"!

يوسف بزيالخميس 2026/02/19
Image-1771501637
الحزب- الوحش يفرض القرارات الحكومية التي لا يريدها أحد! (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

القرارات الأخيرة التي تبناها مجلس الوزراء ورئيسه نواف سلام، هي نفسها كان يمكن أن يقرّها مجلس وزراء سعد الحريري أو فؤاد السنيورة أو حسان دياب أو نجيب ميقاتي. وهي ذاتها التي سيوافق عليها مجلس النواب، مهما تغير هذا المجلس. وتاريخ القرارات المشابهة إلى حد الاستنساخ على امتداد الحكومات المتعاقبة، يؤكد ذلك.

 

المدهش في الأمر، أن معظم الوزراء ورؤساء الحكومة والنواب، ومعهم الزعماء والأحزاب يخرجون ممتعضين أو متبرئين أو معارضين لهكذا قرارات. الانتحاريون وحدهم من يتطوع للدفاع عنها. لكن الدهشة المغمّسة بالخيبة هذه المرة، مردّها أن الحكومة الجديدة ورئيسها "الجديد"، أتيا بوصفهما تغييراً وقطعاً مع الحكومات السابقة. فمبرر تشكيلها وتسمية رئيسها هو التخلص من النهج السابق المدمِّر والكارثي. 

فحوى القرارات الحكومية، باختصار، هناك وحش نهم يسكن في خرائب الدولة عليكم أن تقدموا له قرباناً يومياً من لحمكم الحيّ.

هذا الوحش الذي لا يجرؤ أحد على محاربته هو الحزب الأكبر والأشرس والأشد هيمنة ونفوذاً من أي حزب لبناني، أقوى بكثير من حزب الله حتى في عز جبروته. حزب فتّاك وجذّاب، جماهيري ونخبوي، سري وعلني، حاكم مطلق لا يخضع لمساءلة ولا يقبل بأي مساومة. وكأي حزب، تأسس على وعود خلابة وأحلام وردية: الازدهار والثروة للجميع، و"العودة إلى الزمن الجميل".  

 

بدأ الأمر بعد نهاية الحروب الأهلية- الإقليمية (1975-1990)، مع حنين ووهم استعادة العصر الذهبي السابق للحروب، ونمط العيش الباذخ والثراء وميزانية الدولة المقتدرة والمسرفة إلى حد التبذير. كان هناك إصرار مرضي على هذا الطموح ولو بلا موارد.

عنى ذلك هندسة اقتصادية مالية تتطابق أولاً مع الترجمة المشوهة لاتفاق الطائف (المحاصصة الطائفية)، تمويل الفيدراليات الحزبية- الطائفية التي تتشكل منها السلطة (الزبائنية)، الاستدانة المفرطة لغياب الموارد لتغذية البيروقراطية المتضخمة بلا حد (الرشوة السياسية- الطائفية)، هيمنة اقتصاد الاستهلاك الفاحش مع غياب التنمية وضعف الإنتاج. أفضى هذا إلى نظام اقتصادي شديد التشوه، فاسد ومفسد، الكل يستفيد منه والكل يتضرر منه، الكل يطمح للتخلص منه والكل مدمن عليه ويعتاش منه. بالطبع، كل حسب مقدرته و"ذئبيته".

هذا النظام، هو الحزب- الوحش، الذي يفرض القرارات الحكومية التي لا يريدها أحد، والجميع يوافق عليها في آن معاً.

 

في الواجهة، يمكن أن نضع النظام المصرفي المتورط في "أكبر سرقة منذ القرن التاسع عشر" (الأمم المتحدة)، كارتيل التجار، أصحاب الوكالات الحصرية، المضاربين والمقاولين، شركات النفط وشركات الاتصالات وما شابه، حفنة صناعيين، حفنة رجال أعمال، لكن أيضاً، علينا أن نضع جحافل ما يسمى "القطاع العام"، الموظف البسيط الذي يقود سيارة دفع رباعي لا يقل ثمنها عن سبعين ألف دولار ويبني فيلا في قريته بكلفة تتراوح بين 400 ألف ومليون دولار، ويعلّم أبناءه في الجامعات الخاصة داخل لبنان أو خارجه بكلفة لا تقل عن مئة ألف دولار بالسنة الواحدة، ويسكن في شقة ببيروت لا يقل ثمنها عن 400 ألف دولار، ويحتاج إلى ميزانية لا تقل عن خمسة آلاف دولار شهرياً.. فيما راتبه لا يتجاوز الألفي دولار، ويتمتع بمزايا التأمين الصحي، وبدل نقل، ومنح وعطاءات ومكافآت، وامتيازات تقاعدية له ولأسرته. وفي النهاية، هو موظف إما عديم الإنتاج أو لا يتناسب إنتاجه ودوره مع كلفته على الخزينة. وفي الحالتين، علينا جميعاً تمويل هذا البطر الذي يعيشه.

 

أخيراً، علينا أن نضع مع هؤلاء، وفي المقدمة، نادي السياسيين الكبار الذين يتولون إدارة كل هذه الحلقة الجهنمية: "الاقتصاد الحر" المافياوي بكل المقاييس، الجهاز البيروقراطي الفاسد. وهؤلاء لا يكتفون بـ"الإدارة"، فلهم حصة كبرى في هذا النظام كونهم حماته. وهذا النادي، يضم أيضاً جيشاً ضخماً من حزب سياسي بأنصاره وناشطيه، ماكينة انتخابية، منتفعين، مستشارين، إداريين، إعلاميين.. إلخ. وبمعنى آخر، يجب توسعة معنى شعار "كلن يعني كلن"، لربما يشمل الشعب اللبناني برمته، الذي يحرص على بقاء هؤلاء الزعماء، وعلى استمرار المناهبة.

هكذا، الوحش يلتهمنا ونحن لا نفعل سوى تغذيته حتى الموت.    

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث