سيناريوهات الإقليم تُقلق لبنان.. وسفراء الـ5 يستوضحون اليرزة

مانشيت - المدنالأربعاء 2026/02/18
مسيرة عاشورائية في بلدة كفركلا في الجنوب مقابل المطلة الاسرائيلية(لطف الله ضاهر)
لن يبقى جنوب لبنان مجرد هامشٍ في الخبر. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد أقلّ من 48 ساعة، خفَتَ ضجيج الشارع اللبنانيّ، وتراجعت حدّة السّجال حول الضّرائب. وهذا ما يوحي أنّ قوىً سياسيّةً مختلفةً قامت بتحريك الشارع في لحظاتٍ معيّنة، ثمّ سحبت فتيل الانفجار الشّعبيّ بعد تنفيس الاحتقانات الأخرى المتعلّقة بخطّة حصر السّلاح والاستحقاق الانتخابيّ. لكنّ هذا الهدوء الدّاخليّ لا يعكس استقرارًا بالمعنى الحقيقيّ، بل ربّما يكون صمت ما قبل العاصفة الإقليميّة الّتي تتجمّع نذرها بين واشنطن وطهران، واضعةً لبنان في عين الإعصار. فقد تواردت الأنباء اليوم عن تحرّكاتٍ عسكريّةٍ أميركيّةٍ غير مسبوقةٍ في المتوسّط، تزامنًا مع الانسداد في قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران. فهل بدأت الولايات المتّحدة فعلًا بتجهيز الحشود البحريّة والجويّة في الشرق الأوسط، تحضيرًا لانهيارٍ محتملٍ للمفاوضات، والانطلاق في الحرب، بالشراكة الكاملة مع إسرائيل.
إذا اندلعت هذه الحرب الإقليميّة الشّرسة، الّتي يُسرّب أنّها ستدوم أسابيع وتكون أشرس من حرب الـ12 يومًا، فسيكون لبنان ساحة اختبارٍ أساسيّةً و"صندوق بريد" مشتعلًا بين المحورين. وهذا ما أبرزته اليوم صحيفة "معاريف" الإسرائيليّة بما أوردته عن إعداد الجيش الإسرائيليّ سيناريوهاتٍ عسكريّةٍ محدّثةٍ لجنوب لبنان. ويقدّر بعض الخبراء أن تتأرجح هذه السيناريوهات بين الضّربات المحدّدة التي تستهدف البنية التحتيّة لسلاح حزب الله في شمال اللّيطاني، والعمليّات البرّيّة الهادفة إلى فرض واقعٍ معيّنٍ على الدّولة اللبنانيّة. ويتزامن ذلك مع مناخات الانزعاج الأميركيّ من "المماطلة" الرّسميّة اللبنانيّة في تنفيذ المرحلة الثّانية من خطّة حصر السّلاح. ومع ارتفاع حدّة التوتّر بين واشنطن وطهران، يبدو الجنوب، ولبنان عمومًا، ساحةً لتصفية الحسابات الكبرى. وفي الانتظار، ثمّة ضبابيّةٌ تسود أجواء لجنة "الميكانيزم"، والتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش، في باريس، مطلع الشّهر المقبل.

 

ميكانيزمٌ معلّق و"فيتو" على التمثيل

في الداخل، لا يقرأ تراجع حرارة الشارع على أنّه عودةٌ إلى الحياة السّياسيّة الطبيعيّة، بقدر ما يقرأ كمؤشّرٍ إلى قدرة القوى المؤثّرة على ضبط الإيقاع، رفعًا وخفضًا، تبعًا لحساباتٍ تتجاوز بند الضّرائب، وتمتدّ إلى ملفّ حصر السّلاح، ومسار الاستحقاق الانتخابيّ، وما بينهما من "توازناتٍ هشّة" تدار على حافّة الهاوية.

وفي هذا السّياق، علمت "المدن" أنّ اجتماعًا سياسيًّا كان مقرّرًا أن تعقده لجنة "الميكانيزم" هذا الشّهر، لولا التباين الأميركيّ الإسرائيليّ الذي طرأ، إذ رفضت الولايات المتّحدة اقتراحًا إسرائيليًّا بحضور سفير الولايات المتّحدة في إسرائيل الاجتماع، إلى جانب السّفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى، وهو ما اعتبرته واشنطن غير ممكن، وبرّرته إسرائيل بالاعتراض على كون عيسى من أصولٍ لبنانيّة.

الخلاف هنا ليس تفصيلًا بروتوكوليًّا، بل علامةٌ على اشتباك التقديرات بين حليفين يفترض أنّهما على خطٍّ واحد. واشنطن تريد إدارة الملفّ من بيروت، وبحسابات تهدئةٍ محسوبة، وإسرائيل تريد توسيع دائرة التفاوض، وربطها مباشرةً بمسرحها الأمنيّ، وبتشدّدٍ يرفع سقف الضّغط، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن ضيق هوامش الوقت في الإقليم.

 

مهلٌ طويلة أم "تنفيسٌ" ضروريّ؟

تحدّثت مصادر سياسيّةٌ لبنانيّةٌ لـ"المدن" عن عدم رضى أميركيّ عمّا نقل عن المرحلة الثّانية من خطّة الجيش، على اعتبار أنّ المهل الزّمنيّة التي وضعت طويلةٌ نوعًا ما. وتذهب المصادر إلى الحديث عن لقاءٍ قريبٍ بين قائد الجيش رودولف هيكل والجانب الأميركيّ للاطّلاع عن كثبٍ على تصوّر القيادة.

في المقابل، تقول مصادر دبلوماسيّةٌ غربيّةٌ لـ"المدن" إنّ وضع مهلةٍ هو مؤشّرٌ إيجابيّ ينفّس الاحتقان، إذ يؤكّد أنّ ما من عراقيل، لكنّ العبرة تبقى في التنفيذ. وبين المقاربتين، يتشكّل مناخٌ رماديّ، لا يقدّم ضماناتٍ بقدر ما يوزّع رسائل طمأنةٍ، ويترك الباب مفتوحًا أمام تفسيراتٍ متناقضة، تهدّئ اليوم، وتنفجر غدًا.

 

مؤتمر دعم الجيش

من جهتها، أفادت مصادر دبلوماسيّةٌ لـ"المدن" أنّه تمّ تثبيت مكان المؤتمر التمهيديّ لدعم الجيش في القاهرة، بالاتفاق مع الجانبين المصريّ والقطريّ، وذلك في إطار توزيع المهامّ والأدوار والأعباء بين الطرفين، إضافةً إلى بعض الترتيبات اللوجستيّة.

هذا المسار، وإن بدا ماليًّا وتقنيًّا في ظاهره، إلّا أنّه سياسيٌّ بامتياز، لأنّ دعم المؤسّسة العسكريّة، في لحظة احتكاكٍ إقليميّ محتمل، يتحوّل إلى استثمارٍ في "صمّام أمان" داخليّ، وإلى محاولةٍ لإبقاء لبنان ضمن هامش الاستقرار الأدنى، وسط تصاعد السّجال حول من يملك قرار الحرب والسّلم، ومن يدفع فاتورة أيّ مغامرة.

 

 تأجيلٌ "محسوم"

إلى ذلك، أكّدت مصادر سياسيّةٌ واسعة الاطّلاع لـ"المدن" أنّ تأجيل الانتخابات النيابيّة بات محسومًا، لكنّ الاعتراض هو على فترة التمديد، إذ يريدها البعض سنةً أو سنةً ونصفًا، بينما يشترط آخرون تمديدًا لعامين.

هنا يخرج النقاش من صندوق "الظروف" إلى صندوق "النّيّات". فالتأجيل، أيًّا تكن حججه، يلامس جوهر الشرعيّة، ويعيد طرح السؤال القديم الجديد، هل المطلوب شراء الوقت لعبور العاصفة، أم شراء الوقت لإعادة تركيب المشهد من دون صناديق اقتراع.

 

السيناريوهات مفتوحة

على الصّعيد الأمنيّ، نشرت صحيفة "معاريف" العبريّة تقريرًا أفاد بأنّ الجيش الإسرائيليّ يستعدّ لسيناريوهاتٍ مختلفةٍ على الجبهة الشّماليّة مع لبنان، مؤكّدًا نشر قوّاتٍ على طول الحدود وداخل العمق. التقرير، الذي جاء بتوقيع آفي أشكنازي، نقل تعهّد الجيش بعدم تكرار واقع السّابع من أكتوبر، مع التشديد على أنّ أيّ مواجهةٍ مقبلة سيواجه فيها "العدوّ جيشًا لا مدنيّين".

وأشار التقرير إلى أنّ قائد الفرقة 91 في الجيش الإسرائيليّ، العميد يوفال غيز، التقى رؤساء البلدات الواقعة على خطّ المواجهة في الشّمال، وأعلن خلال الاجتماع, "نستعدّ لسيناريوهاتٍ مختلفة، ولدينا خططٌ عمليّاتيّةٌ فوريّةٌ وقوّاتٌ منتشرةٌ على طول الحدود وداخل العمق"، مضيفًا, "لن نعود إلى واقع السّابع من أكتوبر".

وأفاد التقرير بأنّ غيز قال خلال الاجتماع الذي عقد هذا الأسبوع مع رؤساء البلدات الواقعة على خطّ المواجهة، "مسؤوليّتنا لا تقتصر على الرّدّ، بل تشمل الاستباق والمبادرة والدّفاع. أينما طلب من الجيش الإسرائيليّ أن يعمل سنعمل. أنا هنا لأقول لكم إنّنا نستعدّ لسيناريوهاتٍ مختلفة، ولدينا خططٌ عمليّاتيّةٌ للتّحرّك الفوريّ، وقوّاتٌ منتشرةٌ على طول الحدود وداخل العمق".

وأضاف التقرير أنّ العميد غيز عقد، إلى جانب رئيس شعبة الاستيطان في وزارة الدّفاع نوحي ماندل، جلسة تقييمٍ أمنيّ ونقاشًا مشتركًا مع رؤساء السّلطات المحليّة في البلدات الواقعة على خطّ المواجهة. وخلال التّقييم عرض على رؤساء السّلطات الوضع العمليّاتيّ، وأنشطة الفرقة وجهودها، والأهداف المستقبليّة حتّى عام 2026، إلى جانب الخطط الرّامية إلى مواصلة تعزيز وتحسين الدّفاع عن البلدات.

ولفت التقرير إلى أنّ قائد الفرقة شدّد على أنّ التّعاون الوثيق مع رؤساء السّلطات المحليّة، وقادة الجيش، وجميع الأجهزة الأمنيّة، يشكّل عنصرًا أساسيًّا في أمن المنطقة، معتبرًا أنّ هذا التّكامل يوفّر مضاعفًا مهمًّا لقوّة جهود الدّفاع.

وختم التقرير بالإشارة إلى أنّ غيز أضاف, "أعدكم بأنّنا سنواصل العمل بشكلٍ متواصل لتعزيز قدراتنا وجهوزيّتنا، من أجل ضمان سلامتكم في كلّ الأوقات، هذه هي مهمّتنا، وهذا هو المعيار الذي نلتزم به، حمايةٌ كاملةٌ للسّكّان، في كلّ الأوقات وتحت أيّ سيناريو".

 

سباق الوقت

وبعد 48 ساعة على تقديم قائد الجيش العماد رودولف هيكل خطته في مجلس الوزراء، زاره اليوم في مكتبه في اليرزة سفراء الخماسية: الأميركيّ ميشال عيسى، السّعوديّ وليد البخاري، القطريّ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، المصريّ علاء موسى، الفرنسيّ هيرفيه ماغرو. وبديهي أن يكون السفراء قد استوضحوا هيكل تفاصيل حول الخطة وآليات تنفيذها والمواعيد.

وأوضح بيان للجيش أن اللقاء تناول الاستعدادات لمؤتمر دعم الجيش، والاجتماع التحضيريّ للمؤتمر في مصر، وأن الحاضرين أكدول أهمّيّة تعزيز قدرات المؤسّسة العسكريّة، نظرًا لدورها في حفظ أمن لبنان واستقراره، وسط المرحلة الحاليّة الدّقيقة.

 

والحال فإنّه وبين شارعٍ يهدأ بسرعةٍ لافتة، ومسارٍ سياسيّ تتنازعه المهل والاعتراضات، وملفٍّ أمنيّ يتغذّى من تسريبات الحرب، يقف لبنان أمام مفترقٍ حاسم. الداخل محكومٌ بـ"إدارة التوتّر"، والخارج يضغط بإيقاعٍ أعلى، فإذا تكسّرت قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران، أو ارتفعت وتيرة الاشتباك على خرائط إسرائيل، فلن يبقى جنوب لبنان مجرّد هامشٍ في الخبر، بل قد يتحوّل إلى مركز الحدث، مرّةً أخرى، وبأثمانٍ لا يملك البلد رفاهيّة دفعها.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث