يوم أمس الإثنين، كان بالنسبة إلى الولايات المتحدة والأوروبيين ودول الخماسيّة محطة منتظرة منذ أسابيع لإطلاق المرحلة الثانية من خطة نزع السّلاح أو حصره أو احتوائه. فالعنوان المطلبيّ الضرائبيّ لا يعني الخارج مباشرة، ولا موعد الانتخابات النيابيّة الّتي يراد لها أنّ تكون محطة لتغيير الواقع السّياسيّ المحليّ، ولكن ليس مهمًا إذا تمّت في موعدها الدستوريّ في أيار المقبل أو بعد أشهر أو سنة أو أكثر.
لكنّ ما بدا محسومًا في جدول الأولويّات انقلب فجأةً على نحوٍ دراماتيكيّ، إذ تحوّلت بوصلة مجلس الوزراء، من مسألة السِّلاح إلى المسألة المَطلبيّة والضَّرائبيّة، فاشتعل الشارع وارتفع منسوب التهديد بتفجير الحكومة من داخلها. هنا، لا يعود السؤال تقنيًّا، ولا يقتصر على بنود موازنة أو نسب ضرائب، بل يتّخذ طابعًا سياسيًا خالصًا: هل سيناريو المطالب والضرائب الذي تظهرت فصولُه، خصوصًا في جلسة الموازنة، هو "المهرب" المدروس، أي الذي ربما اتّفق عليه المعنيّون للتفلّت آنيًا من مواجهة ملف السِّلاح؟
في كواليس السّياسة، يتردّد أنّ القوى السّياسيّة اللبنانيّة نجحت مرّةً أخرى في العثور على طريقة لتأجيل المواجهة الحاسمة مع المطلب الأميركيّ المتعلّق بالسِّلاح. فواشنطن، وفق هذا المنطق، حريصة جدًّا على استقرار لبنان وعلى حكومته، ولا تريد اهتزاز هذا الاستقرار. لذلك، ستتردّد كثيرًا في ممارسة ضغطٍ قاسٍ على لبنان وهذه الحكومة في مسألة السِّلاح، فيما هي تترنّح تحت ضغط الشارع، وتخشى أن يتحوّل الانفجار الاجتماعيّ إلى انفجار سياسيّ يعيد خلط الأوراق بالكامل.
"المهرب" الماليّ
اللافت أنّ لحظة الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من خطّة نزع السِّلاح، أو حصره، أو احتوائه، تتزامن مع ولادة أزمةٍ داخلية عنوانها المال والضرائب. وفي التجربة اللبنانيّة، كثيرًا ما كانت العناوين المعيشيّة تتحوّل، من حقٍّ اجتماعيٍّ مشروع، إلى ورقةٍ سياسيّةٍ تُستخدم لتخفيف الضغط في ملفّاتٍ سياديّةٍ شديدة الحساسيّة. فحين يتقدّم الشارع إلى الواجهة، تصبح السلطة مُحاصرةً بالصور والأرقام والشعارات، ويغدو النقاش حول "السِّلاح" مؤجَّلًا بحُكم الواقع، لا بحُكم القرار.
وبينما تُراهن بعض القوى على أن يتكفّل ضجيج الشارع بتبريد الملفّات الإقليميّة، تُراهن قوى أخرى على أن انقسام الداخل نفسه حول الضرائب والرواتب كفيلٌ بإعادة إنتاج تسوياتٍ تُبقي كلَّ شيءٍ معلَّقًا: لا نزعٌ واضح للسِّلاح، ولا حسمٌ نهائيّ لمسار الدولة، بل إدارةُ أزمةٍ طويلةٍ تتبدّل عناوينها من أسبوعٍ إلى آخر.
مفاوضات "أساسيّة" وأخرى "موازية"
يتقاطع هذا الكلام مع ما نُشر في إسرائيل. فقد أفادت صحيفة "جيروزالم بوست" الإسرائيليّة، في تقرير بأنّ حزبَ الله لا يُعارض إجراء مفاوضاتٍ سياسيّةٍ موازيةٍ مع الولايات المتّحدة حول اتّفاقٍ أمنيٍّ مع لبنان، بالتوازي مع مساعٍ تستهدف نزعَ سلاحه جنوبَ نهرِ اللَّيطانيّ.
وبحسب التقرير، تتمثّل المفاوضات "الأساسيّة" في محاولات الحكومة اللُّبنانيّة نزعَ سلاح حزبِ الله جنوبَ اللَّيطانيّ، فيما تتركّز المفاوضات "الموازية" على سعي واشنطن للحصول على "ضماناتٍ من حزبِ الله بعدم تنفيذ أيّ أعمالٍ ضدّ إسرائيل"، إلى جانب وضع آليّةٍ تضمن تعطيلَ قدرته على استخدام سلاحه في مرحلةٍ لاحقة.
ويضيف التقرير أنّ المقترحات المطروحة تتضمّن أيضًا اتّفاقًا بين حزبِ الله والحكومة اللُّبنانيّة لإدارة مرحلةٍ انتقاليّةٍ تتّصل بسلاح الحزب، على أن يُقابَل ذلك، وفق ما ورد، بالتزامٍ إسرائيليٍّ بضمانةٍ أميركيّة يقضي بوقف "الأعمال العدائيّة"، والانسحاب من بعض النِّقاط المحتلّة، والإفراج عن عددٍ من الأسرى.
ثمّة دلالة مزدوجة هنا: الأولى أنّ واشنطن، بحسب الرواية، تسعى إلى "ضمانات" تتجاوز منطق وقف إطلاق النار إلى منطقٍ أمنيٍّ طويل الأمد. والثانية أنّ "التسوية" المقترحة لا تُقارب السِّلاح بوصفه تفصيلًا لبنانيًّا داخليًّا فحسب، بل بوصفه بندًا تفاوضيًّا متداخلًا مع الانسحاب والأسرى ووقف الأعمال العدائيّة. أي إنّ الملفّ لا يُقرأ داخليًّا فقط، بل ضمن هندسةٍ إقليميّةٍ تتقدّم خطوةً كلّما تراجعت القدرة اللبنانيّة على المبادرة.
ثلاثيّ السلطة
يشير التقرير نفسه إلى أنّ الولايات المتّحدة تطالب، وفق مصادره، برفع مستوى المحادثات بين لبنان وإسرائيل، بما يشمل نقاشًا مباشرًا لاتّفاقاتٍ أمنيّةٍ تتجاوز تفاهمات وقف إطلاق النّار الحاليّة، شرط ألّا يُعارض حزبُ الله هذه المفاوضات أو يُعرقلها.
ويلفت إلى أنّ هذا التوجّه يحظى بدعم رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام، في حين يلقى معارضةً من رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي.
وهنا، تتّضح فجوة السُّقوف داخل السلطة نفسها: بين من يرى في "رفع مستوى المحادثات" بابًا لضبط الحدود وتخفيف المخاطر، وبين من يراه مسارًا سيؤدّي تلقائيًّا إلى أثمانٍ سياسيّة تتجاوز قدرة النظام على تحمّلها. في بلدٍ قائمٍ على توازناتٍ دقيقة، أي انتقال من تفاهمٍ مؤقّت إلى اتّفاقٍ أمنيٍّ موسّع قد يفتح، دفعةً واحدة، ملفّات السيادة والشرعيّة والحدود ودور المقاومة، وكلّها قنابل مؤجَّلة لا يكفي لها "إخراجٌ إعلاميّ" أو "تسويةٌ ظرفيّة".
تدويرٌ للأزمة لا حلٌّ نهائيّ
وفي سياقٍ متّصل، يقول التقرير إنّ هذه النقاشات تُعيد إحياء مبادرةٍ كانت مصر قد طرحتها سابقًا، معتبرةً أنّ نزعَ سلاح حزبِ الله بالقوّة غيرُ ممكن، وأنّ أيّ مواجهةٍ بين الحزب والجيش اللُّبنانيّ قد تُفضي إلى حربٍ أهليّةٍ وفوضى شاملة في البلاد.
وبحسب ما أورده التقرير عن المقترح المصريّ، فإنّ البديل يتمثّل في التوصّل إلى تفاهمٍ مع حزبِ الله يلتزم بموجبه بعدم تنفيذ أيّ عمليّاتٍ ضدّ إسرائيل، على أن يتولّى الجيشُ اللُّبنانيّ إدارة مخازن السلاح ومستودعاته شمالَ نهرِ اللَّيطانيّ.
كما ذكّر التقرير برؤية قيادة حزبِ الله، التي تُصرّ على أنّ "القضايا الخلافيّة ينبغي معالجتها عبر حوارٍ داخليٍّ حول "الاستراتيجيّة الدِّفاعيّة"، وذلك بعد انسحاب إسرائيل من النِّقاط المحتلّة، ووقف الاعتداءات، والإفراج عن الأسرى، والسَّماح ببدء عمليّة إعادة الإعمار".
في السياسة، هذه ليست حلولًا نهائيّة بقدر ما هي هندسةٌ لإدارة الوقت: نقلُ السِّلاح من حالة "الاستخدام" إلى حالة "التعطيل"، ومن حالة "القرار المستقلّ" إلى حالة "الترتيب المرحليّ". لكنّ المشكلة، في لبنان، أنّ "المرحلة الانتقاليّة" كثيرًا ما تتحوّل إلى إقامةٍ دائمة، وأنّ أيّ ملفٍّ يُرحَّل بلا ضمانات داخليّة واضحة يُصبح رهينة التوازنات الإقليميّة المتقلّبة.
الجبهة الماليّة: عقوباتٌ تضغط، واقتصادٌ موازٍ يختبر حدوده
في المقابل، نشر معهد "ألما الإسرائيلي للدراسات" تقريرًا يتناول الضغوط الماليّة المتصاعدة على حزب الله، معتبرًا أنّ العقوبات والرقابة المُشدَّدة على شبكاته التمويليّة تضع التنظيم أمام تحدٍّ غير عسكريّ يتمثّل في الحفاظ على شرعيّة قاعدته الاجتماعيّة وقدرته على تمويل مؤسّساته وخدماته، في ظل مؤشّرات على صعوبات متزايدة في الوفاء بالتزاماته الماليّة والتكيّف مع واقعٍ اقتصاديّ أكثر تعقيدًا.
ويطرح التقرير تساؤلًا أساسيًّا حول ما إذا كانت التطوّرات الأخيرة تعبّر عن أزمة سيولةٍ مؤقّتة، أم أنّها تعكس تآكلًا بنيويًّا في الآليّة الاقتصاديّة التي يقوم عليها النفوذ الاجتماعيّ والسياسيّ للحزب.
ويشير التقرير إلى أنّ هذا التطوّر لا يعني بالضرورة وجود نقصٍ مطلق في الموارد، بل قد يعكس صعوباتٍ متزايدة في تنفيذ التحويلات الماليّة تحت نظامٍ من العقوبات والرقابة المُشدَّدة. فالمشكلة، بحسب التقديرات، لا تتعلّق فقط بحجم الأموال المتاحة، بل أيضًا بمدى القدرة على تحريكها، ما يسلّط الضوء على التحدّي الفعليّ المتمثّل في تضرّر القدرة التشغيليّة للنظام الماليّ الموازي الذي بناه الحزب على مدى سنوات كبديلٍ عن النظام المصرفيّ الرسميّ.
ويخلص التقرير إلى أنّ المواجهة مع حزب الله لا تجري في ساحات القتال فحسب، بل أيضًا في ميزانيّات المصارف واحتياطات الذهب وأنظمة تحويل الأموال، حيث تحوّلت العقوبات إلى أداةٍ مركزيّة في رسم توازنات القوى المستقبليّة في لبنان.
شارعٌ يغلي: الضرائب تشعل اليوميّ
على الصعيد الحياتيّ والمعيشيّ، سُجِّلت زحمة سيرٍ خانقة على جسر الرينغ بعدما أقفل محتجّون الطريق اعتراضًا على قرار الحكومة الأخير، كما تمّ قطع طريق الكولا والطريق عند مثلّث خلدة وأوتوستراد البالما في طرابلس بشكلٍ جزئيّ، احتجاجًا على زيادة الرسوم ورفع ضريبة الـTVA بنسبة 1 في المئة.
وأكّدت نقابة المعلّمين دعمها الكامل لمطالب جميع فئات موظّفي القطاع العامّ، الساعين إلى استعادة رواتبهم بما لا يقلّ عن 50% من قيمتها الفعليّة قبل العام 2019، معتبرةً أنّ هذه المطالب عادلة ومحقّة في ظل الانهيار الماليّ الذي أضعف القدرة الشرائيّة وجعل الموظّف عاجزًا عن تأمين الحدّ الأدنى من متطلّبات العيش الكريم.
وأشارت النقابة إلى أنّ دعمها لهذه المطالب لا يعني القبول بسياساتٍ ترقيعيّة تقوم على زياداتٍ شكليّة تُستعاد قيمتها عبر ضرائب ورسومٍ جديدة تُثقِل كاهل المواطنين، خصوصًا مع اقتراب شهر رمضان وبداية موجة غلاءٍ جديدة تشمل البنزين والسلع الغذائيّة الأساسيّة.
هنا، يلتقي "الاقتصاديّ" بالـ"سياديّ": حكومةٌ تُحاصرها العناوين المعيشيّة، وملفّ سلاحٍ يُطلّ برأسه من بوّابة الخارج، وتقاريرُ تتحدّث عن مفاوضاتٍ موازية وضغوطٍ ماليّة، فيما الداخل، كالعادة، ينقسم بين من يُريد معالجة النار تحت القدر، ومن يُريد تفادي فتح الغطاء.




