لم تكُن الدَّوْلَةُ يومًا مجَرَّدَ بِنْيَةٍ إِدارِيَّةٍ تُديرُ الشُّؤونَ العامَّةَ، وَلا مَساحَةً لِتَوازُناتٍ آنِيَّةٍ تُعادُ صياغَتُها عِنْدَ كُلِّ مُفْتَرَقٍ. الدَّوْلَةُ نِظامٌ قِيَمِيٌّ وَقانونِيٌّ مُتَكامِلٌ، قِماشتُهُ مَنْسوجَةٌ مِنَ الدُّسْتورِ وَمِنْ أَخْلاقيّاتِ السُّلوك السّياسي في الشأن العامّ للخير العامّ. عِنْدَ كُلِّ اسْتِحْقاقٍ دُسْتُورِيٍّ يَظْهَرُ الفارِقُ بَيْنَ مَنْ يَتَعاطى مَعَ السُّلْطَةِ كَغَنيمَةٍ، وَمَنْ يَحْمِلُها كَأَمانَةٍ. فَقِماشةُ نِساءِ وَرِجالِ الدَّوْلَةِ تُقاسُ بِمِقْدارِ التِزامِهِمْ حُرْمَةَ النُّصوصِ، وَاحْتِرامَ المُهَلِ، وَصَوْنَ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ التَّآكُلِ البَطيءِ.
يَعْلَم رِجالَ الدَّوْلَةِ وَنِساؤَها أَنَّ المهَلَ الدُّسْتُورِيَّةَ لَيْسَتْ تَرَفًا إِجْرائِيًّا، بَلْ هِيَ جَوْهَرُ الاِنْتِظامِ العَامِّ وَمِعيارُ جِدِّيَّةِ الحَوْكَمَةِ السّليمة. دَوْرِيَّةُ الاِنْتِخاباتِ وَمَوْعِدِيَّتُها تُجَسِّدانِ مَبْدَأَ تَداوُلِ السُّلْطَةِ وَحَقَّ المُواطِنِينَ/ات فِي المُحاسَبَةِ، وَأَيُّ تَلاعُبٍ بِالمَواعِيدِ أَوِ اِفْتِعالٍ لِذَرائِعَ تَأْجيلٍ يُشَكِّلُ مَسًّا بِالشَّرْعِيَّةِ، وَيَفْتَحُ البابَ أَمامَ سَوابقَ خَطِرَةٍ تُحَوِّلُ الاِسْتِثْناءَ إِلى قاعِدَةٍ. كذا كان الاستثناء في لبنان على مدى عُقُود حتّى بات اعتيادُ البعض عليه مَرحليًّا.
فِي هَذَا الإِطارِ، يَتَبَلْوَرُ التَّحَدِّي القائِمُ فِي التَّعاطي مَعَ الاِنْتِخاباتِ النِّيابِيَّةِ 2026. وبَدَلَاً من أَنْ تَكُونَ هَذِهِ المَحَطَّةُ فُرْصَةً لِتَجْديدِ الشَّرْعِيَّةِ الشَّعْبِيَّةِ وَتَصْويبِ الخَلَلِ التَّشْريعِيِّ، تَتَعامَلُ بَعْضُ القُوى السِّياسِيَّةِ مَعَها كَأَنَّها وَرَقَةُ مُقايَضَةٍ فِي بازارِ الحِساباتِ الضَّيِّقَةِ. وَتَتَكَرَّسُ أَكْرُوبِاتيَّاتٌ سِياسِيَّةٌ تَمْيِيعِيَّةٌ وَتَكاذُبِيَّةٌ تُغَرِّقُ النِّقاشَ فِي التَّفاصيلِ الثّانَوِيَّةِ، وَتُهَرِّبُ المَسْؤُولِيَّةَ عَنِ الجَوْهَرِ. إِنَّ هَذِهِ المُمَارَسَاتِ لا تَنْدَرِجُ فِي إِطارِ الخِلافِ الدِّيمُوقْراطِيِّ الطَّبيعيِّ، بَلْ تَقْتَرِبُ مِنْ حُدودِ المَهْزَلَةِ السِّياسِيَّةِ الَّتِي تُقَوِّضُ ثِقَةَ المُواطِنِينَ/ات بِقُدْرَةِ النِّظامِ عَلى تَجْديدِ نَفْسِهِ. فَعِنْدَما يُصْبِحُ الاِسْتِحْقاقُ أَسيرَ المُناوَرَةِ، تَتَراجَعُ مَكانَةُ الدُّسْتورِ، وَيَتَقَدَّمُ مَنْطِقُ القُوَّةِ عَلى مَنْطِقِ القاعِدَةِ.
رِجالُ الدَّوْلَةِ وَنِساؤُها يَرَوْنَ أَنَّ المَخْرَجَ لَيْسَ فِي المُسايَرَةِ، بَلْ فِي الاِحْتِكامِ الواضِحِ إِلى المَرْجِعِيَّاتِ الدُّسْتُورِيَّةِ وَالقَضائِيَّةِ. فَالمَجْلِسُ الدُّسْتُورِيُّ هُوَ الحَكَمُ فِي سَلامَةِ التَّشْريعِ، وَالقَضاءُ بِمُخْتَلِفِ تَخَصُّصاتِهِ شَرِيكٌ فِي حِمايَةِ المَشْرُوعِيَّةِ. وَلا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ تَفْسيرُ النُّصوصِ أَسيرَ الاجْتِهاداتِ السِّياسِيَّةِ المُتَناقِضَةِ، أَوْ أَنْ يُهَمَّشَ دَوْرُ الرِّقابَةِ لِصالِحِ تَسْوِياتٍ هَشَّةٍ. تفسير الدّستور مسؤوليّة المجلس الدّستوري. تكريس مخالفة سلوكيّة لعقود لا يعطيها شرعيّة المعيار.
مِنْ هُنا تَتَأَكَّدُ أَهَمِّيَّةُ قَطْعِ دابِرِ الالتباسات الدُّسْتُورِيَّةِ المُتَّصِلَةِ بِقانُونِ الاِنْتِخاباتِ 44/2017، وَخُصوصًا مَا يَرْتَبِطُ بِأَحْكامِ المادَّتَيْنِ 112 وَ122. حقّ الاغتراب بالاقتراع ل 128 نائبًا/ة، ليس تَفصيلًا تَقْنِيَّا، بَلْ هِو ضَمانة نَزاهَةِ العَمَلِيَّةِ وَتَكافُؤِ الفُرَصِ بَيْنَ المُتَنافِسينَ/ات.
إِجْراءُ الاِنْتِخاباتِ فِي مَوْعِدِها الدُّسْتُورِيِّ يُعَدُّ مُؤَشِّرًا حاسِمًا عَلى سَلامَةِ الدَّوْرَةِ السِّياسِيَّةِ. فَهُوَ يَعْكِسُ قُدْرَةَ الدَّوْلَةِ عَلى الاِلْتِزامِ بِتَعَهُّداتِها أَمامَ ناسِها، وَعَلى إِدارَةِ الخِلافاتِ ضِمْنَ أُطُرٍ مَشْروعَةٍ. وَأَيُّ تَأْجيلٍ غَيْرِ مُبَرَّرٍ أَوْ تَعْطيلٍ مُقَنَّعٍ يُعَدُّ تَراجُعًا عَنْ مَبْدَإِ تَداوُلِ السُّلْطَةِ، وَمُؤَشِّرًا سَلْبِيًّا على كلّ المستويات.
إِنَّ المُومنتوم القائِمَ اليَوْمَ لِلدَّفْعِ بِاتِّجاهِ تَذْليلِ العَقَباتِ أَمامَ إِجْراءِ الاِنْتِخاباتِ يَجِبُ أَنْ يُدْعَمَ بِمَوْقِفٍ وَطَنِيٍّ واضِحٍ. فَهُوَ لا يُمَثِّلُ خِيارًا سِياسِيًّا ضَيِّقًا، بَلْ يُجَسِّدُ حِرْصًا عَلى إِعادَةِ الاِنْتِظامِ إِلى مَسارِهِ الطَّبيعيِّ. وَدَعْمُهُ يَعْنِي دَعْمَ فِكْرَةِ الدَّوْلَةِ نَفْسِها، لا دَعْمَ فَريقٍ عَلى حِسابِ آخَرَ. على أنّ هَذِهِ الاِنْتِخاباتُ تتبدّى فُرْصَةً ذَهَبِيَّةً لِإِعادَةِ تَشْكيلِ تَوازُناتٍ جَديدَةٍ سِيادِيَّةٍ إِصْلاحِيَّةٍ. مِنْ خِلالِها يُمْكِنُ إِعَادَةُ تَعْزيزِ رُوحِ اتِّفاقِ الطّائِفِ فِي بُعْدِهِ الدُّسْتُورِيِّ، وَدَفْعُ مَسارِ بِنَاءِ دَوْلَةِ المُواطَنَةِ الَّتِي تُقَدِّمُ الحُقوقَ وَالوَاجِباتِ عَلى مَنْطِقِ المُحاصَصَةِ. التَّجْديدُ السِّياسِيُّ عَبْرَ صُنْدوقِ الاِقْتِراعِ يُمْكِنُ أَنْ يُنْتِجَ نُخَبًا أَكْثَرَ التِزامًا بِالسِّيادَةِ وَالإِصْلاحِ، وَأَقْدَرَ عَلى تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّةِ التَّحَوُّلِ.
قِماشةُ نِساءِ وَرِجالِ الدَّوْلَةِ هِيَ فِي النِّهايَةِ اِخْتِبارُ الصِّدْقِ مَعَ النَّفْسِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ اِخْتِبارًا أَمامَ الرَّأْيِ العَامِّ. هِيَ القُدْرَةُ عَلى رَفْضِ التَّمْييعِ، وَمُواجَهَةِ التَّكاذُبِ، وَالتَّمَسُّكِ بِحُرْمَةِ الدُّسْتورِ كَمَرْجِعِيَّةٍ نَهائِيَّةٍ. وَإِذا أُرِيدَ لِعامِ 2026 أَنْ يَكُونَ مِفْصَلًا تَأْسِيسِيًّا فِي مَسارِ السِّيادَةِ وَالإِصْلاحِ، فَإِنَّ الطَّريقَ يَبْدَأُ بِاحْتِرامِ المَوْعِدِ، وَتَفْعيلِ الرِّقابَةِ، وَقَطْعِ كُلِّ سَبيلٍ أَمامَ أَيِّ مُخالَفَةٍ. عِنْدَها فَقَطْ تَسْتَعيدُ الدَّوْلَةُ قِماشتَها الأَصيلَةَ، وَيَثْبُتُ أَنَّ نِسائِها وَرِجالَها عَلَى قَدْرِ الأَمانَةِ التّاريخية في مسار بناء الدولة.




