جلسة "وُعود ومواعيد" غامضة.. بخطة الجيش والرواتب والانتخابات

مانشيت - المدنالاثنين 2026/02/16
Image-1764924998
أكد سلام أن مصير الاستشارات يعود إلى مجلس النواب ليقرره. (القصر الجمهوري)
حجم الخط
مشاركة عبر

اختتمت الجلسة الماراتونيّة لمجلس الوزراء، التي دامت نحو ثماني ساعات، بوصفها واحدةً من أكثر جلسات الحكومة حسّاسيّةً منذ تشكيلها، بعدما ازدحمت على طاولتها ملفّات الأمن والسّياسة والاقتصاد، في ما وصفتْه أوساطٌ حكوميّةٌ بأنّه "جلسة كلّ الاستحقاقات دفعةً واحدة". ويمكن الاستنتاج أن مجلس الوزراء مرّ بكل المسائل العالقة بطريقة توحي بأنه عالجها، لكنه في الواقع مرّ عليها جزئياً ومن دون حلول جذرية، وأعطى كميات هائلة من الوعود والمواعيد التي لا أفق حقيقياً لها.

 

قبيل العاشرة مساءً، خرج وزير الإعلام بول مرقص معلنًا مقرّرات المجلس في ملفّ الرواتب "السّاخن جدًّا"، حيث حاولت الحكومة تقديم جزءٍ من مطالب القطاع العامّ والعسكريّين، مع وعدٍ بدراسة بقيّة البنود، بالتوازي مع إجراءاتٍ ضريبيّةٍ أثارت أسئلةً حول إمكانيّة تجدّد الحراك الاحتجاجيّ في الشارع، وفق ما أوحت به بعض الأوساط النّقابيّة، قبل أن يعود مرقص لمتابعة الجلسة.

وبعد نحو ساعةٍ، عاد مرقص إثر انتهاء الاجتماع ليعلن الحزمة النهائيّة للمقرّرات، وفي محاولةٍ لتطويق الاعتراضات، أكّد أنّ مجلس الوزراء شدّد على ضرورة تحسين الجباية، والنّظر في ملفّات الأملاك البحريّة وسواها ممّا يمكن أن يدخل إيراداتٍ إضافيّة.

سياسيًّا، قال دولة الرّئيس نوّاف سلام إنّها الجلسة الأولى بعد الزيارة التي قام بها إلى الجنوب، مشيرًا إلى أنّه تعمّد ربط أيّ زيارةٍ هناك بإقرار قرض البنك الدّوليّ في مجلس النّوّاب "كي لا تكون الزيارة مجرّد وعود"، بل مدخلًا لمباشرة مشاريع محدّدةٍ تتّصل بالبنى التحتيّة وغيرها. وشدّد على أنّ بسط سلطة الدّولة وسيادتها لا يعني انتشار الجيش والقوى الأمنيّة فحسب، بل عودة المؤسّسات وإعادة الإعمار للمدارس والمستشفيات وقطاع الاتّصالات والطّرق، مؤكّدًا أنّ الزيارة ليست موسميّةً، وأنّ المتابعة الأسبوعيّة انطلقت لمعرفة أين وصل كلّ مشروعٍ وما الذي تحقّق من مراحل التنفيذ.

وفي الشأن الانتخابيّ، عرضت نتيجة الاستشارة المتعلّقة بالدّائرة السّادسة عشرة، فيما أكّد سلام أنّ مصيرها يعود إلى مجلس النّوّاب ليقرّره، مع تثبيت إجراء الانتخابات النّيابيّة في موعدها.

حياتيًّا واجتماعيًّا، طغت مأساة طرابلس على جانبٍ أساسيّ من النّقاشات، في ظلّ انهيار مبنى أو أبنيةٍ وسقوط ضحايا وجرحى. وأوضح سلام أنّ الحكومة تحرّكت فورًا عبر قراراتٍ عاجلة، أبرزها إخلاء الأبنية التي تشكّل خطرًا بصورةٍ تدريجيّة خلال مهلةٍ لا تتجاوز شهرًا، وقد بلغ عددها نحو عشرين بنايةً من أصل مئةٍ وأربع عشرة، إلى جانب التّدعيم الفوريّ لما يمكن تدعيمه، وهدم ما يجب هدمه. وأكّد تأمين أماكن إيواءٍ مؤقّتةٍ فورًا، وبدء هيئة الإغاثة تقديم بدل الإيواء لمن لا يرغب بالانتقال إلى المدرسة الفندقيّة أو سواها، فيما واكبت وزيرة الشؤون الاجتماعيّة الملفّ عبر برنامج "أمان"، وواكب وزير الصّحّة تأمين التّغطية لمن تمّ إخلاؤهم. كذلك كلّف مجلس الإنماء والإعمار معالجة مسائل في البنى التحتيّة من مياهٍ ومجارير تهدّد منطقةً بأسرها، على أن يصدر تقريرٌ يوميّ عن وحدة إدارة الكوارث يتناول نقاط المتابعة وما أنجز.

وفي ملفّاتٍ إداريّةٍ وحيويّة، عيّن أعضاءٌ جددٌ لمجلس إدارة مؤسّسة كهرباء لبنان: واصف حنيني، نصيب نصر، جويل شكر، هلا بلّوز، علي برّو، سامر الحسنيّة. كما جرى تعيين القاضي وسيم أبو سعد رئيسًا للغرفة لدى ديوان المحاسبة. وفي ما يخصّ الجامعة اللّبنانيّة، أخذ العلم بالتقدّم المحرز في دراسة ملفّ التفرّغ، وتقرّر إنجازه على أربع دفعات وفق معايير الأقدميّة والحاجات والكفاءة ومقتضيات الإنصاف، على أن يعتمد المبلغ المرصود اعتبارًا من الأوّل من أيلول 2024، وأن تعود وزيرة التّربية بجداول الأسماء في الجلسة أو الجلسات القريبة المقبلة.

وكانت الجلسة قد عقدت في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، وسط ترقّبٍ للقرار الذي سيصدر عن المجلس في ما يخصّ تطبيق خطّة الجيش اللّبنانيّ لحصر السّلاح، والصّيغة التي سيصدر بها هذا القرار، إضافةً إلى ما قد تقرّه الجلسة في ملفّ رواتب العاملين في القطاع العامّ. وسبق الجلسة خلوةٌ جمعت رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة نوّاف سلام.

وفي هذا السّياق، علمت "المدن" أنّ مجلس الوزراء يتّجه إلى إقرار خطّة حصر السّلاح من دون تحديد مهلةٍ زمنيّة ولا بقعةٍ جغرافيّةٍ محدّدة، بحيث لا يحصر النقاش بشمال اللّيطانيّ، بل يتّسع العنوان إلى حصر السّلاح على امتداد الأراضي اللّبنانيّة.

 

مواقف الوزراء

بموازاة ذلك، أعلن وزير الدّاخليّة والبلديّات أحمد الحجّار، في تصريحٍ أدلى به قبيل الجلسة، أنّ "قطار الانتخابات انطلق وفقًا للقانون الحاليّ، ولا شيء يوقفه سوى إجراءٍ يتّخذ في المجلس النّيابيّ"، مشدّدًا على أنّ "الهدف الأساسيّ هو إجراء الانتخابات في موعدها المحدّد". وأضاف: "لا أحد يريد الخلاف، وقد رفعت الاستشارة إلى الأمانة العامّة لمجلس الوزراء ليبنى على الشّيء مقتضاه"، مشيرًا إلى أنّ "الاستشارة غير ملزمة، لكنّ عدم تطبيقها يتطلّب تعليلًا رسميًّا بحسب إحدى موادّ تنظيم العمل في وزارة العدل". ولفت إلى أنّه "ننتظر ما إذا سيطرح ملفّ الانتخابات وقرار هيئة التّشريع اليوم على طاولة مجلس الوزراء من خارج جدول الأعمال".

من جهته، قال وزير العدل عادل نصّار، ردًّا على إمكانيّة انسحابه من الجلسة في حال لم يتمّ تحديد مهلةٍ للمرحلة الثّانية: "سنرى عرض خطّة الجيش أوّلًا".

بدوره، أعلن وزير الصّناعة جو عيسى الخوري أنّه سيعترض على "الزيادات غير المدروسة"، متسائلًا: "شو منكون عملنا إذا موّلنا الرواتب من خلال فرض ضرائب إضافيّة على العسكريّين؟". وطالب بإجراء دراسةٍ مفصّلة تتيح زيادة الرواتب تدريجيًّا، على أن يكون مصدر التّمويل من إيرادات الدّولة التي يفترض أن تتحسّن مع الإصلاحات الأخيرة، ولا سيّما في الجمارك.

وفي موازاة ذلك، استقبل وزير الدّفاع الوطنيّ اللّواء ميشال منسّى، في مكتبه في اليرزة، وزير الدّاخليّة والبلديّات العميد أحمد الحجّار، ونائب حاكم مصرف لبنان الدّكتور مكرم بو نصّار، إلى جانب النّائب السّابق شامل روكز، والعميد المتقاعد بسّام ياسين، وعددًا من الضبّاط المختصّين بالشّؤون الماليّة والإداريّة المرتبطة برواتب العسكريّين. وهدف الاجتماع إلى بلورة المقترحات وصياغتها بشكلٍ نهائيّ تمهيدًا لعرضها على مجلس الوزراء، بما يضمن مقاربةً متكاملة تراعي الأوضاع المعيشيّة للعسكريّين من جهة، والاعتبارات الماليّة للدّولة من جهةٍ أخرى، مع عرضٍ تقنيّ للأرقام والتّقديرات الماليّة المرتبطة بكلّ خيارٍ مطروح.

 

رسائل "حزب الله" وسجال "حصر السّلاح"

في المقابل، وجّه الأمين العامّ لـ"حزب الله" نعيم قاسم رسائل مباشرةً إلى الدّولة اللّبنانيّة، داعيًا إلى وقف أيّ تحرّكٍ عنوانه "حصر السّلاح"، ومعتبرًا أنّ تركيز الحكومة على مسألة "نزع السّلاح" يشكّل، وفق تعبيره، "خطيئةً كبرى" تبدّل أولويّات المواجهة. وفي الوقت نفسه، حمّل أداء الحكومة جزءًا من مسؤوليّة "طمع العدوّ" بالاستمرار، متّهمًا إيّاها بتقديم "تنازلات" و"استجاباتٍ متتالية للضّغوطات"، مؤكّدًا أنّ الحزب "ليس مع التّنازلات المجّانيّة"، وأنّ "هذه الحالة لا يمكن أن تستمرّ"، تاركًا مسار التحوّل للميدان بقوله إنّه سيترك "للوقائع أن تروي الحكاية".

داخليًّا أيضًا، شدّد قاسم على أنّ الحزب "لا يريد الحرب ولا يسعى إليها"، لكنّه "لن يستسلم"، وهو "حاضرٌ للدّفاع"، ملوّحًا بإمكان الردّ وإيلام الخصم "عندما يحين الوقت"، في محاولةٍ لتثبيت معادلة ردعٍ من دون الذهاب إلى إعلان مواجهةٍ مفتوحة. وإذ أكّد أنّ مسؤوليّة الدّفاع عن الوطن "مسؤوليّة الجميع"، طرح مقاربته لعلاقة المقاومة بالدّولة على قاعدة "الوحدة الوطنيّة" ورفض الفتنة، مع الدعوة إلى "تمكين الجيش اللّبنانيّ" ضمن "استراتيجيّة الأمن الوطنيّ" تستفيد من "قوّة المقاومة"، رابطًا ذلك بأولويّة السّيادة والتّحرير، وبسجالٍ داخليّ يطال، برأيه، سؤالًا محوريًّا: لماذا ينتقد سلاح المقاومة بدل تركيز الانتقاد على العدوان؟

 

هكذا خرجت جلسة مجلسِ الوزراء بعد ثماني ساعات إلى معادلةٍ مزدوجة: تسويةٌ ماليّةٌ حاولتْ امتصاص الصّدمة، وسجالٌ سياديٌّ مفتوحٌ على عنوان "حصر السّلاح" بما يضع الحكومة أمام اختبارِ القدرة على ترجمةِ الشّعارات إلى قراراتٍ قابلةٍ للتّنفيذ. غير أنّ المقرّرات لم تطفِئ الغضب؛ فبعد الجلسة بدأتْ حركاتٌ احتجاجيّةٌ في مناطق لبنانيّةٍ عدّة، ومنها زحلة، بالتوازي مع اعتراضاتِ القطاعِ العامّ وتلويحِه بالإضراب، في إشارةٍ واضحةٍ إلى أنّ ما قدِّم لا يزال، في نظرِ المعنيّين، أقلّ من كلفةِ الانهيار. وبين وعدِ الإصلاحات لتحسينِ الإيرادات، والتزامِ الانتخاباتِ في موعدِها، وجرحِ طرابلس الذي يفضح هشاشة الدّولة في ملفّاتِ السلامة والإنقاذ، تبدو الحكومة كمن يمشي على حبلٍ مشدود: أيّ خطوةٍ ناقصةٍ قد تعيد تفجير التوازنات.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث