الفساد في لبنان: إشكالية إدراك الجريمة دون قاتل

مروان حربالاثنين 2026/02/16
Image-1771149678
تطبيع ممنهج للكارثة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لبنان، الموت لا يأتي دائماً بصوت طلقة أو دوي انفجار. أحياناً يأتي صامتاً، مُخبّأً في رخصة بناء مزوّرة، في عقد صيانة لم يُنفّذ، في دواء لم يصل. يأتي في اللحظة التي ينهار فيها مبنى على سكّانه، حين ينفجر مرفأ فيمحو قلب مدينة، حين تنحرف سيارة على طريق متآكل، حين يلفظ مريض أنفاسه الأخيرة لأن العلاج صار امتيازاً. ننعى الضحايا ثم نمضي. لكننا نادراً ما نسأل السؤال الأكثر إزعاجاً: لماذا لا نرى الفساد على حقيقته؟ لماذا لا نربطه مباشرة بالموت الذي يتكرر أمام أعيننا؟ لماذا نفصل بين الجريمة ونتائجها؟

 

الفساد في لبنان ليس حدثاً طارئاً يمكن عزله وعلاجه. إنه بنية. وحين تستقرّ البنية وتدوم، تتحوّل إلى ما يشبه الطبيعة - شيء نعيش معه ولا نراه، كالهواء الذي نتنفسه. ما هو دائم يصبح غير مرئي. هكذا يتحوّل الموت الناتج عن الفساد إلى حدث منفصل عن سببه، كأن المسافة بين القرار السياسي والنعش مسافة كونية لا يمكن ردمها. لكن الحقيقة أن هذه المسافة مرسومة بدقّة، وخيوطها واضحة لمن يريد أن يتتبعها: رخصة بناء تُمنح لمبنى غير مطابق للمواصفات، من دون رقابة حقيقية. مناقصة صيانة تُقسّم وفق المحاصصة الطائفية، لا وفق الكفاءة. ميزانية تُستنزف في شبكة زبائنية ضخمة تكافئ الولاء لا الإنجاز. تحقيق يُعطّل لأن المساءلة تهدد توازن القوى الهش. ثم، بعد سنوات، يسقط المبنى. يموت المريض. ينفجر المرفأ. تنحرف السيارة. يظهر الموت في نهاية السلسلة، فيما يختفي الفساد في بدايتها.

 

العنف البنيوي: القتل من دون قاتل

المشكلة في الموت الذي ينتجه الفساد أنه بطيء، تراكمي، وشبه مستحيل على الرصد. لا أحد يموت مباشرة "بسبب الفساد" على شهادة الوفاة. بل يموت "بسبب مرض"، أو "حادث سير"، أو "انهيار مبنى". الفساد يتستّر خلف السبب المباشر، ويصعب على العقل الجماعي أن يمسك الخيط الرفيع الذي يربط النتيجة بالبنية الأعمق. هذا بالضبط ما وصفه عالم الاجتماع النروجي يوهان غالتونغ بـ"العنف البنيوي"، حين تكون المؤسسات نفسها، بطريقة تصميمها وعملها، منتجة للموت من دون أن يصدر قرار مباشر بالقتل. لا قاتل بوجه واضح، لا سلاح ظاهر، لا لحظة جريمة يمكن تحديدها على الساعة. فقط نظام: مؤسسات فاشلة، رقابة غائبة، قوانين معطّلة... كلها تتضافر لتنتج الموت كنتيجة متوقعة، بل حتمية. وحين يكون القاتل بنيوياً، غير قابل للإمساك أو التحديد، يستحيل على الوعي الفردي أن يحاكمه، بل حتى أن يسميه.

لكن هناك ما هو أعمق من مجرد صعوبة الرؤية. هناك تطبيع ممنهج للكارثة. الفساد في لبنان ليس استثناءً، بل قاعدة. وحين يتحوّل الشاذّ إلى عاديّ، يفقد الإنسان قدرته الأساسية على إدراك الخطر. اللبناني لا يرى الفساد قاتلاً لسبب بسيط: لأنه يراه في كل مكان. وحين يصبح كل شيء ملوّثاً، تتلاشى القدرة على تمييز السمّ. الخطر المألوف يتوقف عن كونه خطراً في الوعي الجماعي. يصبح معطى، جزءاً من المشهد اليومي، مثل الزحمة أو انقطاع الكهرباء. نشكو منه، لكننا لا نتصوّر حياة من دونه.

 

وهم النجاة الفردية

ثم هناك العقلية الفردانية التي طوّرها اللبناني كآلية دفاع وبقاء في مجتمع الأزمات المزمنة. اللبناني لا ينكر وجود الخطر، بل هو واعٍ له تماماً. لكنه يعتقد، في قرارة نفسه، أنه قادر على التحايل عليه، على المناورة، على النجاة بينما يغرق الآخرون. "إذا غرقت الباخرة، سأكون أنا الناجي الوحيد." هذه العقلية تمنع تشكّل وعي جماعي بأن الفساد يهدد الجميع من دون استثناء. كل فرد يرى نفسه خارج المعادلة، أذكى من النظام، قادراً على تجاوز القواعد التي تسحق الآخرين. وهكذا، بدلاً من مواجهة النظام الفاسد، يصبح الجميع متواطئين معه، كلٌّ بحسب قدرته على المناورة.

الموظف الذي يقبل "إكرامية" لتسريع معاملة. المواطن الذي "يدفع" ليتجاوز الطابور. التاجر الذي يخزّن السلع انتظاراً لارتفاع السعر. السائق الذي يرشو شرطي المرور. كلهم جزء من المنظومة. وحين يكون الجميع متورطين، بدرجات متفاوتة، يصعب على أي أحد أن يرى نفسه ضحية. بل يرى نفسه لاعباً ماهراً في لعبة الجميع يلعبها.

المباني لا تنهار فجأة. الطرقات لا تتفكك في ليلة واحدة. المستشفيات لا تفقد أدويتها صدفة. كل هذا يحدث ببطء، على مدى سنوات، عبر القرارات الصغيرة المتراكمة، كل منها "غير قاتل" بمفرده. لكن مجموعها يشكّل آلة قتل منظّمة. الفساد هنا ليس مجرد سوء إدارة أو انحراف أخلاقي. إنه شكل من أشكال "الإعدام الاجتماعي" الصامت، قتل ممنهج، بطيء، لكن أكيد.

 

رؤية القاتل

أن نرى الفساد كقاتل يعني أن نتوقف عن التعامل معه كقدر محتوم، أو كملف إصلاحي مؤجل إلى أجل غير مسمّى. يعني أن نتوقف عن المساومة على الجريمة باسم "الاستقرار" أو "الواقعية السياسية". يعني أن نسمّيه باسمه الحقيقي: عنف منظّم، ينتج الخراب والموت كما تنتج المصانع سلعها، بانتظام، بكفاءة، بلا توقف. المشكلة ليست في أننا لا نرى الجثث. المشكلة في أننا لا نرى الخيط الذي يربط الجثة بالقرار، النعش بالتوقيع، الموت بالنظام. وما دام قد بقي هذا الخيط خفياً، أو ما دمنا اخترنا ألا نراه، سيستمر الفساد في القتل، ببطء، بصمت، من دون عقاب. لأن أخطر أنواع القتل هو ذاك الذي لا يبدو قتلاً.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث