ليس "لبنان الكبير" في الوجدان التقدمي الاشتراكي مجرد خريطة رُسمت في لحظة انتداب، بل هو عقد اجتماعي وميثاق بقاء. وحين يرفع الحزب هذا الشعار بالتزامن مع استحضار محطات نضالية كذكرى تحرير الشحار في الـ1984، فهو لا يمارس فصاماً سياسياً، بل يقدم نموذجاً واقعياً لكيفية بناء الدولة من رحم "الجماعات" دون إلغاء لأي منهما.
يروّج البعض لفكرة واهمة مفادها أن الاستقرار يتطلب "ألزهايمر سياسياً". الحقيقة المنطقية وبحسب سيكولوجيا الذاكرة، إن المصالحة الحقيقية لا تقوم على أنقاض الذاكرة، بل على تقديم البطولة كضمانة للسلم. إن إحياء ذكرى الشحار بسنته ال 42 ليس نبشاً للقبور، بل هو تأكيد على أن الجبل الذي حمى وجوده في الأمس بصلابة، هو نفسه الجبل الذي يحمي صيغة العيش المشترك اليوم بوعي. إنها رسالة مفادها أن الشراكة مع الآخر ليست ناتجة عن ضعف، بل عن خيار استراتيجي من موقع القوة. فلبنان الكبير لا يحميه الضعفاء الخائفون من تاريخهم، بل الأقوياء المتصالحون مع جروحهم.
يتحدث الناقدون عن "الارتماء" في المحيط الإسلامي كخيار انتحاري، بينما يثبت التاريخ أنه الخيار السيادي الوحيد. فالعروبة الجيوسياسية تحفظ تجاوز عقد الأقلية والعبقرية الجنبلاطية أدركت باكراً أن انغلاق الأقليات على نفسها يحولها إلى "غيتوات" وظيفية تخدم مشاريع التقسيم الإقليمية. انخراط الحزب في الفضاء العربي هو الذي منح الدروز دوراً يتجاوز حجمهم الديمغرافي ليصبحوا جسر عبور بين الطوائف اللبنانية وعمقها الاستراتيجي. هذا ليس "خوفاً من الذوبان"، بل هو اقتدار سياسي الذي جعل من المختارة رقماً صعباً في معادلة الشرق الأوسط، ومدافعاً أول عن هوية لبنان "العربية" التي أقرتها وثيقة الوفاق الوطني - اتفاق الطائف ببند المبادئ العامة.
محاولة حصر التقدمي الإشتراكي في نمط نفسي متوارث هي قراءة سطحية تتجاهل ديناميكية التطور. إذا كان وليد جنبلاط قد خاض معارك الوجود والتثبيت الجغرافي، فإن قيادة تيمور جنبلاط، تنقل الجماعة نحو حداثة سياسية ترتكز على المؤسسات، والعدالة الاجتماعية، والمدنية، قيادة وليد وتيموى جنبلاط تمارس "تصفير المشاكل" والانفتاح حتى على الخصوم، وهو ما يناقض تهمة "التعبئة الغرائزية" وأكبر دليل الغاء احياء ذكرى استشهاد المعلم كمال جنبلاط بعد سقوط النظام السوري. هذا الانتقال ليس تنكراً للإرث، بل هو استجابة لمتطلبات "لبنان الكبير" في نسخته الجديدة: وطن المواطنة لا وطن المتاريس. إن الذكاء السياسي هنا ليس رهاناً خاسراً، بل هو "رادار" يلتقط التحولات الدولية ليجنب الجبل ولبنان دفع أثمان الصراعات الكبرى.
إن الهوية الجامعة التي يطرحها الحزب التقدمي الاشتراكي هي دعوة لرفض الذاكرة الإقصائية التي تحاول فرض رواية واحدة للمنتصر، ورفض الإنعزال في الهوية الذي يتوهم الحماية عبر المحاور العابرة للحدود على حساب الوطن، هي دعوة للدولة العادلة التي تعترف بخصوصية مكوناتها، لكنها تصهرهم في بوتقة المواطنة.
إن احياء ذكرى تحرير الشحار يُترجم شعار "لبنان الكبير" فالمصالحة كمصالحة الجبل ليست محوا للذاكرة ولا تعني الغاء الأحداث بل تجاوزها للمستقبل، وخطاب تيمور جنبلاط اليوم هو خير دليل.
لبنان الكبير لا يُحمى بالهروب من التاريخ، بل بتأطيره. والحزب التقدمي الاشتراكي، بتموضعه بين إرث النضال وأفق الدولة، يثبت أنه ليس مجرد طرف في النسيج اللبناني، بل هو خياط هذا النسيج الذي يمنعه من التمزق عند كل مفترق إقليمي. نعم للبنان الكبير، وطناً نهائياً، عروبياً، وسيداً، تحميه ذاكرة الجبل وتديره بوصلة المختارة بعقولها.
