نحن وإيران: سياسة اليد الممدودة

أحمد جابرالسبت 2026/02/14
إيران طهران
يدير الإيراني معركته وفق معادلة "إذا لم يكن ما تريد أرِد ما يكون" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

نحن وإيران. المضاف "نحن" جَمْعٌ فيه الوطني المحليّ، وفيه العربي، محيطاً وخليجاً. المضاف إليه، فيه الإيراني الدولتي والشعبي والسياسي. وعليه، نحن وإيران جملة "تامّة"، وتمامها التواصل المتبادل، وجملة "ناقصة"، ونقصانها تأتى من صناعة العداء والكراهية التي تنامت خلال عقود زمنيّة خاليّة.

 

نحن وإيران. هي جملة اللحظة الراهنة، مثلما كانت واستمرّت جملة اللحظات السابقة. قراءة الجملة الآنية تخالطها "أدبيّات" عالمية، قوامها التهديد بالحرب في سياق جولاتٍ من المفاوضات، وعقباتها الكأداء، مسائل التفاوض المدرجة على صفحات الأميركي من جهة والإيراني من جهة أخرى. وسط قرع طبول الحرب، وعلى أبواب الأمنيات، تقف نظرات سياسية تحمل رغبات أصحابها، وفي معرض ارتفاع رؤوس الرغبات والنوايا، تنخفض هامات الأصوات التي تدعو إلى الحسابات العقلانية، وإلى اجتناب ما لا يلزم، من أعمال حربية تدميرية.

على صفحات ذوي الرغبات، نقرأ دعواتٍ إلى الإطاحة بالنظام الإيراني، ونقرأ استعجالاً لاستخدام الآلة العسكرية ضدّه، ويطالعنا على الصفحات ذاتها تحذيراً وتنبيهاً من مناورة هذا النظام، ومن هروبه إلى مفاوضات شراء الوقت... مما يحمل مخاطر جمّة على عدم استغلال الفرصة السانحة من قِبَلِ الأميركي الذي صار "منقذاً" من الديكتاتورية ومن الظلامية.

 

تتغذّى رغبات "العجولين"، الغيارى وطنيّاً أو قوميّاً أو "عِرْقَيّاً"، من محنةٍ وطنية داخل أوطانهم، مثلما تعيش فطريّات سياساتهم الرغبوية أو التسلّطية أو التغلبيّة... على أدِيْمِ ودفءِ التدخّل الخارجي، سواءً كان من المحيط القريب أو كان من المحيط البعيد. ما يغيب عن بالِ هؤلاء "المستغيثين"، واقع أنهم "كالمستغيث من الرمضاء بالنار"، وأن من يتدخل يفعل ذلك لحساباته الخاصة، وأن ما يُدعى نجدة لمن "قَعَدَ بهم الدهر" ليس غير استخدامٍ أصواتِ الاستغاثة في المحافل التي تخدم سياساته، وليس غير تَوظيفٍ آنيّ أو مؤقت أو مرحليّ، في سياق ما يقتضيه الاستقرار السياسي للمتدخل، بين جموع من دخل إليهم فاتحاً، ينطق "ببشارة" نبيّ تحريريٍّ أو تحرّريّ أو ديمقراطيّ...

على السويّة الرغبويّة ذاتها، نقرأ في فصل مؤازرة النظام في إيران طَلَب معركة عسكرية لإثبات الذات، ولتأكيد الانتصارية الملازمة لكل مواجهة تكون إيران طرفاً فيها، ولترسيخ "اليقينية الغيبيّة" التي تجعل من كل فئة مقاتلة تحت الراية الإيرانية "فئة قليلة تغلب" غيرها من سائر الفئات، سواءً كان اسمها "الصهيوني"، أو كان اسمها "الاستكبار العالمي"، أو كان اسمها الداعشي الذي يشحذ سكاكينه المذهبية على الحدود أو خلف الحدود.

الرغبويّة المناصرة والمنتصرة، ترعاها المرجعيّة الإيرانية، وفق إدارة هادئة مستدامة. تثق المرجعيّة "بمقلديها"، مثلما تقف على بيّنةٍ من التلقّي المباشر لجمهورها، وعلى بيِّنةٍ من تسليم العامّة من الأشياع والأتباع، بما يتلقّونه، تتبادل "القيادة والقاعدة"، في الحالة الإيرانية التبشير والحماية، وتتبادل الهجوم والدفاع، لذلك، ولأسباب بنيوية إضافية، يدير الإيراني معركة التفاوض وهو مطمئن إلى "فضائه" الغيبي والدنيوي، وهذا ينعكس هدوءً في تقليب صفحات المصالح، وهدوءً في نبرة الإدلاء بحيثيّات كل مصلحة، وفي نبرة الدفاع عنها.

بعيداً من الجمهورين، وقريباً من الحسابات الرسمية الدولتية، ما الأبرز الذي يمكن تخمينه في هذه الأيام من المواجهة لدى السياسي الأميركي والسياسي الإيراني؟

 

إذا أخذنا بمصطلح الدولة العميقة الأميركية، وَجَب القول إن ما تقوم به الإدارة السياسية الأميركية المباشرة، بقيادة رئيسها دونالد ترمب، هي حصيلة حسابات عميقة استراتيجية ومباشرة، في سياق زمني مستدام، مرجعيته تلك الدولة الموسومة بالعمق. عليه، لا يفيد التخمين العجول عندما يتعلق الأمر برصد مسار الأحداث، أو عندما يعطي المسار الرصدي وجهة أحادية تتلخص في مواجهة مؤكدة أو في استبعاد مؤكد لهذه المواجهة.

الحقيقة التي يجب ألاّ تغيب، أثناء الرصد التتبّعي وبعده، هي رصد حصيلة الأمر في حالة المواجهة إن حصلت، وما آثارها، ورصد الحصيلة أيضاً، في حالة استبعاد المواجهة، وما آثارها. سيكون من المطلوب من كل رصد موضوعي، أن يحمل كلاماً موضوعيّاً حقيقيّاً بعيداً من كل رغبة، عن الآثار الناجمة بعد أن تضع المواجهة آثارها، سلماً أم حرباً. لماذا التشديد على الموضوعية؟ هذا لأن الحصيلة ستحمل معنى ميزان قوى جديد، وستُظْهِرُ للعَيَان حقيقة اختلال ميزان القوى في صالح الأقوى، من دون إلغاء كامل لما يعتبره الخصم من مصالحه التي لا يمكنه التنازل عنها، لسبب وجودي، سياسي، أو لأسباب مجتمعية داخلية ملموسة ومعروفة.

 

استعراض الأسلوبين التفاوضيين، الأميركي والإيراني، يشدّ النظر إلى الحصيلة الأخيرة، أيّاً كان سبيل الوصول إليها، والأداء من قبل رعاة الأسلوبين، يسمح بردّ كل منهما إلى بعض من النظرات الاستراتيجية السابقة، التي دعا إليها بعض منظّري الاستراتيجية. في هذا السياق، يدير الأميركي معركته حتى الآن، مستلهماً معنى مقولتين، أولاهما: التلويح بالقوة خيرٌ من استخدامها، والثانية ليست الغاية هزيمة العدو في ميدان القتال، بل الغاية كسر إرادة العدو في القتال. هزيمة الإرادة تمنع حصول معركة الميدان. بناءً عليه، يمكن فهم كل عملية الحشد العسكري الأميركي في المحيطات، ويمكن فهم كل إجراءات الحصار الاقتصادي التي يفرضها، ويمكن فهم وظيفة لغة التهديد والتشدّد التي ما زالت تواكب سير العملية التفاوضية.

من جهته يدير الإيراني معركته وفق معادلة "إذا لم يكنْ ما تريد أرِدْ ما يكون". اعتماد هذه المعادلة ليست استنساباً عشوائيّاً، بل حصيلة قراءة في دفتر الخصم، وحصيلة تقدير للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه أعماله في حال المواجهة. الخصم، وحسب قراءة عقلانية، يريد الوصول إلى أهداف ليس من بينها، حتى اللحظة، تغيير النظام. هذا يفتح الباب على مفاوضات يرتاح أهلها إلى مصيرهم الوجودي، لذلك، يتقدم الأهمّ وهو النظام، على المهم، وهو كل ما عدا ذلك، في جعبة كل "ما عدا ذلك" يدور التفاوض حول بعض "المسمّيات" التي لا يمكن للنظام أن يتخلّى عنها، لسبب أساسي هو تأثيرها المباشر على استمرارية وجوده. هل يسمح الأميركي بإبقاء بصيص الضوء منساباً، ما دامت مسألة "الوجود" غير مطروحة؟ تسمح المعطيات التي سبقت بجواب إيجابي، هذا لأن كل طرفٍ وصل إلى ما أراده، على اختلال واضح، لكن بلا إلغاء وجودي "مبين".

 

عودٌ إلى السؤال الافتتاحي: "نحن وإيران". المواجهة المفتوحة بين أميركا وإيران لها أبعادها الدولية والإقليمية والمحلية، الوطنية والعربية، لذلك، فإن إدارتها ليست شأناً يخص طرفي المواجهة فقط، ذلك أن نتائجها ستطال كل الأطراف. عودة إلى تعداد ملفّات التفاوض: الملفّ النووي، هذا أمر دولي قالت أوروبا رأيها فيه. الملف الصاروخي، هذا أمر قالت كل من أوروبا وإسرائيل رأيها فيه.

ملف "الأذرع" الإيرانية، هذا ملفٌ خاص بالعرب عموماً، وبعدد من البلاد العربية حيث تتواجد هذه الأذرع. لكن هؤلاء لم يقولوا آرائهم في هذا الملف الحساس، في الوقت الذي تدرجه إسرائيل في عداد مطالبها الأمنية. عليه، من واجب العرب ومن واجب دول الأذرع، أن تلحّ على فكّ شيفرة هذا الملف، حتى لا تنتهي المفاوضات ثنائية وعلى حساب كل الآخرين.

في السياق، لقد بادر العرب إلى تحرّك سريع لمنع العملية العسكرية ضد إيران، أي أنهم مدّوا يد الحماية لها. على إيران أن تمد يد المصافحة لليد العربية، وأن تمدّ سياسة الشكر وحسن الجوار، إلى كل الجيران الذين رأوا في استقرار الجار الإيراني مصلحة مشتركة للجميع. هكذا، وفي امتداد المستقبل الآتي، يصير مأمولاً ومتاحاً، الوصول إلى سياسات مشتركة مفيدة، تجمع بين الجيران.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث