رفيق الحريري و"لبنان أولاً": عودٌ إلى سيرته الأولى

محمود وهبةالسبت 2026/02/14
GettyImages-52213150.jpg
أينَ مَن يجرؤ على أن يقول، بلا تردد وبلا مواربة، إن لبنان أولاً، سوى رفيق الحريري (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

الرابع عشر من شباط. من المعتاد أن يكون هذا النهار يوماً للبكاء أو للمواجهة السياسية ولإعادة الاصطفاف. لكن المختلف أن يتحوّل إلى يوم مراجعة وطنية سنوية، بعيداً من الاحتفالات والاستنفارات. في هذا اليوم وفي ظل المتغيّرات المحيطة بلبنان تغدو استعادة رفيق الحريري أكبر من قصة رجل واغتيال. تصيرُ رحلة بحثٍ عن فكرةٍ أُطلقت في الهواء اللبناني ولم تهبط بعد. بتعبير آخر تمرّ الذكرى هذه وكأنها امتحانٌ متجدّد: هل كان الرجل مشروع مرحلة عابرة، أم كان عنواناً لتحوّلٍ لم يكتمل؟ 

واحدٌ وعشرون عاماً. زمنٌ عابرٌ في عمر وطنٍ صغير. هي جيلٌ كاملٌ تقريباً. وفي رحلة هذا الجيل تبدّلت خرائط المنطقة، وسقطت وجوهٌ وأقنعة، وتهاوت كمّاشات سياسية وعسكريّة. الكماشة التي كانت تُطبق على الرَّجل- الحلم، ممثّلةً بثنائية معروفة لم تعُد كما كانت. الأول غابَ جسداً وبقيَ أثراً متنازعاً عليه، والثاني انكفأ نفوذاً بعد أن كان ظلّه ثقيلاً على بيروت. سقطت القبضة، وبقي الرّجل في محلِّه وبقيت فكرته عن البلد.

 

الطائفة الشريكة في سوقٍ وجامعةٍ ومطار

قد يكون من الجرأة القول إنّ فكرة رفيق الحريري هي التي انتصرت، لا الرجل. فالرجل اغتيل. أما الفكرة فاستمرّت تتسرّب في اللغة اليومية للبنانيين: الدولة أولاً، الاقتصاد أولاً، التعليم أولاً وإعادة الإعمار بوصفها فعلاً سياسياً أولاً. كلّ هذا في مواجهة العسكريتاريا التي حكمت الإقليم بعقيدة الخوف والسلاح. في وجه ذلك طرح رفيق الحريري معادلة مختلفة وبسيطة قوامُها الإنماء والتنمية والمدرسة والمنحة الجامعيّة، هذه الأدوات على بساطتها كانت أدوات رفيق الحريري في المواجهة وأدواته في السياسة وأسلحته في ساحات الصراع. 

يطلُّ قائلٌ من هنا وهناك ليقول إنّ رفيق الحريري لديه أخطاء. نعم، لم يكن مشروعه بريئاً من الأخطاء، ولا حتى معصوماً من الاختلافات. لكنّه في عمقه كان يسيرُ على درب واتجاه واضحين: الانتقال بهذا البلد من الحرب واقتصادها إلى حالة الحياة. تلك الدولة الخارجة على المتاريس ومنها أرادها رفيق الحريري دولة مفتوحة على الورش والأفكار والنقاش والتناقضات. ساهم الرجل في نقل البلد من فكرة الطائفة المتحصّنة حول نفسها إلى فكرة الطائفة الشريكة في سوقٍ وجامعةٍ ومطار. ربما لأنّه كان يعتقد أنّ المال يمكن أن يكون أداة سيادة، وأنّ بإمكان الإعمار أن يكون وحده شكلاً من أشكال المقاومة المدنية، وقد أصاب.

الناظر إلى المشهد اليوم، بعد كلِّ ما جرى، يراه بوضوح مفارقاً. أين العسكريتاريا التي وقفت سداً في وجه مشروع الحريري؟ انتهت إلى عزلتها الخانقة. كذلك خطابُ السِّلاح الذي ادّعى أنّه الوحيد القادر على حماية "الكيان اللبناني" نراه من بعيد تورَّط في حماية ذاته. في مقابل كلّ ذلك عاد اللبنانيون، على اختلاف مشاربهم وأهوائهم، إلى مفردات كانوا يظنون أنها سقطت من قاموسهم. استثمار، جامعة، مستشفى، بنى تحتية، سياحة، مصرف، ثقة الخ الخ. وكأنّ البلاد، بعد دورة طويلة من الإنكار والمغامرة، عادت تبحث في قاموسها الأول، الذي وللمصادفة هو قاموس رفيق الحريري.

 

مشروع وطني جامع

أمام هذا يغدو السؤال الأكثر إلحاحاً متمحوراً حول الفراغ الذي تركه الغياب. لا أحد منا يفكِّر أو يُعيرُ انتباهاً للخصوم الذين غابوا. السؤال يغدو من نوع آخر حول الإنماء في غياب رفيق الحريري؟ مَنْ يحملُ الفكرة بلا صاحبها؟ ومن الذي يجرؤ على القول إنّ بيروت تستحق أن تُبنى من جديد؟ 

في غياب رفيق الحريري اليوم، تبرز حاجة ملحّة لامتلاء سنيّ يتبعه امتلاء لبنانيّ. يغدو ذلك واجباً مضاعفاً في موازاة الامتلاء السني في الشام. امتلاءُ حضورٍ ودور. امتلاءٌ يقول ببساطة: لبنان أولاً. هذا الشِّعار الذي بدا في لحظةٍ ما استفزازاً للبعض، يتحوّل اليوم في الذكرى الحادية والعشرين إلى ضرورة بديهية. ربما لأنّ لبنان، حين لا يكون أولاً، يصبح ساحةً لآخرين. وهذا ما خبره اللبنانيون وعرفوه.

في الرابع عشر من شباط. نسأل عن الإنماء الذي لم يكن يوماً ترفاً لرفيق الحريري. كان شرطاً للبقاء ودعامة للعيش. مدينة رفيق الحريري بلا كهرباء وبلا نقلٍ عام، بلا جامعةٍ رسمية قوية، وبلا مستشفياتٍ قادرة. هكذا وبهذا المعنى، نتذكر الرجل المشروع السيادي بامتياز، حتى ولو ألبسهُ البعض ثوب الإسمنت والزجاج.

التحية في الرابع عشر من شباط. تكون على قدر الزمن الذي تبدَّل. الزمن الذي برمَ وصال وجال وعاد إلى فكرة الرجل الأولى. عادَ ليثبت لنا أنّ الحاجة إلى مشروع وطني جامع لم تتبدّل، ولعلّها اليوم غدت أشدّ إلحاحاً، وتستعاد كقيمة تلك الفكرة التي أطلقها الرجل: تعالوا نبدأ من جديد مهما كان ركام الحروب ثقيلاً. 

في ذكرى رفيق الحريري. نعرفُ أين هو. نعرفُ أيضاً مَنْ قَتَلَهُ. لكنه من الواجب علينا أن نسأل أين نحن من مشروعه؟ هل نكتفي بالحنين لرجل كبير؟ هل نترك بيروت مدينته معلّقة بين ماضٍ ممجّد وحاضرٍ مرتبك، أم نعيد لها جرأتها الأولى؟ لا ندري ولا جواب. في الرابع عشر من شباط، السؤال حاضر وباقٍ، باقٍ كجرحٍ مفتوح: أين الإنماء؟ وأينَ مَنْ يجرؤ على أن يقول، بلا تردّد وبلا مواربة، إنّ لبنان أولاً، سوى رفيق الحريري. 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث