جمهور "المستقبل" جمعته الساحة والذكرى.. وعاد بلا أجوبة حاسمة

بتول يزبكالسبت 2026/02/14
Image-1771081048
قرار العودة، بقي معلقًا.. إلى أن يقول موعد الانتخابات كلمته. (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

كما كلّ عامٍ منذ 2005، لم تَحُل الأمطار الغزيرة ولا زحمة السّير الخانقة دون نزول مناصري "تيّار المستقبل" إلى ساحة الشّهداء، إحياءً لذكرى استشهاد الرّئيس رفيق الحريري. بل إنّ ارتباك اليقين وتبدّل المزاج العامّ، وما يشبه الميلانكوليا السّياسيّة الّتي أصابت الشارع السّنّي في السنوات الأخيرة، لم تؤثّر هذا العام أيضًا على الفاعليّة التي حضّر لها الآلاف من محبّي الشهيد ومريدي ابنه "الغائب/العائد"؛ من حيث الحشود والتنظيم والأغاني والأهازيج التي حملت تعبيرًا واضحًا عن شوقٍ مكبوتٍ ورغبةٍ معلنة لدى كثيرين بعودة الرّئيس السّابق سعد الحريري، ومعه "تيّار المستقبل"، إلى مزاولة السّياسة اللّبنانيّة. فالساحة، بعيون المشاركين، ليست مجرّد محطة وفاء، بل مساحة اختبارٍ لميزان التمثيل، ورسالةٌ مباشرة بأنّ "الفقد السّنّي" الذي تتحدّث عنه القواعد الشعبيّة منذ غياب الحريري الابن لم يتحوّل استسلامًا.

وحين قال الحريري أمام مناصريه: "ما شاء الله، لستم قلّة"، لم يكن يبالغ. الآلاف أنفسهم حضروا في العام الماضي أيضًا، للوقوف عند خاطره، وقراءة الفاتحة عن روح والده، وإثبات أنّ للحريري جمهورًا و"سندًا وظهرًا" لا ينحني. وعلى هذا الإيقاع، تتكرّر الذكرى سنويًّا بوصفها كرنفالًا وطنيًّا لا بدّ من إقامته، وروتينًا سياسيًّا يتذبذب بين أملٍ بأن يقول سعد كلمته فيعلن العودة، وبين انتظارٍ لوعدٍ يرفع المعنويّات من دون أن تظهر بعد مؤشّراتٌ قاطعة على ترجمته. وكما السنة الماضية، عاد الحريري موقّتًا، وترك الباب أمام كلّ التكهّنات مواربًا، من دون جوابٍ قطعيٍّ وحاسم، بعد أربع سنواتٍ ونيّف من اعتكافه عن العمل السّياسيّ واختياره "منفىً طوعيًّا" خارج المشهد اليوميّ.

 

وقفةٌ سنويّة..

خلال الوقفة الرّمزيّة، افترش الحاضرون الأرض، فيما أحضر بعضهم مأكولاتٍ ووجباتٍ خفيفة. رقص الأطفال على وقع الأناشيد الحماسيّة وأغاني "تيّار المستقبل"، وبدا المشهد خليطًا بين ذكرى ثقيلة وبين محاولةٍ لإعادة الحياة إلى جمهورٍ اعتاد أن يقرأ السياسة بالشارع كما يقرأها بصناديق الاقتراع.

التحضير بدا واضحًا في نصب الصّور والأعلام: علم "التيّار" إلى جانب العلم اللّبنانيّ، فضلًا عن علم الاستقلال السّوريّ في بعض الزوايا، مع تجهيزاتٍ صوتيّةٍ رفعت الهتافات والأغاني فوق ضجيج المدينة. لكنّ الوقفة اتّسمت أيضًا بتشدّدٍ أمنيّ وحضورٍ لافتٍ للأجهزة الأمنيّة المختلفة، ولا سيّما مكافحة الشغب والاستقصاء، بالتوازي مع تطويقٍ لمحيط ساحة الشّهداء.

أغلقت منافذ الطّرق المؤدّية إلى موقع الاغتيال في محلّة السّان جورج على الطريق البحريّ، كما أقفلت ممرّاتٌ باتجاه الوسط التّجاريّ، الأمر الذي تسبّب بزحمة سيرٍ خانقة امتدّت على طول مساحاتٍ واسعةٍ في العاصمة. وفي موازاة ذلك، حضر آخرون أمام "بيت الوسط" لاستقبال الحريري والاحتفاء به، في مشهدٍ أراد أصحابه أن يكون "تحية عودة"، ولو بلا إعلان.

على خطّ الجنوب، توجّه مناصرو "تيّار المستقبل" من صيدا وضواحيها إلى وسط بيروت، "إلى قلب الحريريّة النابض" كما يصفه كثيرون، يرافقهم مشاركون من قرى صور والعرقوب ومناطق الزهراني والنّبطيّة. وفي 14 شباط، شاركوا في إحياء الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد الحريري، متحدّين العاصفة والأمطار الغزيرة. وبحسب ما ردّده المشاركون، فإنّ الحضور ليس مجرّد مشاركةٍ عاطفيّة، بل تجديد عهدٍ مع نهجٍ يقولون إنّه "لم يغب عن ذاكرة اللبنانيين"، وإنّ "هذا المشروع أكثر حضورًا وأقوى من أيّ محاولاتٍ للغياب، لأنّه راسخٌ في قلوب الناس وذاكرة الأجيال التي آمنت وتمسّكت بمشروع رفيق الحريري". وارتفعت الهتافات على إيقاع شعارٍ لطالما رافق هذا الجمهور: "تاريخنا رفيق.. ومستقبلنا سعد"، في إحالةٍ واضحة إلى فكرة الاستمراريّة: تاريخٌ يستعاد في الذكرى، ومستقبلٌ يعلّق على قرار العودة.

ومن البقاع الأوسط، بدأ التجمّع منذ الصباح الباكر للانطلاق نحو ساحة الشّهداء. انطلقت الوفود من مجدل عنجر وسعدنايل وقبّ إلياس وبرّ إلياس وكفرزبد والفاعور وجديتا ومكسة وتعلبايا وشتورة وسائر قرى وبلدات البقاع الأوسط، كبارًا وصغارًا، حاملين الأعلام اللّبنانيّة وأعلام "تيّار المستقبل" وصور الرّئيس الشهيد رفيق الحريري والرّئيس سعد الحريري. وكان لافتًا أن كثيرين تعاملوا مع الرحلة إلى بيروت بوصفها "واجبًا" لا زيارةً عابرة، في محاولةٍ لإثبات أنّ القواعد ما زالت موجودة، وأنّ الانكفاء لم يفرّغ الساحة من جمهورها.

 

رفع المعنويّات من دون توقيع العودة

سياسيًّا، عاد سعد الحريري إلى ساحة الشّهداء، وقرأ جمهور "المستقبل" في الحشد رغبةً صريحة بالعودة إلى السياسة عبر الانتخابات. غير أنّ الإشارة لم تعط على نحوٍ نهائيّ وعلنيّ. بدا كأنّه يرفع المعنويّات ويعيد شدّ العصب، من دون أن يوقّع قرار العودة رسميًّا. وهذا ليس تفصيلًا: ففي لبنان، مثل هذا القرار لا يحسم فقط بحساباتٍ داخليّة، بل يتأثّر بإيقاع الخارج الإقليميّ والدوليّ، وباللّحظة التي تفتح "نافذةً" سياسيّة تسمح بترجمةٍ انتخابيّة. وفي خطابه، ثبّت الحريري سرديّةً واضحة: ابتعد حين صارت السياسة على حساب البلد، ورفض تحويلها إلى سوقٍ للصّفقات وبيع المواقف. قدّم الاعتدال باعتباره شجاعةً لا تردّدًا، وجدّد "المظلّة" الرمزيّة لنهج رفيق الحريري: مشروع دولةٍ لا مشروع غلبة. ومن هنا جاء التأكيد على "لبنان أوّلًا" كخطّ دفاعٍ ضد الفتنة والاقتتال، وعلى معادلة الدولة: بلدٌ واحد، جيشٌ واحد، سلاحٌ واحد.

ثم ربط ذلك باستكمال "الطائف" عمليًّا: حصر السلاح بيد الدولة، لامركزيّةٌ إداريّة، إلغاء الطائفيّة السياسيّة، مجلس شيوخ… أي إنّه لم يعد جمهوره بحضورٍ انتخابيّ فحسب، بل وضعه داخل إطارٍ سياسيّ متماسكٍ يحاول استعادة معنى الدولة، في مواجهة واقعٍ يرى فيه كثيرون "تبدّدًا" لهيبة المؤسّسات.

الأكثر لفتًا كان التموضع الإقليميّ الذي تسلّل إلى الخطاب. فالإشارة إلى "سوريا الجديدة" وقيادتها، والدعوة إلى أفضل العلاقات العربيّة، لا تقرأ لدى جمهور الرجل كجملةٍ عابرة. المشهد تبدّل: سقط نظام الأسد وصعدت قيادةٌ تسعى، إلى الانفتاح على الغرب وبناء تحالفاتٍ جديدة. وتقدّم سوريا اليوم، في هذا السرد، كـ"ممرّ" للتجارة والنفط والتكنولوجيا، وكصلة وصلٍ بين الخليج وتركيا والمشرق وأوروبا. وهذه الفكرة تحديدًا كانت، لسنواتٍ طويلة، جزءًا من "الحلم اللبناني": أن يكون لبنان منصّة خدمات، نافذة اقتصاد، ومفترق طرق. لكنّ لبنان دخل مرحلة أفولٍ بلا مشروعٍ جامع، فيما تحاول سوريا،  أن تملأ الفراغ بالدور الذي حلم به اللبنانيون. من هنا تفهم الإشارات بوصفها محاولةً لإعادة وصل الداخل بتحوّلات الإقليم، أو على الأقل عدم الانفصال عنها.

 

وعدٌ موارب ورسالةٌ بالأرقام

في هذا المناخ، جاءت عبارته: "قولولي أيمتى الانتخابات.. رح يسمعوا أصواتنا ورح يعدّوها". ليست مجرّد عبارةٍ شعبويّة لرفع التصفيق. هي أسلوب لإبقاء القرار معلّقًا على توقيت الاستحقاق وعلى شروطه: يقول لجمهوره إنّه حاضرٌ حين تصبح المعركة صندوق اقتراع لا صراخًا يوميًّا، ويقول لخصومه إنّ أحدًا لا يستطيع شطب هذا الجمهور، وإنّ الاختبار سيكون بالأرقام.

والتشديد على "عدّ الأصوات" تحديدًا يحمل معنى إضافيًّا: هذه ليست عودةً رمزيّة، بل عودةٌ تقاس وتثبت، متى نضجت اللّحظة السّياسيّة الّتي تسمح بترجمتها. وفي بلدٍ يحكمه ميزان الأرقام والتحالفات، تبدو هذه الجملة كأنّها "مفتاح" يربط الحشد بالاستحقاق، والذكرى بالقرار، والوفاء بالسّياسة.

وهكذا بدت ساحة الشّهداء هذا العام: ذكرى تعيد جمع الجمهور، وخطابٌ يثبّت السرديّة ويؤجّل الحسم. أمّا قرار العودة، فبقي معلّقًا.. إلى أن يقول موعد الانتخابات كلمته.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث