حين تستضيف "الدويلة" الدولة!

نزيه درويشالجمعة 2026/02/13
GettyImages-2201781618.jpg
بدل أن تعزز الزيارة موقع المنادين بعودة سيادة الدولة، عززت موقع خصومها التاريخيين(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

جال رئيس حكومة لبنان، يومي السبت والأحد الفائتين، على رأس وفد وزاري وإداري في منطقة الجنوب. جولةٌ وُصفت رسميًا بأنها إعلانٌ لعودة الدولة إلى إحدى أكثر مناطق البلاد تهميشًا منذ عقود. قرىً مدمّرة، بلداتٌ منكوبة، بنىً تحتية مسحوقة، وناسٌ مهجَّرون من بيوتها ينتظرون أي إشارة إلى أن الدولة لم تعد مجرّد ذكرى أو شعار يُستحضر في المناسبات.

في كلماته ومواقفه، أكّد رئيس الحكومة أن "الدولة عادت إلى الجنوب بكامل أجهزتها"، وأن هذه العودة ليست أمنية فحسب -بعد إعلان الجيش اللبناني انتهاء المرحلة الأولى من خطة بسط سلطة الدولة- بل إنمائية وخدماتية أيضًا، مع وعود بتصحيح أخطاء تاريخية ناجمة عن "تخلّي الدولة" عن واجباتها تجاه الجنوب منذ الاستقلال.

حتى هنا، تبدو الخطوة أكثر من مطلوبة، وتبدو الرواية الرسمية مطمئنة، بل شبه احتفالية. لكن السؤال الحقيقي ليس عما قيل، بل كيف قيل، وأين، وبأي شروط، ولمصلحة مَن بالفعل. 

 

دولة مطرودة

كلّنا يعلم أن الجنوب لم يكن خارج الدولة طوال الوقت بالصدفة. فمنذ "نكبة" فلسطين، استقبل عبر حدوده آلاف النازحين الفلسطينيين، قبل أن يتحوّل وجودهم تدريجيًا إلى معسكرات مسلّحة تحت يافطة "الكفاح المسلّح". وجاءت اتفاقية القاهرة عام 1969 لتُشرعن رسميًا هذه المعسكرات، فتحوّلت قرى الجنوب إلى ساحات مواجهة مفتوحة مع إسرائيل. استمرّت "فتح لاند" -التسمية التي  افتخر بها الفلسطينيون آنذاك- حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. ومن ثم، بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، سيطر "حزب الله" فعليًا على الأرض، فيما بسطت "حركة أمل" سيطرتها شبه الكاملة على المؤسسات والمرافق الرسمية. 

لم يكن استمرار غياب الدولة، تبعًا لذلك، عرضيًا أو عابرًا، بل كان مُدارًا وممنهجًا. غابت الدولة كمرجعية، وحضرت قوى الأمر الواقع -المشرَّعة سياسيًا- كبديل متكامل: أمنيًا وعسكريًا تحت راية "المقاومة"، وخدماتيًا وإداريًا وتوظيفًا تحت راية "الصمود". ومع الوقت، لم تقتصر السيطرة على الأرض فحسب، بل اكتسبت هذه القوى شرعية برلمانية ووزارية، فصارت سرديتها هي الرواية الرسمية المكرَّسة في البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة، وفي الرئاسة الدائمة لمجلس النواب، وفي اقتطاع حصة وازنة من موازنات الدولة وصناديقها ومجالسها.

 

أمر واقع مديد

هذه السيطرة المزدوجة – الأمنية والخدماتية – شكّلت العمود الفقري لشبكة ولاء وزبائنية حكمت الجنوب لعقود، وأنتجت، بالتكافل مع قوانين انتخابات "مفصَّلة على القياس" بلمسات النظام السوري البائد، أحادية تمثيلية شبه مطلقة في البرلمان؛ ليس بفعل الاقتراع الحر، بل بفعل الحاجة والخوف وتحويل السياسة إلى مسارٍ بلا بدائل.

من هنا، لا أتصوّر أن نتائج انتخابات أيار 2026 ستختلف إلى حدّ بعيد عن نتائج الدورات السابقة. صحيح أن الواقع الأمني تبدّل نسبيًا بفعل الحرب الأخيرة والخسائر التي مُني بها الحزب، وتنفيذ اتفاق وقف الأعمال العسكرية الملحق بالقرار 1701، وإعلان الجيش اللبناني بسط سلطته على منطقة جنوب الليطاني كمرحلة أولى - وهي عوامل كان يُفترض أن تفتح هامشًا سياسيًا أوسع، وتُتيح بروز أصوات معارضة لـِ "الثنائي الشيعي" منادية بعودة الدولة الحقيقية لم تكن ممكنة سابقًا - لكن بين هذه الفرضية والواقع فجوة لا تزال عميقة.

هذه الفجوة لا تردمها الوقائع الأمنية المستجدة وحدها؛ إذ لا يكفي الإعلان عن بسط سلطة الدولة، طالما بقي هذا البسط مجتزأً، ومضبوط الإيقاع، وخاضعًا لتوازنات لم تتبدّل جذريًا. فالدولة، وإن حضرت بقواها النظامية، إلا أنها لم تعُد بعد كمرجعية سيادية نهائية، ولم تستعد وحدها حق القرار ولا احتكار العلاقة بين المواطن ودولته والمؤسسات العامة المحشوّة بالمحاسيب والمحازبين. في ظل هذا الواقع، يبقى أي هامش سياسي جديد هشًّا، قابلًا للضبط والتطويق.

 

ضحكةٌ تلوي ذراع

الدولة لم تعد حقًا لأن العودة لا تُقاس بعدد دوريات الجيش اللبناني، ولا بعدد الوزراء في الصور التذكارية، ولا بخطابات النيات الحسنة، ولا بالدبكة والزغاريد ونثر الورود. عودة الدولة المنشودة ليست أمنًا وحماية فقط، وليست مجرّد وزارات وإدارات ووعود إنمائية، على ضرورة وأهمية كل ذلك.

العودة الحقيقية تعني كسر احتكار الوساطة بين الدولة والمواطن. تعني أن يصل الحق إلى صاحبه وأن تُصرف التعويضات والمساعدات للمستحقّين الفعليين مباشرةً، دون المرور الإجباري تحت "إبط" الثنائي، لأن خلاف ذلك يعيد إنتاج الزبائنية نفسها على حساب العودة المنتَظَرة.

حين تؤكّد الحكومة أن الدعم سيُمرّر عبر "مجلس الجنوب"-وهو شرط أساسي للثنائي- لا تكون قد قدّمت حلًا تقنيًا، بل تكون قد فرّغت العلاقة مع الدولة من مضمونها مرة أخرى. فمجلس الجنوب، ليس مؤسسة إنمائية بإدارة  شفافة ومحايدة، بل هو أحد أعمدة السيطرة الحزبية والانتخابية، وأداة توزيع ولاءات بامتياز، تمامًا كما كان "صندوق المهجّرين" لفئة أخرى في منطقة أخرى.

بهذا الأسلوب، كل مشروع إنمائي سيُحسب إنجازًا لقوى الأمر الواقع. كل حجر سيُبنى، كل قسطل ماء سيُصلَّح، كل بيت سيُعاد إعمارُه، سيُقدَّم للناس على أنه "فضل الحزب والحركة" اللذين لويا ذراع "دولة جاحدة". وسنعود إلى الحلقة المفرغة ذاتها: الدولة تموّل، والثنائي "يقرّش" سياسيًا وانتخابيًا.

 

زلغوطة مضبوطة

ولكن لم يكتفِ "الثنائي" في السطو على مضمون الزيارة، وإنما نجح في السطو على شكلها أيضًا إلى حد بعيد. فالتفاف نواب الثنائي حول رئيس الحكومة بدا وكأنه التفافٌ عليه وتطويقٌ له أكثر من كونه ترحيبًا به. ولم يتأخروا في التعبير عن ذلك في خطاباتهم التي جاءت أشبه بمحاضرات حزبية ودروس وإملاءات تُتلى من فوق، ولا تخلو أحيانًا من تهديدات مبطنة. فتحوّلت الزيارة إلى منصّة سياسية استُخدمت لإعادة تثبيت معادلات القوة عشية الانتخابات.

والنتيجة؟ ما كان يُفترض أن يكون رافعةً لفكرة الدولة في الجنوب ولحامليها، انقلب إلى عكسه. وبدل أن تعزّز الزيارة موقع المنادين بعودة سيادة الدولة، عزّزت موقع خصومها التاريخيين، الذين طاردوها وهشّموا هيبتها وكيانها واستفردوا بالمنادين بها ونكّلوا بهم طوال الوقت.

 

أسئلة صعبة

السؤال الجوهري ليس إن كانت الجولة حسنة النيّة أم لا. بل هل كان يمكن لها أن تكون على غير هذه الصورة؟ هل وقعت ضحية أمرٍ واقعٍ لا مفر منه؟ وهل صحيح أنه لا مفر منه؟ 

الأسوأ أنها بدلاً من أن تُطمئن المتعطّشين للدولة في الجنوب، أخشى أنها خذلتهم، وأكّدت لهم أن الدولة لا تزال ضعيفة تجاه المستقوين عليها، مترددة، وقابلة للتطويع، وأن قرارها ما زال محكومًا باعتبارات تناقض جوهرها وتنقضّ عليها. والانتخابات القادمة، إن حصلت، ستترجم، ذلك بدقة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث