المؤشر العربي في بيروت: لبنان وأرقامه

بتول يزبكالجمعة 2026/02/13
Image-1770989974
يظهر اللبنانيون قدرةً عالية على تعريف الديمقراطية (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الفترات الانتقاليّة الكبرى، تشتدّ، لأسبابٍ شتّى وملحّة، الحاجة إلى فحص المزاج العربيّ وسبر غوره فحصًا منتظمًا، لا بوصفه حالةً عابرة، بل باعتباره مؤشّرًا كاشفًا لما يعتمل في المجال العامّ من تصوّراتٍ ومخاوف وتطلّعات. هذا المزاج الذي يتقلّب حينًا، ويتأثّر غالبًا بما جرى ويجري في الحواضر العربيّة من تحوّلاتٍ سياسيّةٍ وجيوسياسيّةٍ وسوسيولوجيّة، وبما لا يحصى من تبدّلاتٍ يوميّة، وبشبكةٍ واسعةٍ من التبدّلات التي تصوغ مواقف الناس وتعيد ترتيب أولويّاتهم. ومن ثمّ، لا يقتصر فهم هذا التأثّر على رصد اتّجاهٍ عامّ أو انطباعٍ سريع، بل يتطلّب قياسًا دقيقًا لحجم الأثر وتنوّعه، وتمييز اختلافاته بين البلدان، وبين الفئات الاجتماعيّة، وبين الأجيال، بل وبين لحظةٍ وأخرى حين تتسارع الأحداث.

وانطلاقًا من إدراك هذه الضرورة المنهجيّة والمعرفيّة، تمكّن المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات من ترجمة هذه الحاجة إلى مشروعٍ بحثيٍّ مستدام، يقوم على إعداد مؤشّرٍ سنويٍّ يتجاوز ردود الفعل الآنيّة، ويقارب الرأي العامّ العربيّ بوصفه مجالًا قابلًا للدرس والقياس والمقارنة.

 

نتائج استطلاع المؤشّر العربيّ

وصباح اليوم، الجمعة 13 من شباط الجاري، اختار المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات بيروت منصّةً لإعلان نتائج استطلاع "المؤشّر العربيّ" (2024، 2025)، في ندوةٍ حضرها باحثون وأكاديميّون وعاملون في الشأنين السّياسيّ والإداريّ، إلى جانب الصحافة. لم يكن الإعلان مجرّد عرضٍ أرقام، بل محاولةً لوضع المزاج اللبنانيّ في قلب خريطةٍ عربيّةٍ أوسع، وقراءة ما تقوله العيّنات عن بلدٍ يخرج من عامٍ ونصف عامٍ مثقلٍ بالحرب والارتداد الاقتصاديّ والانسداد السياسيّ.

في كواليس الندوة، يشرح مدير برنامج قياس الرأي العامّ العربيّ (المؤشّر العربيّ) في المركز، الدكتور محمّد المصريّ، لماذا بدا تخصيص جلسةٍ للبنان ضرورةً لا تفصيلًا. يقول في حديثه إلى "المدن" إنّ الخطوة "ذات أهميّةٍ بالغة"، أوّلًا لأنّ "لبنان منطقةٌ من مناطق الصراع"، ولأنّ الاستطلاع تضمّن أسئلةً مخصّصة لأوضاع اللبنانيّين "خلال العدوان الإسرائيليّ على لبنان"، ما جعل عرض النتائج في بيروت، وفق قوله، جزءًا من احترام سياقها وحقّ الجمهور المعنيّ في مناقشتها في مكانها الطبيعيّ.

ويضيف المصريّ أنّ لبنان يمرّ اليوم بمرحلةٍ مفصليّة تتنازعها السرديّات والادّعاءات، "وكثيرون يتحدّثون عن آراء اللبنانيّين وتوجّهاتهم"، فيما يتيح المؤشّر، بفعل منهجيّته، تقديم صورةٍ قابلةٍ للفحص والمقارنة، لا للاستخدام الخطابيّ. وبحسب المصريّ، لا تقف فائدة النتائج عند حدود النشر، بل تمتدّ إلى المجتمع اللبنانيّ عمومًا، وإلى الباحثين المحلّيّين، وإلى صنّاع القرار والسياسات، عبر توفير مؤشّراتٍ على اتّجاهات الرأي العامّ في قضايا مفصليّة. ويستعيد هنا ملاحظةً أثيرت خلال العرض عن "توافقٍ واسعٍ" في الرأي العامّ اللبنانيّ على رفض الاعتراف بإسرائيل، معتبرًا أنّها من الدلالات اللافتة "البالغة الأهميّة"، فضلًا عن أنّ المؤشّر قدّم "خريطةً شاملةً للهموم" التي تسيطر على اللبنانيّين. ويذهب أبعد من ذلك حين يدعو إلى تثبيت بيروت مكانًا لإطلاق تقارير ومؤشّرات، ولا سيّما بعد التحدّيات التي تعرّض لها البلد خلال العام والنصف الماضيين إبّان الحرب.

 

 

لبنان في "المؤشّر العربيّ 2025"

وجاء ملخّص "المؤشّر العربيّ 2025 في نقاط" الخاصّ بلبنان، وهو جزءٌ من الدورة التاسعة للاستطلاع الدوريّ لقياس الرأي العامّ العربيّ. جرى تنفيذ الاستطلاع ميدانيًّا في لبنان خلال شهر آذار، مارس 2025، عبر مقابلاتٍ مباشرة ضمن عيّنةٍ قوامها 2400 مستجيبٍ ومستجيبة، ضمن مشروعٍ مسحيٍّ واسعٍ شمل 15 بلدًا عربيًّا، لتقدّم صورةً رقميّةً دقيقةً لتقييم اللبنانيّين اتّجاه بلدهم، وأولويّاتهم، ومستوى الأمان، وموقع الدولة ومؤسّساتها في سلّم الثقة، وما يتّصل بالديمقراطيّة والمشاركة السياسيّة، وصولًا إلى أثر الحرب والنزوح والضغط النفسيّ. وقد جرى استعراض هذه النتائج في الندوة التي شارك فيها المصريّ، فضلًا عن الوزير السابق ناصر ياسين، مدير المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت.

(للاطلاع على المخلص: هنا)

 

أوّلًا:  أغلبيّةٌ ترى "الطريق الخطأ"

تظهر النتائج أنّ 58% من اللبنانيّين يقولون إنّ بلدهم يسير في "الاتّجاه الخاطئ"، مقابل 39% يرون أنّه يسير في "الاتّجاه الصّحيح". وحين يسأل أصحاب النظرة المتشائمة عن الأسباب، تتقدّم العوامل الاقتصاديّة والسياسيّة والحوكمة السيّئة على ما عداها.الأسباب الأكثر تكرارًا تكاد تختصر السّرديّة اللبنانيّة كلّها، "الوضع الاقتصاديّ السيّئ" و"العدوان والاحتلال الإسرائيليّ" معًا في الصدارة بنسبة 19% لكلٍّ منهما، يليهما "الفساد" 15%، ثمّ "الوضع الأمنيّ السيّئ" و"الفقر وغلاء المعيشة" بنسبة 10% لكلٍّ منهما. وفي الخلفيّة تتراكم عبارات اليأس، "لا أمل من الوضع السياسيّ" 7%، و"البطالة" 4%، و"غياب الدولة وتطبيق القانون" 3%. 

 

ثانيًا: "كفافٌ" واسع و"عوزٌ" مقيم

إذا كان الخطاب الرسميّ يكثر من الحديث عن "الإنقاذ"، فإنّ الناس في الاستطلاع يتحدّثون عن "التدبّر". 26% فقط يقولون إنّ دخل الأسرة يكفي الاحتياجات الأساسيّة مع القدرة على الادّخار "أسر الوفْر". أمّا 50% فيقعون في مساحة "الكفاف"، يكفي الدخل لكن بلا ادّخار. وفي المقابل، 22% يعيشون حالة "حاجةٍ وعوز" لأنّ الدخل لا يغطي الاحتياجات الأساسيّة.والأخطر ليس الرقم وحده، بل سلوك التكيّف القاسي، 36% من الأسر المعوزة تلجأ إلى الاستدانة من معارف وأقارب، و15% إلى مساعدات من الدائرة الاجتماعيّة الضيّقة، و15% إلى بيع ممتلكات العائلة، ذهب، أثاث، عقار، فيما 12% يبحثون عن عملٍ إضافيّ. هذه ليست "حلولًا" بل إشارات تفكّكٍ بطيء، حين تبدأ الأسرة ببيع ما يحميها من الغد.

 

ثالثًا: أمانٌ ملتبس وسياسةٌ بلا رضا

وتبدو المفارقة اللّبنانيّة واضحةً هنا. فبينما قيّم 14% فقط مستوى الأمان بأنّه "جيّد" أو "جيّد جدًّا" مقابل 85% قالوا إنّه "سيّئ" أو "سيّئ جدًّا"، نجد أنّ التقييم السياسيّ أيضًا يميل إلى السّلبيّة، 77% وصفوا الوضع السياسيّ بأنّه سلبيّ مقابل 22% رأوه إيجابيًّا. وفي الاقتصاد تحديدًا، 86% تقييمهم سلبيّ.

 

رابعًا: الرحيل كمشروعٍ سياسيّ

في ترتيب الأولويّات، تتقدّم الهموم الاقتصاديّة بوضوح، البطالة، ارتفاع الأسعار، سوء الأوضاع الاقتصاديّة، الفقر. ثمّ تأتي "حرب إسرائيل على لبنان" كثاني محورٍ ضاغط، يليها الأمن والأمان والاستقرار السياسيّ. لكنّ العلامة اللافتة هي الهجرة. 24% من اللبنانيّين يرغبون في الهجرة، و75% من هؤلاء دافعهم الأساسيّ تحسين الوضع الاقتصاديّ، بينما 18% يربطون الرغبة بأسبابٍ سياسيّةٍ أو أمنيّة. ومقارنةً بعام 2022 حين بلغت الرغبة 63% في ذروة الأزمة الاقتصاديّة، يظهر تراجعٌ كبير، لكنّه لا يعني تحسّنًا بقدر ما قد يعني "تطبيعًا" مع الانهيار، أي أنّ الناس تعلّمت كيف تعيش داخل الأزمة بدل أن تغادرها فورًا.

 

خامسًا: الثقّة بالدولة

تتباين الثقة بمؤسّسات الدولة. الثقة مرتفعة نسبيًّا بالجيش وبالأمن العامّ، بينما الثقة بالسلطات القضائيّة والتنفيذيّة والتشريعيّة متدنّية ولا تكاد تتجاوز 41% في أعلى الحالات، ويأتي المجلس النيابيّ في أدنى السلّم بنسبة ثقة 36%.

وعند سؤال الناس عن تمثيل السياسات لآرائهم، يقول 68% إنّ السياسة الخارجيّة لا تعبّر عنهم، و73% إنّ السياسات الاقتصاديّة لا تعبّر عنهم. أمّا الفساد الماليّ والإداريّ فشبه إجماعٍ على انتشاره، 97% يرونه منتشرًا بدرجاتٍ متفاوتة. وفي صلب الشرعيّة، 11% فقط يقولون إنّ الدولة تطبّق القانون بالتساوي، بينما يرى آخرون أنّها إمّا تحابي أو لا تساوي بين المواطنين.

 

سادسًا: الديمقراطيّة: تأييدٌ نظريّ 

على المستوى القيميّ، يظهر اللبنانيّون قدرةً عالية على تعريف الديمقراطيّة، 85% قدّموا تعريفًا "ذا محتوى"، وغالبًا ما ارتبطت الديمقراطيّة لديهم بضمان الحريّات أو المساواة والعدل أو تداول السلطة. وفي التأييد العامّ، 79% يرون أنّ النظام الديمقراطيّ "أفضل الأنظمة" رغم مشكلاته، و79% أيضًا يعتبرونه "الأكثر ملاءمةً للبنان"لكنّ التناقض يطلّ سريعًا، 51% قالوا إنّهم يؤيّدون نظامًا يتولّى فيه العسكريّون الحكم. و38% يقبلون بوصول حزبٍ لا يتّفقون معه إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، مقابل 55% يرفضون ذلك. أمّا تقييم مستوى الديمقراطيّة في لبنان فكان 5.8 من 10، "منتصف الطريق". وقدرة انتقاد الحكومة 6.6 من 10، أيضًا في المنتصف.

 

سابعًا: المشاركة السياسيّة والإعلام

 67% يقولون إنّهم مهتمّون بالشؤون السياسيّة بدرجاتٍ متفاوتة. لكن حين نصل إلى الانخراط المدنيّ، تنخفض الأرقام إلى مستوى صادم، الانخراط في منظّماتٍ مدنيّةٍ وأهليّة لا يتجاوز 2%. والانتساب إلى الأحزاب السياسيّة 10% فقط، بينما 62% يقولون إنّهم لا يثقون بالأحزابأمّا نوايا التصويت في الانتخابات المقبلة، فـ51% يقولون إنّهم سيشاركون، مقابل 40% لا ينوون المشاركة. هنا تبرز "اللامبالاة السياسيّة" كعنوان، ليس لأنّ الناس لا تهتمّ، بل لأنّها لا ترى جدوى، اهتمامٌ بلا قناة، غضبٌ بلا أداة.

ومع صعود الإنترنت منصّةً للمتابعة، إذ يعتمد 44% على الإنترنت لمتابعة الأخبار السياسيّة، تبدو السياسة اللبنانيّة كأنّها انتقلت من الشارع إلى الشاشة، ومن التنظيم إلى "التعليق".

 

ثامنًا: الحرب

في قسم الحرب الإسرائيليّة على لبنان وغزّة، تظهر النتائج إجماعًا شبه كامل على الأثر النفسيّ، 84% قالوا إنّ الحرب شكّلت ضغطًا نفسيًّا عليهم، و91% شعروا بالتوتّر والقلق خلال الحرب، و99% قالوا إنّ الغضب كان يتملّكهم من إسرائيل، و91% أقرّوا بوجود "خيبة أمل من العرب". 10% أفادوا أنّ أحد أفراد الأسرة غادر لبنان نتيجة الحرب. وفي المناطق المستهدفة، 76% قالوا إنّهم اضطرّوا للنزوح، وأسباب النزوح تراوحت بين قصف المنازل المحيطة 54%، وقصف أجزاءٍ من مكان السكن 19%، وتهديدات الجيش الإسرائيليّ 16%. وفي مقابل ذلك، ثمّة جانبٌ من التضامن، 88% شعروا بأنّ المنطقة التي نزحوا إليها كانت مرحّبة، و87% من الذين استضافوا نازحين قالوا إنّ التجربة كانت إيجابيّة.

لكنّ السياسة تعود في تقييم نتائج الحرب، 59% يرونها "هزيمة" مقابل 38% "انتصار". كما أنّ 56% قالوا إنّ نظرتهم إلى الجيش أصبحت أكثر إيجابيّة بعد الحرب، بينما نظرة الناس إلى "حزب الله" لم تتغيّر لدى 66%، وتغيّرت إيجابيًّا لدى 13% وسلبيًّا لدى 19%.

والحال أنّ هذه الأرقام لا تقرأ بوصفها مادّةً وصفيّةً فحسب، بل بوصفها فعلًا سياسيًّا بالمعنى المدنيّ للكلمة، أي إعادة إدخال المجتمع إلى النقاش العامّ من بوّابةٍ قابلةٍ للقياس، لا من بوّابة الشعارات. هنا تحديدًا يتقدّم دور المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، ليس كمنتج بياناتٍ وحسب، بل كجهةٍ تعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والقرار، عبر بناءٍ تراكميٍّ لمنهجيّةٍ عربيّةٍ في قياس الرأي العامّ، تزاوج بين صرامة العيّنة والعمل الميدانيّ واسع النطاق، وبين تحويل النتائج إلى أدواتٍ للنقاش العامّ والمساءلة. 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث