الإيجابية المتدحرجة من دافوس إلى باريس فمسقط

عارف العبدالجمعة 2026/02/13
Image-1770925531
نواف سلام في الجنوب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لبنان، لم نعد بحاجة لاختبارات جديدة وفحوص مخبرية، للوصول إلى تشخيص دقيق للحالة اللبنانية، وعلاقتها بالتطورات الجارية في محيطها وتأثيرها المتبادل.

 

قبل مدة ليست ببعيدة، خرج أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، عبر الشاشة الصغيرة، ليقول بنبرة وصوت مرتفع: "كبيرة على رقبتكم أنكم تأخذوا سلاح المقاومة" و"أكبر خيلكم ركبوا ولن نسلم السلاح لأحد".

كان ينقصه أن يقول تلك الجملة الشهيرة: "أن اليد التي ستمتد إلى سلاح المقاومة سنقطعها"، والتي سبق للشعب اللبناني ومحيطه أن سمعها أكثر من مرة، في أوقات سابقة. لكن الشيخ نعيم الذي سبق أن حمل على الحكومة ورئيسها بعنف أكثر من مرة، تبدلت وتغيرت لهجته وتراجعت حدتها، وبات السلبي إيجابي وكرت سبحة التبدلات بشكل متتالٍ ومتوالٍ وهادف ودال. 

المتغيرات الواضحة، لم تكن من الشيخ نعيم وحده، بل شملت أغلب الأطراف ومراكز القوى.

 

رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، درس ملفاته بعمق من مختلف الجوانب، وتأبط أوراقه ليزور رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، ناقلاً له خبر نيته زيارة قرى الجنوب والتجوال فيها على مدار يومين، بعد أن نجحت "البحبشات والتفتيشات والأبحاث المعمقة" في اكتشاف بضعة ملايين من الدولارات يمكن تخصيصها لقرى الجنوب اللبناني، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، بالرغم من الاحتلال وتواجده الثقيل، على قلب لبنان وأهالي الجنوب. وبعد أن كانت الحكومة قد أقرت في جلسة لها آليات التعويضات والمعاملات لورش وعمليات وإعادة الإعمار في الجنوب والبقاع. 

الرئيس سلام الذي "فك الدكة" الحكومية قليلاً، كما يقال في العامية، كان شارك مع وزيري المال والاقتصاد في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، والتقى رؤساء أجانب كثراً، واستمع إلى أصوات غربية ترغب في الاستثمار في لبنان. وتوج اجتماعاته اللقاء مع وزير خارجية المملكة العربية السعودية الأمير فيصل بن فرحان. وعرج في طريق العودة إلى باريس، حيث طمأنه الرئيس إمانويل ماكرون بوقوف فرنسا إلى جانب لبنان في ملفات عديدة، وأولها دعم الجيش والدولة اللبنانية في خطة حصر السلاح واسترجاع الهيبة والسلطة والإمرة، عبر المؤتمر المقرر في العاصمة الفرنسية. 

 

لا أحد يقول إن الرئيس سلام أخذ نفساً إيجابياً من اجتماعات وزيارته دافوس وباريس، قبل الانطلاق لإقرار آلية الإعمار في الجنوب وزيارة الرئيس بري.

لكن الواقع، أن الأمور تدحرجت إيجابياً بعد هذه الوقائع، وتحولت زيارة الجنوب إلى احتفال متنقل جيد وإيجابي بـ"أبو عبدالله البيروتي"، كما وصفته إحدى الصحف، في قلب قرى الجنوب.

في المقابل، فإن الإيجابية لم تكن من رئيس الحكومة وحده، وهو المتمسك بالدستور واتفاق الطائف والميثاق الوطني، بل أن رئيس مجلس النواب المنتظر كعادته على المفرق حيث "لقطها على الطاير"، وأعطى تعليماته لنواب كتلته وتحدث مع "الكنة لكي تسمع الجارة" بمرافقة الرئيس سلام خلال تجواله في الجنوب. ما يعني، تأمين مواكبة لصيقة ودافئة للزائر المهم في هذه "الزركة".

الواقع، أن بري بنباهته الغالبة، أنقذ هذه المرة أيضاً حزب الله من نفسه المجبولة على التصعيد الهوائي غير المدروس. 

 

كما هو معروف، فإن الرئيس سلام، كان في الزيارة الأولى السابقة للجنوب، قد تعرض لمواقف وتصرفات محرجة، فيها كل صنوف قلة الأخلاق من بعض الأهالي المدفوعين والمبرمجين من حزب الله.

في هذه الزيارة الأخيرة، ولما حاول النائب "الحمش" حامل الملفات الدقيقة والعميقة، حسن فضل الله، المزايدة على الرئيس سلام، ورفع الصوت أمامه، بالقول هذا الموقع الإسرائيلي فوقنا يراقبنا، سارع نائب حركة أمل "الفطن" أيوب حميد للتأشير والتلميح لزميله "المحموق" بالتروي وتخفيف الحدة في الكلام. فمرت الزيارة على خير ما يرام، ووصلت الرسالة بوضوح إلى جمهور "الأهالي"، الذين سارعوا إلى احتضان الرئيس سلام في وجه ما يمكن أن يصدر عن حزب الله وجمهوره، المذهول من تصرفات لم يعتادوا عليها سابقاً، وأتت غير محسوبة.

لم تقف التطورات والإشارات الإيجابية عند هذا الحد، بل امتدت إلى أماكن جديدة ومستجدة لم تكن في الحسبان أو على جدول أعمال أحد. 

حزب الله، الذي كان ألمح إلى إمكانية مشاركته في أي حرب مقبلة على إيران والدخول في إسناد جديد، أرسل إشارة جديدة إيجابية لم تكن متوقعة أيضاً. فقد قبل وبشكل غير محسوب، استقالة مسؤول لجنة الأمن والارتباط وفيق صفا، وأعلنها بالتوازي مع زيارة رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب الحاج محمد رعد إلى القصر الجمهوري، مع تصريح أسطره مكتوبة ومعدة مسبقاً، ومرفقة ومدعمة، بابتسامة وضحكة واسعة ومشهودة عن "هلق بيكفي حكي ها لقد". 

والنائب الحاج محمد رعد الذي يتحضر كما يقال، إلى الانتقال إلى منصب نائب الأمين العام للحزب، في المدى المنظور، اصطحب معه خليفة وفيق صفا المستقبلي الدكتور أحمد مهنا، المولج بالارتباط والتنسيق في المرحلة المقبلة، حسبما تردد. 

 

لطيفة ودالة ومعبرة مجموعة الصدف في لبنان والأحداث المتوالية، وكيف انحلت الأمور بعد المشاركة في دافوس وزيارة باريس، وتحلحلت بعد تعقيد وتوالي عقد حزب الله وعبوسه، الذي تحول إلى ضحك واستقرار وإيجابية بعد دخول إيران إلى حلبة المفاوضات مع أميركا في مسقط. فتحولت نزر الحروب وتحريك الصواريخ إلى تهدئة وإيجابية مدفوعة ومدعمة، على أمل الانفراج والتجاوب مع ما هو مقبل في المرحلة الثانية من حصر السلاح ما بين النهرين والجبلين والهمين، والتي لا بد من تنفيذها ولو كره الكارهون.

هل ستنجح المفاوضات الأميركية الإيرانية، في مسقط، في إرساء اتفاق إيراني أميركي ينقل المنطقة من حال الحرب والتحشيد والتوتر إلى حال الاستقرار والاتفاق؟ أم أن نتنياهو وموساده سينجح في العودة إلى ضرب إيران كما يتمنى، إذا تمكن من إيجاد ثغرة ما للنفاذ منها بالضغط على ترامب والتصرف على هواه؟

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث