تمّ تداول فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لسيّدة وابنتها، تهدّدان بحرق نفسيهما من أعالي أحد جبال لبنان على ارتفاع 1700 متر، احتجاجاً على قرار البلدية القاضي بإزالة أجزاء غير مرخّصة من مشروع سياحي.
المشهد يُعيد إلى الذاكرة بداية "الربيع العربي" في تونس في العام 2010، حين أضرم محمّد البوعزيزي النار بنفسه احتجاجاً على الجوع والظّلم. وللمفارقة، كان التهديد بالحرق على الجبل أداة للدفاع عن مشروع، يطرح تشييده أساساً أسئلة جديّة حول شرعيّته، إذا ما استندنا إلى الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية (بالرّغم من الحاجة إلى تحديثها، إلّا أنّها تبقى الخطّة الوحيدة الموضوعة في لبنان التي تملك رؤية واستراتيجية للتعامل مع الجغرافيا).
طبعاً، التهديد بإيذاء النفس أمر مُقلق. لكن ما هو مقلق أيضاً هو تحويل التعدّي على القانون إلى موقف مؤثّر، ومطالبة المجتمع التعاطف مع المعتدي. هنا، يُصبح النّقاش مستفزّاً، إذ تتحوّل مُسلَّمة احترام القانون والالتزام بقرارات البلديّة (أو قرارات الحكومة) إلى "وجهة نظر".
أمام هذا الخلل العميق، تشعر أنّك بحاجة إلى مفردات جديدة "تفشّ الخلق"، تُعيد المسلَّمة إلى موقعها الأصلي. فكما أن السلوكيات السّامة تبنّت معجماً خاصاً يمنحها مشروعيّة وهيبة زائفة، كإنماء البلدة وتشجيع السياحة وخلق فرص عمل.. إلخ، كذلك نحتاج إلى معجم مضادّ يُعيد بدوره فرض وقار ألف باء الحياة المشتركة، والخير العام، والمكان العام.
عندما تنقلب الأدوار
يكفي في كثير من الأحيان الحديث عن الشاطئ أو الرصيف، أو الجبل، حتى تشعر بالاستفزاز، وبأن مسألة المكان في لبنان أضحت أزمة سياسية بامتياز ومعركة وجود. فأمام سرديّة المعتدي، يُصبح المدافع عن القانون، والبيئة، والمصلحة العامّة، شخصاً مدعوّاً للشعور بالذنب؛ فهو، بحسب هذا المنطق، يُعرقل النموّ، يمنع فرص العمل، ويعادي المستثمر. في هذا السياق، يولد مفهوم "النرجسيّة الربحيّة": آليّة دفاع نفسيّة واجتماعية، يستخدمها المعتدي لا لتبرير الاعتداء والأذى فحسب، بل لنقل المسؤولية إلى المتضرّر، إلى الضحية، إلى المجتمع الذي يُصبح هو مرتكب الأذى. هكذا، تنقلب الأدوار فيصبح الجلّاد هو الضحيّة.
تُعرّف النرجسية في علم النّفس، بأنّها شكل من أشكال التلاعب العاطفي والنفسي الشديد، حيث يقوم أحد الطرفين بتقويض وتشويه واقع الطرف الآخر بشكل متكرّر من خلال إنكار الحقائق ومشاعر الشريك واحتياجاته. وقد يؤدي ذلك إلى تشكيك الضحيّة في نفسها وتصبح غير قادرة على الوثوق في تصوّراتها وأحكامها. هذا الأمر يمنح النرجسي السيطرة والسلطة على الضحيّة التي يزيد شكُّها في نفسها وتتآكل ثقتها، ما يؤدّي إلى الاعتماد المتزايد على الشريك المتلاعب لفهم الواقع.
في السياسة يتكرّر هذا النّمط: فيتمّ اتّهام المدافعين عن القانون بأنّهم يعطّلون الاقتصاد، أو يُصوّر المدافع عن البيئة كعدوّ للتقدّم. يُستخدم هذا الشّكل من التلاعب النفسي كأداة تسلّط؛ فبدل النّقاش في السلوك المسيء ومحاسبة المعتدي، يتمّ التشكيك في نوايا من يتصدّى له. ولا يكتفي المعتدي بالهيمنة، بل يحصّنها بالقانون كغطاء شرعي لنرجسيّته رافعاً حجّة "كلّ شيء قانوني".
وفي لبنان، نعرف جيّدًا كيف يمكن لأيّ شيء أن يصبح "قانونيًا"، لا سيّما في مجال التنظيم المدني. فالقانون هنا لا يُطبَّق دائمًا بوصفه الإطار الضّامن للصالح العام، بل يُفصَّل أحيانًا على قياس المستفيدين، ويُطوَّع لخدمة مشروع معيّن. حتى تصنيف المناطق، أو أجزاء واسعة وحسّاسة منها، قد يخضع لمنطق المحسوبيات، رغم أنّ التصنيف، في جوهره، ليس إجراءً إداريًا بسيطًا، بل رؤية علميّة واستراتيجية. هو رؤية تُعبّر عن تصوّر لمستقبل المكان الذي يتشكّل نتيجة التفاعل بين المجتمع والسياسة والسلطة. فحين يُختزل التصنيف إلى منفعة فرديّة أو وسيلة لتمرير مشروع خاصّ، نكون بصدد توزيع مكاسب على حساب المصلحة العامّة.
إذلال متكرّر للقانون
في المقابل، يسود نمط آخر لا يقلّ خطورة: اللامبالاة الكاملة بالقانون. تُكرَّس المخالفات والتعدّيات كأمر واقع، على أن تُسوّى لاحقًا. نعرف تمامًا كيف تتحوّل مواسم الانتخابات إلى مواسم لجبّالات الباطون التي تعمل ليلًا، فيما تدخل مخافر الدرك في حالة سبات عميق. هكذا، لا يعود القانون مرجعًا، بل تفصيلاً صغيراً.
أمام هذا الإذلال المتكرّر للقانون وتصوير المعتدي على أنّه فاعل خير واستراتيجي وشجاع، يصبح البحث عن الأخلاق ضرورة لا ترفًا. فعندما تسقط الثقة بالنصّ، وتُهيمن النرجسية الربحية، تبقى الأخلاق الضامن الأخير والمعيار الوحيد. أخلاق تقول، ببساطة، إن سلام المجتمع ومصلحته فوق أي نصّ يُستخدم لتبرير الاعتداء عليه.
وكما أن مفهومنا للاقتصاد مشوّه، كذلك فَهمُنا للملكيّة الخاصّة. بالنسبة لنا، هي تفويض مطلق: أنا أملك، إذاً أنا متحرّر من أي قيود. وإذا وُجدت قيود نسعى بكلّ ما أوتينا من نفوذ وعلاقات ورشاوى لتذليلها من دون أي إحراج؛ فالقانون عقبة، وكسره يمثّل فرصة للمستثمر وللزعيم على حدّ سواء: للأوّل فرصة ربح، وللثاني فرصة تمتين الولاءات.
في دول حقيقيّة من حول العالم، الملكيّة الفردية مقيّدة بحماية البيئة، والتخطيط، والعدالة المكانية. أمّا في لبنان، فصاحب عقار يقرّر مصير جبل!
وضع النقاط على الحروف
في دردشة مع الشاعر فوزي يمين، أعرب عن استغرابه للتحوّل اللافت في علاقة بعض الجماعات بالجبل، وخصوصاً الموارنة الذين ارتبطوا تاريخيّاً بالأرض والجبل كمكان للعيش والصّمود. اليوم، تحوّل الجبل بالنسبة لكثيرين إلى مشهد سياحي ومنصّة تصوير. تساءل يمّين: "هل هي علاقة انتقام؟" تبدّل الجبل من مجال بيئي إلى مجال سياحي، من ارتباط وجودي إلى علاقة استهلاك سطحيّة. طبعاً، من الطبيعي أن يتغيّر أسلوب العيش، لكن أن تتراجع نوعيّة علاقتنا بالمكان هو أمر مُقلق.
في بلد سقط فيه القانون واستُبيحت فيه الجغرافيا، لا يعود الصمت خياراً. تبدأ مواجهة "النرجسية الربحية" برفض سرديّتها وتسمية الأمور بأسمائها: التعدّي هو تعدٍّ، والهيمنة ليست امتيازاً يمنحه حقّ الملكيّة. الدفاع عن الأرض هو شرط من شروط قيام الدولة؛ فكيف نكون "سياديين" والجغرافيا تُنتهك، وكيف نفهم ادّعاء "المقاومة" بأن أرضَنا هي عرضُنا؟
الانتظار لم يعد ممكناً، ومقاربة أزمات هذا البلد لا يجوز أن تبقى خاضعة لمنطق "الأولويات" الذي تفرضه علينا المنظومة الحاكمة. كلّ شيء في لبنان أولويّة؛ من الأمن والدفاع، إلى النفايات والطّرقات، إلى الثّقافة والتعليم والاستشفاء والكهرباء والمياه والتّنظيم المدني. من السائق الذي يرمي الأوساخ من نافذة سيارته، إلى المباني التي تنهار فوق رؤوس ساكنيها، إلى إسرائيل وإيران وسلاح حزب الله.
قد لا نملك تأثيراً على كلّ شيء. فلنضع طاقتَنا بما نملك تأثيراً عليه.




