لبنان بين الشعبوية والمنظومة الآيلة إلى السقوط

مصطفى علّوشالخميس 2026/02/12
Image-1770810850
المواطن المستقل اقتصاديًا يصبح أقل قابلية للضبط السياسي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"وليس يصح في الإفهام شيء   إذا احتاج النهار إلى دليل" )المتنبي(

 

قد يظن البعض أن الحديث في غير مكانه اليوم عن المنظومة الآيلة للسقوط في حين أن الأبنية تسقط على الناس، والوقت اليوم لكيل الاتهامات بالتقصير والعجز، كما لبلسمة جراح عميقة لا يمكن اختصارها بالأبنية المتصدعة، بل بهيكل عام عاش على ترقيع فوق ترقيع، متحاشيًا الاعتراف بأنه آيل إلى السقوط فوق ناسه. من هنا أبدأ الكلام الصريح، فتدعيم البناء غير القابل للتدعيم لا يمنع سقوطه فحسب، بل يمنع خيار هدمه بشكل مبرمج، في سبيل بناء آخر متين. لكن خوف الناس من أن يهدم بناء ولا يبنى مكانه. 

 

عن التدمير الإبداعي والأمم الفشلة: 

في كتاب "لماذا تفشل الأمم"، يروي الاقتصاديان دارون عاصم أوغلو وجيمس روبنسون قصة تبدو بعيدة زمنيًا لكنها رمزية لحالنا. ففي العام 1589، رفضت الملكة إليزابيث الأولى منح براءة اختراع لمخترع آلة لحياكة الجوارب، بحجة أنها ستؤدي إلى بطالة واسعة، وتجعل الرعايا متسولين. كان خوف الملكة ليس على الرعايا بل لأن فقدان الدخل الضئيل قد يعني اضطرابات اجتماعية تهدد استقرار الحكم. هذه القصة تُستخدم لتوضيح مفهوم الاقتصادي جوزيف شومبيتر وهو "التدمير الإبداعي". فالتقدم الاقتصادي لا يحدث من دون أن يحل الجديد محل القديم، والتكنولوجيا ترفع الإنتاجية وتخلق فرصًا جديدة، لكنها في الوقت نفسه تُنهي مهنًا ومصالح قائمة. وهنا تكمن المشكلة. فالنخب السياسية والاقتصادية تخشى هذا التحول، لأن التغيير يعيد توزيع موازين القوة داخل المجتمع. في لبنان اليوم، تبدو هذه الفكرة كأنها وصف دقيق لواقع بلد يعيش أزمة ممتدة، حيث تتحول الشعبوية من خطاب انتخابي إلى آلية بقاء لمنظومة كاملة، ويُستخدم شعار "الخوف على الناس" كذريعة لتعطيل أي إصلاح حقيقي.

تعتمد الشعبوية الاقتصادية على منطق بسيط لكنه فعال، وهو التركيز على الخسائر الفورية لأي تغيير، وتجاهل مكاسبه المستقبلية. فتكلفة الإصلاح تكون مرئية ومباشرة، بينما فوائده تأتي تدريجيًا وعلى نطاق أوسع. هذا الفارق الزمني هو المجال المثالي للخطاب العاطفي. في الحالة اللبنانية، يمكن رصد ثلاث آليات أساسية تُستخدم لتعطيل ما يمكن اعتباره شكلًا ضروريًا من التدمير الإبداعي.

أولاً: قدسية الودائع ومنع إعادة الهيكلة. منذ بداية الأزمة المالية، رُفع شعار "لن يُمسّ قرش واحد من أموال المودعين". يبدو الشعار ذو طابع أخلاقي، لكنه عمليًا عرقل إعادة هيكلة القطاع المصرفي. فالخسائر وقعت بالفعل، لكن رفض الاعتراف بها أدى إلى توزيعها بطريقة غير شفافة بتبخر تدريجي للقيمة عبر التضخم وانهيار سعر الصرف وقيود غير قانونية على السحوبات. في المقابل، تم تأجيل أي مسار واضح لتحميل المسؤولية الأصليين والمساهمين من كبار المستفيدين. النتيجة هي قطاع مصرفي مشلول، غير قادر على تمويل الاقتصاد، ومجتمع فقد الثقة بالنظام المالي بالكامل.

ثانيًا: القطاع العام كشبكة زبائنية. تحت شعار حماية العائلات من البطالة، يستمر تضخم القطاع العام رغم عجز الدولة عن تمويله. الوظيفة العامة لم تعد أداة خدمة عامة بقدر ما أصبحت أداة ولاء سياسي. أي محاولة لإعادة هيكلة الإدارة تُقدَّم على أنها استهداف اجتماعي، بينما الحقيقة أن استمرار الوضع الحالي يمنع قيام جهاز إداري فعال قادر على دعم اقتصاد حديث.

ثالثاً: سياسات الدعم غير الموجه. قبل رفع الدعم، استنزفت الدولة احتياطياتها لدعم سلع أساسية بحجة حماية الفقراء. لكن الجزء الأكبر من الدعم ذهب إلى التهريب أو الاستهلاك غير العادل. فالدعم الشامل بدا كسياسة اجتماعية، لكنه في الواقع كان أحد أسرع طرق استنزاف الموارد العامة من دون حماية حقيقية للفئات الأكثر هشاشة.

 

لماذا تخشى المنظومة الإصلاح؟

التدمير الإبداعي لا يهدد فقط المؤسسات الاقتصادية الفاشلة، بل يهدد بنية السلطة نفسها. فعندما تظهر قطاعات جديدة أكثر إنتاجية، تنشأ معها طبقات اقتصادية مستقلة، ومصادر دخل لا تمر عبر شبكات الزبائنية. والمواطن المستقل اقتصاديًا يصبح أقل قابلية للضبط السياسي. لهذا السبب، يتم تقديم الاستقرار في خضم الانهيار، كخيار أفضل من المخاطرة بالتغيير. وهنا، الخطاب الشعبوي يقوم على معادلة ضمنية هي القليل من الأمان اليوم مقابل التخلي عن إمكانات النمو غدًا.

لكن، إذا كان لبنان يريد الخروج من أزمته، فإن الإصلاح لن يكون عملية تجميلية، بل سلسلة قرارات صعبة تشبه الجراحة أكثر مما تشبه العلاج المحافظ. ويمكن تلخيص مسار إصلاحي واقعي في أربعة محاور. أولها الاعتراف بالخسائر وتوزيعها بعدالة من خلال المصارحة لأن الخسائر المالية وقعت ولا يمكن تجاهلها. إعادة هيكلة المصارف تعني إقفال المؤسسات غير القابلة للحياة، ودمج أخرى، وتحميل المساهمين وكبار الدائنين الجزء الأكبر من الخسائر قبل المساس بصغار المودعين. هذا هو التدمير الإبداعي في القطاع المالي، بإنهاء نموذج قديم قائم على تمويل الدولة، وبناء قطاع قادر على تمويل الاقتصاد الحقيقي.

 

ثانيًا، بفصل الاقتصاد عن مبدأ الزبائنية. الكهرباء، الاتصالات، المرافئ، وسواها من المرافق يجب أن تتحول من أدوات سياسية إلى مؤسسات خدمية إنتاجية. إن إدخال القطاع الخاص أو اعتماد نماذج إدارة مستقلة وشفافة، يمكن أن يحول هذه القطاعات من مصادر عجز إلى محركات نمو، ويضع حداً لاستخدامها كمخازن توظيف سياسي. ثالثاً، استبدال الدعم العشوائي الشامل بشبكات أمان تستهدف القطاعات الأكثر حاجة. فبدلًا من دعم السلع للجميع، يمكن اعتماد تحويلات نقدية مباشرة للأسر الأكثر فقرًا. هذا النموذج يحمي الفئات الهشة من دون تشويه الأسعار أو خلق اقتصاد تهريب، ويحرر السوق ليعمل بكفاءة أكبر. وهذا الإجراء قائم حاليًا وإن بشكل عشوائي. رابعًا، أي استثمار أو ابتكار يحتاج إلى بيئة قانونية موثوقة. واستقلال القضاء ليس مطلبًا سياسيًا فقط، بل شرط اقتصادي أساسي. فالمستثمر لا يدخل اقتصادًا لا يمكن فيه تنفيذ العقود أو محاسبة الفساد.

المشكلة الأساسية ليست في معرفة ما يجب فعله، بل في القدرة على فعله. فالمؤسسات التي يصفها الباحثون الاقتصاديون بأنها "استخراجية" صُممت لحماية مصالح النخبة القائمة. والنظام السياسي القائم يحد من فرص وصول قوى إصلاحية قادرة على اتخاذ قرارات غير شعبية في المدى القصير. تاريخيًا، لا يحدث التحول في مثل هذه الحالات إلا تحت ضغط مزدوج. ضغط داخلي من رأي عام مدرك لحدود الخطاب الشعبوي، وضغط خارجي مرتبط بالتمويل أو الشروط الدولية. لكن الشرط الأهم يبقى تغيّر الوعي العام بإدراك أن الوعود بحماية الجميع من دون إصلاح هي في حد ذاتها أحد أسباب استمرار الانهيار.

 

التدمير الإبداعي ليس عملية مريحة. هو يعني إقفال مؤسسات، فقدان وظائف في قطاعات معينة، وإعادة توزيع مؤلم للثروة والخسائر. لكن البديل ليس الحفاظ على الوضع القائم، بل استمرار التآكل البطيء للاقتصاد والمجتمع. التجربة التاريخية تظهر أن الدول التي تسمح بالتغيير، حتى عندما يكون مكلفًا، تفسح المجال لتبني مؤسسات أكثر قدرة على النمو. أما الدول التي تؤجل الإصلاح خوفًا من الاضطراب، فإنها غالبًا ما تواجه الانهيار الشامل الذي لا يمكن التحكم به.في لبنان، لم يعد السؤال ما إذا كان التدمير الإبداعي سيحدث، بل كيف سيحدث؟ أهو بشكل منظم وعادل، أم عبر انهيار غير منضبط يوزع الخسائر عشوائيًا على المجتمع كله؟ 

 

أزمة لبنان: بين السلاح والزبائنية… لماذا المشكلة أعمق من أي ملف واحد؟

كثيرًا ما يُختزل النقاش حول أزمة الدولة في لبنان في مسألة سلاح حزب الله، باعتباره عائقًا أمام سيادة الدولة واحتكارها للعنف الشرعي. هذا التوصيف ليس خاطئًا، لكنه غير كافٍ. فالمشكلة اللبنانية أعمق وأكثر تعقيدًا، إذ إن جذور الانهيار تعود إلى بنية سياسية اقتصادية قائمة على نظام الشراكة الزبائنية، وهي منظومة تعيق الإصلاح بغضّ النظر عن أي ملف أمني أو سيادي منفرد. فلبنان لم يفشل بسبب عامل واحد، بل بسبب تداخلتعددية مراكز القوة واقتصاد ريعي منهك ونظام سياسي يقوم على توزيع المنافع بدلًا من بناء المؤسسات. وفي هذا السياق، تبدو سياسات الحكومة الحالية أقرب إلى إدارة التوازنات داخل المنظومة، لا إلى الخروج منها.

من الواضح هو أن وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة يمثل تحديًا لمفهوم السيادة، لأنه يحد من قدرة الدولة على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة. لكن التجربة اللبنانية تظهر أن ضعف الدولة سبق هذا الملف وتجاوزه. فالدولة اللبنانية لم تكن، في معظم مراحلها، دولة مؤسسات حديثة، بل دولة تسويات طائفية زعاماتية. السلطة فيها لا تُمارس عبر قواعد عامة، بل عبر تفاهمات بين شبكات سياسية–طائفية تتقاسم الموارد والنفوذ. ضمن هذا النظام، يصبح الإصلاح البنيوي تهديدًا لمصادر الريع التي تقوم عليها الزعامة السياسية. بمعنى آخر، حتى لو حُلّ أحد الملفات الكبرى، فإن المنظومة الزبائنية نفسها قادرة على إعادة إنتاج الأزمة.

تقوم الزبائنية السياسية في لبنان على معادلة بسيطة هي أن الدولة لا تُدار كمؤسسة عامة، بل كمجموعة موارد يتم توزيعها مقابل الولاء. تظهر هذه الآلية في عدة مجالات منها الوظيفة العامة كأداة سياسية بدل كونها حاجة إدارية. والكهرباء، الاتصالات، والمرافئ تُستخدم كمصادر نفوذ.والإنفاق العام يوجَّه لخدمة قواعد انتخابية بدل الاستثمار الإنتاجي. أما القطاع المصرفي فقدشكّل جزءًا من منظومة تمويل الدولة مقابل حماية سياسية.هذا النموذج خلق اقتصادًا قائمًا على الريع والتحويلات والديون، لا على الإنتاج. ومع الوقت، أصبحت كل شبكة سياسية تعتمد على استمرار هذا النظام للبقاء.

من هنا، فإن الإصلاح الحقيقي في لبنان يعني تقليص القطاع العام غير المنتج وإعادة هيكلة المصارف وإلغاء الاحتكارات وإصلاح قطاع الكهرباء وفرض الشفافية والمساءلة. لكن كل خطوة من هذه الخطوات تعني خسارة مباشرة لأحد أطراف المنظومة.ولهذا، تتفق القوى المتنافسة على قاعدة غير معلنة هي أن الصراع السياسي مسموح، لكن المساس بأسس النظام الريعي خط أحمر. هذه هي المفارقة اللبنانية المضحكة المبكية بصراعات حادة في الخطاب، مقابل توافق عميق على حماية قواعد اللعبة.

 

الحكومة الحالية: إدارة الأزمة أم كسرها؟

حتى الآن، لا توحي سياسات الحكومة بأنها تسير نحو تفكيك الزبائنية. ويمكن ملاحظة ذلك في ثلاثة مؤشرات أساسية: لم يتم حتى الآن اتخاذ خطوات حاسمة في ملفات مثل إعادة هيكلة شاملة للمصارف ولا إصلاح جذري للكهرباء ولا ضبط فعلي للإنفاق العام. فالنهج السائد هو التدرج الحذر الذي يهدف إلى تجنب صدام مع مراكز النفوذ. وبدلًا من إعادة بناء الإدارة على أساس الكفاءة، ما زال منطق المحاصصة حاضرًا في التعيينات والقرارات، وإن بصيغ أكثر هدوءًا من السابق.تعترف الحكومة بحجم الأزمة، لكنها تتحرك ضمن هوامش سياسية ضيقة، ما يجعلها أقرب إلى إدارة الانهيار منه إلى تغييره. إذ تكمن المشكلة في أن الزبائنية ليست مجرد فساد أو سوء إدارة، بل هي نظام حماية اجتماعية غير رسمي، ففي ظل غياب دولة رفاه فعالة، يعتمد كثير من المواطنين على الزعيم للحصول على وظيفة أو خدمة أو مساعدة.لذلك، فإن تفكيك الزبائنية من دون بناء بديل اجتماعي قد يُفسَّر كتهديد مباشر للأمن المعيشي. وهنا تكمن المعضلة: الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى تقليص الريع، لكن الاستقرار الاجتماعي يحتاج إلى بدائل حماية.

من هنا، فإن تلخيص الأزمة اللبنانية في حلقة مترابطة هي اقتصاد ضعيف واعتماد على الزبائنية وضعف المؤسسات وهروب الاستثمار ثم مزيد من الضعف الاقتصادي. وفي ظل هذه الحلقة المفرغة، يصبح أي إصلاح جزئي غير كافٍ، لأن المنظومة تعيد إنتاج نفسها عبر مراكز متعددة للقوة والمصلحة.

 

الخروج من هذه البنية يتطلب تحولات إدارية واقتصادية متزامنة ذكرتها سابقًا، لكن الأهم من ذلك هو تغيير القاعدة السياسية بالانتقال من دولة الحصص إلى دولة المؤسسات والقانون. وهذا يعني حكومة محررة من الرضى الشعبوي، تأتي لتنجز من دون الالتفات إلى رضى المنظومة، وهو مستحيل بظل موازين القوى الدستورية ومن دون وصاية مفروضة.

الخلاصة هي: صحيح أن مسألة السلاح تمثل تحديًا أساسيًا، لكنها ليست السبب العميق للأزمة اللبنانية. المشكلة الأعمق هي نظام سياسي-اقتصادي يجعل جميع الأطراف شركاء في حماية الوضع القائم. في هذا السياق، لا يبدو أن السياسات الحالية تشكل قطيعة مع هذا النموذج، بل تميل إلى إدارة التوازنات داخله. والخروج الحقيقي من الأزمة لن يأتي من معالجة ملف واحد، بل من تفكيك البنية التي جعلت الدولة نفسها جزءاً من نظام توزيع المنافع، لا إطاراً للمصلحة العامة.

لبنان لا يواجه فقط أزمة سيادة أو اقتصاد، بل أزمة نموذج حكم. فأي حديث عن التعافي يبقى محدودًا ما لم يبدأ التحول من دولة الزبائن إلى دولة المواطنين.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث