الحكومة وحقل الألغام: شروط واشنطن لنزع السلاح وقنبلة الرواتب

مانشيت - المدنالخميس 2026/02/12
مجلس الوزراء (الوكالة الوطنية)
تكتسب جلسة مجلس الوزراء المرتقبة حول "خطة حصر السلاح" معنىً يتجاوز الداخل اللبناني. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

فيما يشارك الرّئيس نوّاف سلامٌ في "مؤتمر ميونيخ للأمن"، تواجه حكومته والعهد اختبارًا صعبًا أمام استحقاقاتٍ ميدانيّةٍ وماليّةٍ لا تقبل التّأجيل. وقد أظهر ذلك اليوم جدول أعمال مجلس الوزراء، الّذي تأجّل إلى الإثنين بسبب سفره.

الاستحقاق الأوّل عسكريّ، ويتعلّق بطرح قائد الجيش العماد رودولف هيكل خطّته للمرحلة الثّانية من عمليّة حصر السّلاح. فقد عاد هيكل من واشنطن الّتي تطالب بـ"خارطة طريقٍ" لا لبس فيها، أي بتنفيذٍ جدّيٍّ وحاسمٍ لخطّة حصر السّلاح في منطقة شمال الليطاني. وهذا يعني، عمليًّا، أنّ الضّغط الأميركيّ يشكّل شرطًا لاستدامة التّغطية الأميركيّة، السّياسيّة والماليّة والعسكريّة، للدّولة اللّبنانيّة. فكيف سيوازن لبنان الرّسميّ بين التزامه المبدئيّ بحصر السّلاح ومنطق الحفاظ على الاستقرار مع حزب الله؟

الاستحقاق الثّاني ماليّ. ففيما يفاوض وزير المال ياسين جابر وفد صندوق النّقد الدّوليّ، تبرز بنود الرّواتب والمنح للعسكريّين وللقطاع العامّ كقنبلةٍ موقوتةٍ، إذ لا قدرة للدّولة على الدّفع، كما أكّد الوزير مرارًا. وإذا جرى الإخلال بالوعد الّذي قطع للعسكريّين بتلبية المطالب في شباط، فقد يصطدم الجميع بجدار الواقع الماليّ الصّعب، ويرتفع الضّغط في الشّارع.

هذان الاستحقاقان اللّذان سيواجههما مجلس الوزراء يتزامنان مع المأزق المقيم والدّائم، أي إعمار الجنوب وعودة الأهالي إلى القرى المدمّرة، إذ تستمرّ إسرائيل في ممارسة الابتزاز: نزع السّلاح هو الشّرط الوحيد مقابل الإعمار. وفي ظلّ هذه المعادلة، لا يبرز مأزق الحكومة في تأمين تمويلٍ خارجيٍّ للإعمار فحسب، بل أيضًا في كيفيّة لجم الاعتداءات الإسرائيليّة الّتي تحبط كلّ محاولةٍ إعماريّةٍ جنوبًا. وتاليًا، فإنّ الدّول المانحة لن تضخّ دولارًا واحدًا في مناطق لا تزال تعتبرها "مناطق نزاعٍ". وهذا ما يجعل الجنوب "جرحًا مفتوحًا" يستنزف رصيد الحكم والحكومة المحاصريْن من جوانب مختلفةٍ.

 

 تقرير الجيش يتحوّل إلى امتحان قرار
الإثنين 16 شباط 2026، عند الثّالثة والنّصف بعد الظّهر، يلتئم مجلس الوزراء في القصر الجمهوريّ على جدول أعمالٍ يبدو في ظاهره إداريًّا، لكنّه في جوهره سياسيٌّ بامتياز. فالبند الأوّل الّذي يفرض نفسه هو عرض قيادة الجيش للتّقرير الشّهريّ المتّصل بـ"خطّة حصر السّلاح في المناطق اللّبنانيّة كافّةً"، تنفيذًا لقراراتٍ حكوميّةٍ سابقةٍ، وسط نقاشٍ يتجاوز التّفاصيل الإجرائيّة إلى سؤال القدرة على التّنفيذ: ماذا أنجز فعليًّا، وأين تعثّر المسار، وكيف تدار المتابعة، وما حدود التّنسيق بين الأجهزة المعنيّة كي لا تتحوّل المرجعيّات إلى عوائق إضافيّة؟

مصدر ثقل الجلسة لا يعود فقط إلى حساسيّة الملفّ داخليًّا، بل إلى توقيته الخارجيّ أيضًا. فالتّقرير المنتظر يفترض أن يوفّر مادّةً رسميّةً تبنى عليها مقاربة الدّولة في الأيام الّتي تسبق "مؤتمر دعم الجيش" في باريس، بحيث لا يعود المطلوب مجرّد إعلان نيّاتٍ، بل إبراز ما تستطيع الحكومة تقديمه كوقائع ضبطٍ وسيطرةٍ، وما تحتاجه لاستكمال المسار من تجهيزاتٍ واعتماداتٍ، والأهمّ من ذلك، من غطاءٍ سياسيٍّ واضحٍ يحمي القرار ويمنع تفريغه في الميدان.

 

زيارة الحريري: عودة؟
على خطٍّ داخليٍّ موازٍ، تتقدّم زيارة الرّئيس سعد الحريري إلى بيروت ليل الخميس لإحياء ذكرى 14 شباط بوصفها أكثر من محطة وفاءٍ لرفيق الحريري. إنّها مناسبةٌ تعيد وضع المزاج السّنّيّ تحت المجهر، وتفتح الباب أمام أسئلةٍ كبرى حول ما إذا كانت الذّكرى ستبقى في حدود الرّمزيّة، أم تتحوّل إلى نقطة انعطافٍ تنهي سنوات التّجميد وتعيد ترتيب البيت الدّاخليّ.

في هذا السّياق، تتقدّم مؤشّراتٌ تنظيميّةٌ ولوجستيّةٌ تقرأ كإشارةٍ إلى جديّة التحرّك، من بينها مرافقة النّائبة السّابقة بهيّة الحريري للقاءات المرتقبة بعد إلغاء مواعيدها في صيدا. أمّا السّياسة، فتتجمّع في أجندة لقاءاتٍ مفترضةٍ مع الرّؤساء جوزاف عون ونبيه برّي ونوّاف سلام، إضافةً إلى شخصيّاتٍ حزبيّةٍ، حيث سيقاس وزن الزيارة بنوع الرسائل الّتي تحملها، لا بعدد المصافحات الّتي تنتجها.

وعلى الرّغم من توقّعاتٍ بتعبئةٍ شعبيّةٍ في الذّكرى، إلّا أنّ الشّكوك لا تزال حاضرةً: فسيناريو "عودةٍ وشيكةٍ" تكرّر مرارًا منذ الاعتكاف ثمّ انتهى بمغادرةٍ جديدةٍ، ما أبقى السّاحة السّنّيّة في حلقة انتظارٍ طويلةٍ. ومع ذلك، تلمّح أوساطٌ إلى أنّ متغيّراتٍ إقليميّةً وداخليّةً قد تدفع هذه المرّة نحو قرارٍ مختلفٍ، بحيث تصبح الذّكرى اختبارًا عمليًّا: هل يعود "المستقبل" إلى العمل السّياسيّ والانتخابيّ، أم يستمرّ الفراغ مع مزيدٍ من التّفتّت؟


في موازاة ذلك، لا يمكن قراءة حركة الشّارع السّنّيّ ولا تردّد القوى الأخرى من دون عينٍ على الاستحقاق الانتخابيّ. فكلّ ملفٍّ مطروحٍ على الطاولة سيتحوّل، عاجلًا أو آجلًا، إلى مادّة بازارٍ انتخابيّ: من يتحمّل كلفة أيّ قرارٍ ماليٍّ مرتبطٍ بالرّواتب والمنح؟ ومن يقطف ثمار خطاب "استعادة الدّولة" في ملفّ السّلاح؟ وكيف ستنعكس أيّ عودةٍ للحريري على توازنات الدّوائر والتمثيل داخل البيئة السّنّيّة، ثمّ على صورة الأكثرية الّتي تنتجها صناديق الاقتراع؟

هكذا، تقترب البلاد من مرحلةٍ تقاس فيها القرارات ليس فقط بجدواها، بل بربحها وخسارتها الانتخابيّة، ما يزيد احتمالات التّأجيل والمناورة، ويجعل الإصلاح نفسه رهينة حسابات الصّوت والتّحالفات.

 

الأجواء الإقليميّة

إقليميًّا، الإعلام العبريّ أجمع على أنّ لقاء نتنياهو وترامب في واشنطن، أمس الأربعاء، كان الأكثر "استثنائيّةً وسرّيّةً"، وأنّ التعتيم الواسع وغياب المؤتمرات الصّحافيّة ليسا تفصيلًا، بل إشارةٌ إلى ملفٍّ بالغ الحساسيّة، في طليعته إيران و"الخطّة ب" إذا فشلت المفاوضات. بعض القراءات ذهبت إلى أنّ الطاولة تضمّ احتمالاتٍ متعدّدة: اتفاقًا بشروطٍ أشدّ، أو ضربةً أميركيّة، أو عمليّةً إسرائيليّة بضوءٍ أخضر، وربّما سيناريو مركّبٌ "مفاجئ".

لكنّ الأهمّ، بالنسبة لبيروت، ليس ما قيل داخل الغرفة بقدر ما يعنيه هذا الصّمت للبنان. فحين توضع إيران على طاولة "الحسم"، تسحب معها تلقائيًّا أوراق نفوذها في المنطقة، وتعاد صياغة قواعد الاشتباك. ولبنان، بما يمثّله جنوبه، وبما يعنيه ملفّ السّلاح شمال الليطاني، يصبح إحدى ساحات اختبار هذه المرحلة: إمّا أن يقدّم "إثبات التزامٍ" سريعًا يقطع الطريق على الذرائع، أو أن يتحوّل إلى هامشٍ ساخنٍ في لعبة الضغوط المتبادلة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهةٍ أخرى.

من هنا، تكتسب جلسة مجلس الوزراء المرتقبة حول "خطّة حصر السّلاح" معنىً يتجاوز الداخل اللبنانيّ. فالمجتمع الدّوليّ الّذي يضغط لاستكمال المسار قبل "مؤتمر دعم الجيش" في باريس، لا يفعل ذلك فقط لأنّه يريد "نجاح المؤتمر"، بل لأنّه يقرأ المنطقة على إيقاع واشنطن: كلّ تأخيرٍ في بيروت قد يترجم في تل أبيب كنافذةٍ مفتوحةٍ لتصعيدٍ جديد، وكلّ تقدّمٍ محسوبٍ قد يستخدم كحجّةٍ لإبعاد لبنان عن خطّ النار.

وفي ظلّ هذه الأجواء، يطلّ موعد 5 آذار 2026 في باريس كاختبارٍ إضافيٍّ لهيبة الدّولة وقدرتها على إقناع المانحين بأنّ الدعم لن يذهب في الفراغ، ويسبق ذلك جلسة للميكانيزم في 25 شباط. ومن هنا تتقاطع الحركة الدّاخليّة مع الاستعدادات الرسميّة. الرسالة الّتي يحملها هذا المسار أنّ لبنان لا يفاوض على المال وحده، بل على الثّقة: ثقة الخارج بقدرة الحكومة على ترجمة الوعود إلى خطواتٍ، وثقة الدّاخل بأنّ الاستقرار ليس مجرّد هدنةٍ مؤقّتةٍ تدار بالتّسويات، بل مسار دولةٍ تمسك بقرارها وتعرف كيف تدير استحقاقاتها من دون أن تنفجر في وجهها.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث