لبنان وتحديات الحصار.. إسرائيل: حزب الله ما زال يموّل بيئته

مانشيت - المدنالأربعاء 2026/02/11
Image-1764846406
يتشكل مشهدٌ سياسي مزدوج الإيقاع. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لحظة الأنفاس المقطوعة محلّيًّا وإقليميًّا، انتظارًا لما ستنتهي إليه محادثات بنيامين نتنياهو في واشنطن اليوم، وما إذا كان سينجح في تسويق خطط التوسّع العسكريّة بدل التسويات السياسيّة، مع إيران كما مع لبنان وغزّة وسواهما، بقيت الساحة اللبنانيّة اليوم تحت تأثير ملفّات داخليّة بالغة الأهمّيّة، ذات طابع سياسيّ واقتصاديّ وقضائيّ واجتماعيّ. فبعد انطلاق فترة الترشيحات للانتخابات النيابيّة، جرى اليوم تقويم لهذا الملفّ من جوانبه السياسيّة والإداريّة بين رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ووزير الداخليّة أحمد الحجّار. وبمعزل عمّا إذا كانت الانتخابات ستتمّ في موعدها أم لا، فإنّ القوى السياسيّة كلّها تبدو منكَبّةً على ترتيب البيت الداخليّ وتحديد "أحصنة اللّعب" الّتي ستخوض بها السّباق. 

وفي هذه الفترة الحسّاسة، تصبح كلّ الملفّات عرضةً للاستثمار السياسيّ والانتخابيّ، من مآسي طرابلس، إلى رواتب العسكريّين، فملفّ تفرّغ الأساتذة في الجامعة اللبنانيّة.وفي سياقٍ موازٍ، تبرز نافذة دعم الجيش عبر اجتماع "الميكانيزم" في 25 شباط، تمهيدًا لمؤتمر 5 آذار لدعم المؤسّسة العسكريّة، في محاولةٍ لضبط الإيقاع بين المتطلّبات اللبنانيّة وشروط المانحين.

وفي أوّل تطوّر حقيقيّ في ملفّ انفجار المرفأ منذ فترة طويلة، جاء قرار الهيئة الاتّهاميّة منع المحاكمة عن المحقّق العدليّ طارق البيطار في دعوى اغتصاب السّلطة، ليفتح الباب مجدّدًا أمامه للمضيّ في إجراءاته وصولًا إلى القرار الاتّهاميّ، في ظلّ ما وُصف بـ"الاندفاعة القضائيّة غير المسبوقة".

أمّا في الاقتصاد، فالأبرز هو زيارة وفد صندوق النقد الدّوليّ للبنان، حيث سيتمّ البحث في تفاصيل الفجوة الماليّة، والتعديلات المطروحة على قانون إصلاح المصارف، والمقاربات الّتي سيتمّ اعتمادها لموازنة 2027. وتُعوّل وزارة المال على تطوير هذه المحادثات لعلّها تُفضي لاحقًا إلى توقيع اتّفاق مبدئيّ جديد مع الصندوق، كالّذي وُقّع عام 2022، لكنّه لم يُنفَّذ بسبب عدم اكتمال الشروط المناسبة.

على هذه الخلفيّة، يتشكّل مشهدٌ سياسيّ مزدوج الإيقاع: إيقاع خارجيّ يضغط من بوّابة واشنطن وحدود الحرب والتسويات، وإيقاع داخليّ يتقدّم فيه الاستحقاق النيابيّ ليحوّل كلّ ملفّ إلى مادّة تعبئة، من طرابلس إلى سلسلة الرتب، وصولًا إلى الجامعة. وبين الإيقاعين، تتدحرج كرة الثلج القضائيّة والماليّة والأمنيّة معًا، كأنّ البلد يُساق إلى سباقٍ واحدٍ على أكثر من حلبة.

 

البيطار بلا قيود

في القضاء، ليس تفصيلًا قرار الهيئة الاتّهاميّة بمنع المحاكمة عن المحقّق العدليّ في قضيّة انفجار المرفأ طارق البيطار. فالقرار، بما يحمله من رفعٍ عمليّ للقيد الّذي كبّل التحقيق لأكثر من عامين، أعاد فتح الطريق أمام المرحلة الأكثر حساسيّة، ختم التحقيقات وإحالة الملفّ إلى النيابة العامّة التمييزيّة لإبداء المطالعة تمهيدًا للقرار الاتّهاميّ. ووفق معطيات متداولة، سبق صدور القرار نقاشٌ قانونيّ واسع داخل الهيئة، قبل أن يُصار إلى تصديق قرار قاضي التحقيق حبيب رزق الله، وردّ الاستئناف المقدَّم من النائب علي حسن خليل.

والأهمّ سياسيًّا، أنّ عودة البيطار إلى الأمام لا تطرق باب العدالة فحسب، بل تطرق أبواب التوازنات كلّها. إذ إنّ أيّ خطوة استدعاء أو إجراء وجاهيّ ستعيد خلط الأوراق بين القوى الّتي تريد الملفّ "مُقفلًا" بالقانون أو بالتسويات، وتلك الّتي تريد فتحه كاملًا مهما كانت الأكلاف. وما يزيد المشهد توتّرًا أنّ المرحلة المقبلة، بحسب المسار المتوقَّع، تتضمّن استدعاء شخصيّات جديدة، وانتظار أجوبة الاستنابات الخارجيّة، ثمّ الانتقال إلى آليّة تنفيذ القرارات، بين منع المحاكمة أو مذكّرات التوقيف أو ترك المدّعى عليهم بسند إقامة، بما يجعل الملفّ، مرّةً أخرى، نقطة اشتباك بين القضاء والسياسة بدل أن يكون مساحة حسمٍ قانونيّ.

 

"وصفة الإصلاح"

وفي موازاة ذلك، يفتح الاقتصاد نافذة تفاوضٍ مع صندوق النقد الدّوليّ، لكنّها نافذة محفوفة بالشروط. فالبحث في الفجوة الماليّة وإصلاح المصارف وموازنة 2027 ليس تمرينًا تقنيًّا، بل اختبارٌ لقرارٍ سياسيّ مؤجّل منذ سنوات، من يدفع الكلفة، وكيف تُوزَّع الخسائر، وأيّ نموذج دولة يُراد بعد الانهيار. وفي بلدٍ يدخل عمليًّا مدار الاستحقاق النيابيّ، تصبح "وصفة الإصلاح" عرضةً للمزايدة، تمامًا كما هي عرضةٌ للتعطيل، لأنّ الإصلاح الحقيقيّ يفرض قرارات غير شعبيّة لا يحبّها موسم الانتخابات.

 

الحزب والمال والحصار 

ولكن، في الموازاة، تواظب إسرائيل على الإيحاء، عبر تقارير مراكز أبحاثها، بأنّ الحرب لم تكسر بعد "سلسلة الاعتماد" داخل البيئة الحاضنة لحزب الله، وأنّ شريحةً واسعة من الناس ما زالت، في تفاصيل الإيواء والمعيشة والتعويضات، مضطرّة إلى الاتّكاء على قنوات الحزب. وفي هذا السياق، أشار معهد "ألما" الإسرائيليّ للدراسات الأمنيّة والاستراتيجيّة إلى استمرار نشاط مؤسّسة "القرض الحسن"، لافتًا إلى إعلانها في 6 شباط استئناف مدفوعات الإسكان المؤقّت للعائلات الّتي دُمّرت منازلها في الحرب، مع الحديث عن تحويل هذه المدفوعات عبر آليّات مدنيّة، أبرزها "جهاد البناء". والرسالة التي تريد إسرائيل تثبيتها هنا ليست تقنيّة ماليّة بقدر ما هي سياسيّة، إنّ مسار العقوبات والضغوط لم يُسقط بعد شبكة الخدمات الّتي تُبقي الحزب حاضرًا في يوميّات جمهوره، وإنّ الفجوة الّتي تتركها الدولة تتحوّل، تلقائيًّا، إلى مساحة نفوذٍ بديل.

وتزامن هذا التقدير مع إعلان الشيخ نعيم قاسم أمس تخصيص بدلات إيواء للأهالي المدمرة منازلهم لثلاثة أشهر مقبلة. كما يتقاطع مع مسارٍ التشدد الأميركيّ، إذ كانت وزارة الخزانة الأميركيّة قد أعلنت أمس الثلاثاء فرض عقوبات جديدة على عناصر مرتبطين بحزب الله، على خلفيّة "مشاركتهم في مخطّطات منظّمة للتهرّب من العقوبات واستغلال القطاع الماليّ غير الرسميّ". وقالت الوزارة إنّ المستهدفين شاركوا في شبكات تهدف إلى الالتفاف على القيود المفروضة عبر مؤسّسة "القرض الحسن"، مشيرةً إلى أنّ "شركة الذهب" التابعة للمؤسّسة عملت على تحويل الاحتياطات إلى أموال قابلة للاستخدام بما يسهّل تمويل الحزب. 

 

هيكل وطموحات المؤتمر والدعم

وفي موازاة ضغط العقوبات وتعثّر الدولة، روزنامة قائد الجيش العماد رودولف هيكل مثقلة بجولاتٍ على العواصم المؤثّرة، لحشد أكبر دعمٍ للمؤسّسة العسكريّة. من باريس إلى واشنطن ثمّ الرياض، تتبدّل العناوين فيما يبقى الجوهر واحدًا، عرض الجهد الّذي يبذله الجيش اللبنانيّ لحصر السلاح بيده، والتحدّيات الّتي يواجهها، لوجستيًّا وعمليّاتيًّا، فضلًا عن الانتهاكات الإسرائيليّة الّتي تعيق انتشاره. وآخر فصول هذه الحركة المكوكيّة كانت مشاركة العماد هيكل في "معرض الدفاع العالميّ 2026" بدعوةٍ من المملكة العربيّة السعوديّة، حيث عقد سلسلة لقاءات عسكريّة وأمنيّة على هامش المعرض، منها مع قائد الجيش السعوديّ ورئيس هيئة الأركان السعوديّ. مداولات اللقاءات ظلّت قيد الكتمان، لكنّ مصادر مطّلعة تفيد بأنّ لبنان لمس إيجابيّة سعوديّة تجاه دعم الجيش، يتوقّع مراقبون أن تنعكس بمشاركة سعوديّة في مؤتمر دعم الجيش المزمع عقده في 5 آذار المقبل في باريس.

غير أنّ الطريق إلى مؤتمر باريس لا يزال محفوفًا بعقدة التحضير السياسيّ قبل التقنيّ. فكان من المتوقّع أن تستضيف الدوحة الاجتماعات التحضيريّة خلال اليومين المقبلين، لكنّ أكثر من مصدر معنيّ أفاد بأنّه لم تصدر حتّى الساعة أيّ دعوة رسميّة تحدّد التاريخ ومستوى التمثيل، أهو عسكريّ تقنيّ أم وزاريّ أم على مستوى سفراء "الخماسيّة". وفي المقابل، تتوقّع مصادر غربيّة أن تُعقد الاجتماعات بعد منتصف هذا الشهر، حتّى لو تزامنت مع حلول شهر رمضان، وتربط المواعيد بالتصوّر الّذي سيقدّمه قائد الجيش حول المرحلة الثانية من خطّة حصر السلاح. ومع الإشارة إلى أنّ مجلس الوزراء لم يحدّد بعد موعد الجلسة الّتي سيعرض خلالها العماد هيكل تصوّره، وتفيد معطيات بأنّ ذلك لن يحصل هذا الأسبوع.

والعين، في حسابات المانحين، على "المرحلة الثانية" تحديدًا. فهدف الاجتماعات التحضيريّة، وفق مصادر غربيّة، هو الملاءمة بين متطلّبات المؤسّسة العسكريّة واستعدادات الدول المعنيّة لتقديم مساعدات عينيّة أو عتادٍ عسكريّ لدعم الجيش في تنفيذ خطّته. وهي، عمليًّا، بروفا للزخم الّذي سيرافق عقد المؤتمر، في وقتٍ تُسجّل فيه حماسة عسكريّة في أكثر من 50 دولة لدعم الجيش، لكنّها تتراجع عندما تتداخل السياسة بالأمن. إذ تعتبر بعض الدول العربيّة، بحسب متابعين للتحضيرات، أنّ الوقت لا يزال مبكّرًا لعقد مؤتمرٍ كبيرٍ قبل أن تظهر نتائج أوضح على صعيد حصر السلاح.

 

تحدي رفع القدرات

ومع أنّ موعد 5 آذار لم يتبدّل رسميًّا حتّى الآن، لا تخفي مصادر متابعة خشيتها من أيّ تبدّل أو تأجيل تبعًا للتطوّرات الداخليّة ونظرة المجتمع الدوليّ إلى تماسك الموقف اللبنانيّ. وفي هذا الإطار، تتمسّك فرنسا، بحسب معطيات متداولة، بعقد المؤتمر، لأنّ مجرّد انعقاده يُعدّ إنجازًا بحدّ ذاته. فالمقاربة الفرنسيّة لا تنحصر بالعتاد، بل تشمل تحسين الرواتب وتأمين الاستشفاء، لأنّ الحوافز والضمانات تُترجم تفرّغًا واستمراريّة داخل المؤسّسة، وتحدّ من نزيف العناصر نحو خياراتٍ أخرى، أو نحو مؤسّساتٍ أمنيّة غير نظاميّة. كما تصرّ باريس على النظر في حاجات قوى الأمن الداخليّ أيضًا، باعتبار أنّ رفع قدراتها يخفّف عبء المهام عن الجيش، ويساعده على التفرّغ لمهمّته الأساسيّة، حفظ الأمن وحماية الحدود.

لكنّ "سقف الدعم" يبقى مرتبطًا بسقف السياسة. فكما يظهر من مسار الأمور، لا جهة قادرة أو عازمة على ردع إسرائيل، فيما الاحتلال يسير بوتيرة تصاعديّة في انتهاكاته للسيادة اللبنانيّة، متذرّعًا بتدمير أيّ محاولة ترميم يقوم بها حزب الله لقدراته. وفي الداخل، يتخبّط لبنان بين قرار حكوميّ بحصر السلاح، وقرار سياسيّ ضاغط باتّجاه ضرورة قيام إسرائيل بخطوةٍ مقابلة لكلّ ما يقوم به لبنان، بما يخفّف الاحتقان ويساعد الجيش على تنفيذ خطّته. وبين الاثنين، يلمس المجتمع الدوليّ عدم وضوحٍ في القرار السياسيّ اللبنانيّ بشأن تنفيذ المرحلة الثانية شمال الليطاني، وهو ما استشفّه وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان نويل بارو في مباحثاته الأخيرة في بيروت.

لبنان يدخل حاليًّا مرحلة تداخل العناوين بدل تتابعها. انتخاباتٌ تتحضّر باكرًا وتشدّ أعصاب القوى، قضاءٌ يستعيد ملفّ المرفأ بما له وما عليه من ارتدادات، اقتصادٌ معلّق على تفاوضٍ صعب مع صندوق النقد، وملفّات ماليّة اجتماعيّة تُدار بين "الدولة" و"الدولة الموازية" تحت مجهر العقوبات والتقارير. 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث