دخل لبنان منذ صباح اليوم مرحلة العدّ العكسيّ الدّستوريّ للانتخابات النّيابيّة، مع فتح باب التّرشّحات. لكنّ هذا المسار يصطدم بجدارٍ من التّصعيد العسكريّ الذي يبدو مبرمجًا إسرائيليًّا. ومن المتوقّع أن يحمل بنيامين نتنياهو إلى لقاء دونالد ترامب غدًا ملفًّا أمنيًّا متكاملًا، يهدف من خلاله إلى انتزاع ضوءٍ أخضر أميركيٍّ لعمليّةٍ عسكريّةٍ واسعةٍ. وكان لافتًا اليوم أنّ إسرائيل واصلت تحضير الذّريعة الأمنيّة لذلك، من خلال الربط الذي أجراه المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أفيخاي أدرعي بين "خلايا" تعمل في الضّفّة الغربيّة وعناصر في لبنان، مع التّشديد على دورٍ لـ"حماس"، وتاليًا "الجماعة الإسلاميّة". والهدف هو تصوير لبنان غرفة عمليّاتٍ تهدّد إسرائيل وأمن الإقليم، وليس مجرّد جبهةٍ مساندةٍ منطفئةٍ. وجاءت إشادة القيادة المركزيّة الأميركيّة "سنتكوم" باكتشاف الجيش اللبنانيّ نفقًا ضخمًا لـ"حزب الله" بمثابة مادّةٍ قد يستخدمها نتنياهو للقول إنّ حجم البنية التحتيّة الباقية لـ"حزب الله" في الجنوب يفوق قدرة الدّولة على التّفكيك، ما يستدعي تدخّلًا إسرائيليًّا مباشرًا.
في هذه المناخات، باشرت وزارة الدّاخليّة الإجراءات التّقنيّة لإجراء الانتخابات النّيابيّة في موعدها، في 21 أيّار المقبل. ولكن، ثمّة من يطرح السّؤال: هل تسمح الظروف الأمنيّة بها؟ وهنا يدخل سؤالٌ آخر: هل إنّ القوى السّياسيّة كلّها ترى مصلحتها في إجراء هذه الانتخابات في موعدها؟
هناك من يقول إنّ مصلحة "حزب الله" وحلفائه هي في التّأجيل. فعلى رغم إعلانه الرسميّ أنه يتمسّك بالمواعيد، فقد يجد الحزب في "التّأجيل التّقنيّ" مخرجًا من إحراجٍ انتخابيٍّ في بيئته المنهكة، والتي لم تبدأْ بعد مسار الإعمار. ويرى أصحاب هذا الرأي أنّ مصلحة خصوم الحزب تكمن في ترجمة النّقمة الشّعبيّة عليه، بسبب الحرب والدّمار، إلى مقاعد نيابيّةٍ. ويخشى هؤلاء أن يكون التّأجيل فرصةً للحزب كي يعيد ترميم صفوفه وبيئته.
ولكن، هناك من يناقض هذه الفرضيّة تمامًا، ويعتقد أنّ من مصلحة الحزب فعلًا إجراء الانتخابات في أقرب وقتٍ ممكنٍ، لأنّ الظروف القائمة لم تبدّل المعطيات والتوازنات على الأرض، وبذلك هو سيضمن عودة مقاعده في المجلس كاملةً. وأمّا التّأجيل فيحمل مخاطر انفجار تطوّراتٍ انقلابيّةٍ قد تؤدّي إلى تبديلٍ حقيقيٍّ لهذه المعطيات والتّوازنات في المجلس المقبل لمصلحة الخصوم.
وفي النتيجة، سيكون المحكّ هو الوضع الأمنيّ. فإذا نجح نتنياهو في إقناع ترامب بالعمل عسكريًّا شمال اللّيطاني قبل الرّبيع، فإنّ مرسوم دعوة الهيئات النّاخبة سيبقى مجرّد حبرٍ على ورقٍ، وسيدخل لبنان مرّةً أخرى في نفق "تمديدٍ تقنيٍّ" أو أبعد من ذلك، بذريعة القوّة القاهرة. ولأن أياً من القوى الداخلية لا يستطيع ضمان حصولها أو تأجيلها، فإن الجميع أطلقوا العنان لاستعداداتهم، ولو من باب التحوُّط.
شدّ الحبال بين خطاب المقاومة وذرائع تلّ أبيب
في موازاة العدّ الدّستوريّ، وضع الأمين العامّ لـ"حزب الله" نعيم قاسم المسألة في إطارٍ سياديٍّ صريحٍ، معتبرًا أنّ "التّجريد من السّلاح يأتي لصالح إسرائيل وأميركا وليس لصالح الدّولة"، ومطالبًا بأن "ترى الدّولة كيف تستفيد من قدرات المقاومة"، وكيف تكون إلى جانبها لا في مواجهتها. وهو، في جوهر هذا الموقف، يعيد تثبيت معادلة الرّدع بوصفها جزءًا من تعريف الأمن الوطنيّ، لا تفصيلًا قابلًا للمساومة تحت ضغط التّوازنات.
وفي الوقت نفسه، لم يغفل قاسم البعد السّياسيّ الدّاخليّ، فشدّد على "أهمّيّة إجراء الانتخابات النّيابيّة في موعدها"، قائلًا "نعمل لها"، في رسالةٍ مزدوجةٍ: الأولى إلى الدّاخل بأنّ الحزب لا يريد أن يتّهم بتعطيل الاستحقاق، والثانية إلى الخارج بأنّ الضّغط الأمنيّ لن ينتج، حكمًا، فراغًا سياسيًّا يدار من فوق. ويترافق ذلك مع أجندةٍ اجتماعيّةٍ مكشوفة العناوين، من التّعافي الاقتصاديّ، إلى رواتب القطاع العامّ، إلى الودائع، وصولًا إلى ملفّ الإيواء، حيث أعلن قاسم قرار الحزب "تأمين الإيواء عن ثلاثة أشهرٍ" للأسر التي دمّرت منازلها أو باتت غير صالحةٍ للسّكنى، مقرًّا بأنّ "تأمين الإيواء مسؤوليّة الدّولة".
ادعاءات أدرعي
في مقابل ذلك، قدّم المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أفيخاي أدرعي روايةً ميدانيّةً تصاغ بعنايةٍ لتخديم "الملفّ" السّياسيّ الذي يتوقّع أن يحمله نتنياهو إلى لقاءه مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. فعبر منصّة "إكس"، زعم أدرعي أنّ "الشّاباك"، بالتعاون مع الجيش الإسرائيليّ، أحبط "نشاط خليّةٍ إرهابيّةٍ" في شمال الضّفّة الغربيّة، مدّعيًا أنّها كانت تدار من عناصر موجودةٍ في لبنان، وأنّها تلقّت تعليماتٍ وتصويرًا وتدريباتٍ على إطلاق النّار تمهيدًا لهجومٍ. ثمّ يدرج أسماءً وتفاصيل عن تجنيدٍ مزعومٍ واتّصالاتٍ عبر شبكات تواصلٍ، بل "وتطبيقات ألعابٍ إلكترونيّةٍ"، قبل أن يوسّع الرواية إلى خليّةٍ ثانيةٍ وأسماءٍ أخرى، وصولًا إلى اتهام شخصٍ لبنانيٍّ يدعى "مجاهد دهشة" بالارتباط بعناصر من "حماس".
سياسيًّا، وظيفة هذا السّرد ليست أمنيّةً فقط، بل تبريريّةً أيضًا: نقل لبنان من خانة "جبهةٍ مساندةٍ منطفئةٍ" إلى صورة "غرفة عمليّاتٍ"، بما يتيح لتلّ أبيب تسويق أيّ تصعيدٍ مقبلٍ بوصفه "وقائيًّا"، لا عدوانًا. وهنا تتقاطع الرواية الإسرائيليّة مع اللّحظة الأميركيّة، حيث تستخدم إشادة "سنتكوم" باكتشاف نفقٍ ضخمٍ كحجّةٍ مضافةٍ تقول إنّ ما بقي من بنىً تحتيّةٍ في الجنوب "يفوق قدرة الدّولة على التّفكيك"، وبالتالي يفتح الباب أمام تسويق "تدخّلٍ مباشرٍ" كخيارٍ مطروحٍ.
استحقاق 2026 بين ضغط الميدان ودهاليز التّأجيل
إداريّاً، تتصرّف وزارة الدّاخليّة كأنّ الاستحقاق حاصلٌ حكمًا، فتبدأ مهلة تقديم تصاريح التّرشّح لانتخابات العام 2026، وتستكمل التّحضيرات اللّوجستيّة والإداريّة، رغم الضّبابيّة التي لا تزال تتحكّم بمصير الانتخابات بين من يؤكّد إجراءها في موعدها، ومن يلوّح بـ"تأجيلٍ تقنيٍّ" لشهرين، ومن يذهب إلى حدّ القول إنّ الإجراء بات مستحيلًا وقد يمتدّ التّأجيل لسنتين.
في هذا السّياق، تفقّد وزير الدّاخليّة والبلديّات أحمد الحجّار المكتب المخصّص لاستقبال التصاريح في المديريّة العامّة للشؤون السّياسيّة واللاجئين، ترافقه المديرة العامّة فاتن يونس، للاطّلاع على سير العمل وتنظيم الإجراءات. كما تفقّد دائرة نفوس بيروت، ترافقه المديرة العامّة للأحوال الشّخصيّة بالتكليف رودينا مرعب، مشدّدًا على ضرورة تسهيل معاملات المواطنين وتسريع إنجازها، في محاولةٍ لإعطاء إشاراتٍ بأنّ الدّولة "حاضرةٌ" ولو بالحدّ الأدنى.
غير أنّ العقدة ليست إداريّةً فقط. فالخلاف على القانون الانتخابيّ، ولا سيّما في ما يتّصل باقتراع المغتربين، يقدّم كأحد أبرز الأسباب القادرة على إنتاج تأجيلٍ سياسيٍّ مقنّعٍ بقالبٍ تقنيٍّ. وتحت هذا العنوان، تختبئ حساباتٌ أعمق، ورغبةٌ ضمنيّةٌ لدى بعض الأفرقاء بالإبقاء على البرلمان كما هو، دون المساس بأحجام الكتل والتّقسيمات السّياسيّة الرّاهنة، أي تثبيت ميزان القوى الحاليّ بوصفه "الأقلّ كلفةً" على الجميع.
بين هذين المسارين، الأمنيّ والانتخابيّ، يظهر الاستحقاق كاختبار سيادةٍ لا كمجرّد موعدٍ. فإذا ارتفع منسوب التّصعيد، وتحوّلت الذّرائع المتداولة إلى قرارٍ ميدانيٍّ شمال اللّيطاني قبل الرّبيع، يصبح مرسوم دعوة الهيئات النّاخبة تفصيلًا شكليًّا، وتعود البلاد إلى "التّمديد التّقنيّ"، أو إلى ما هو أبعد، تحت عنوان "القوّة القاهرة". أمّا إذا تراجعت موجة التوتّر، فالانتخابات تتحوّل إلى ساحة قياس أحجامٍ، لكن تحت سقفٍ ثقيلٍ من الإنهاك الاقتصاديّ، وإعادة الإعمار المؤجّلة، ومعركة السّرديّات التي لا تقلّ شراسةً عن معركة الحدود.




