"قنص" إسرائيلي على وعود سلام للجنوب: الكلمة للنار لا للإعمار

مانشيت - المدنالاثنين 2026/02/09
GettyImages-2218813716.jpg
كل خطوةٍ سياسيةٍ غير محصنةٍ قد تتحول سريعًا إلى مادةٍ ميدانيةٍ في يد إسرائيل. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في ضوء التّطوّرات الميدانيّة الخطرة الّتي جرت اليوم، يمكن توصيف المشهد الجنوبيّ بوضعيّة "حافة الهاوية". فما إن ختم رئيس الحكومة نوّاف سلام جولته الجنوبيّة، واعدًا ببدء ترميم البنى التّحتيّة عبر تمويلٍ دوليٍّ ناهز 360 مليون دولار، حتّى جاء الرّدّ الإسرائيليّ ليؤكّد أنّ "الفيتو" العسكريّ لا يزال قائمًا فوق أيّ محاولةٍ للإعمار أو عودة الأهالي.

ما بعد الجولة لم يكن تفصيلًا. إسرائيل سارعت إلى ترجمة موقفها برسالةٍ أمنيّةٍ مركّبةٍ، عنوانها توغّلٌ برّيٌّ، قتلٌ، اختطافٌ، وإشارةٌ واضحةٌ إلى أنّ وقف إطلاق النّار الهشّ لا يعني انتقالًا تلقائيًّا إلى الاستقرار. الرّسالة موجّهةٌ إلى ثلاثة عناوينٍ في آنٍ: الدّولة اللّبنانيّة، القوى المحلّيّة وفي مقدّمتها حزب اللّه، والوسيط الأميركيّ الّذي يحاول إدارة الملفّ اللّبنانيّ بميزانٍ إقليميٍّ أشمل.

 

تثبيت "حقّ التّدخّل" خارج الخمسة كيلومترات

بعد ساعاتٍ على مغادرة سلام الجنوب، إثر زيارةٍ امتدّت يومين، نفّذت قوّة كوماندوسٍ إسرائيليّةٌ فجر الإثنين عمليّة توغّلٍ برّيٍّ باتّجاه بلدة الهبّاريّة في العرقوب، وعملت على اختطاف مسؤول "الجماعة الإسلاميّة" في المنطقة عطوي عطوي. خطورة العمليّة لا تكمن في فعل الاختطاف وحده، بل في جغرافيّتها ومعناها، إذ إنّ المنطقة الّتي توغّلت إليها القوّة ليست من قرى الحافة الأماميّة، وعمقها يقارب 10 كيلومتراتٍ داخل الأراضي اللّبنانيّة، ما يعني أنّ إسرائيل تتصرّف كأنّ لها هامش حركةٍ ميدانيًّا يتجاوز السّقف غير المعلن لمسافة الخمسة كيلومتراتٍ، وتعيد تعريف قواعد الاشتباك على طريقتها.

وقالت "الجماعة الإسلاميّة" في بيانٍ إنّ "قوّات الاحتلال الإسرائيليّ أقدمت على التّسلّل تحت جناح الظّلام منتصف ليل الأحد، الإثنين، إلى بلدة الهبّاريّة، قضاء حاصبيّا، واختطاف مسؤول الجماعة في منطقة حاصبيّا ومرجعيون، عطوي عطوي، من منزله، واقتياده إلى جهةٍ مجهولةٍ، بعد ترويع أهله والاعتداء عليهم بالضّرب". هنا، يتقدّم البعد الرّمزيّ على البعد العمليّاتيّ: اقتحام منزلٍ، ترويع عائلةٍ، واقتياد شخصٍ إلى "جهةٍ مجهولةٍ"، أي تثبيت سياسة الرّدع بالصّدمة، لا بالاشتباك فقط.

 

لماذا الآن؟ ضرب وعود الدّولة وإحراجها

التّوقيت، بعد زيارة سلام مباشرةً، ليس بريئًا. الرّسالة السّياسيّة الأولى تقول إنّ أيّ "تطبيعٍ" لعودة الأهالي، أو تحويل وقف النّار إلى استقرارٍ يسمح بإعادة الإعمار، سيصطدم بعائقٍ أمنيٍّ إسرائيليٍّ مفتوحٍ. ومعنى ذلك عمليًّا: منع تحويل التّمويل الدّوليّ إلى ورشة حياةٍ، وضرب الجرّافات والبنى التّحتيّة عند الحاجة، وصولًا إلى جعل القرى الحدوديّة مناطق غير قابلةٍ للحياة، أو قابلةً للحياة بشروطٍ أمنيّةٍ تفرضها إسرائيل.

أمّا الرّسالة الثّانية فهي داخليّةٌ لبنانيّةٌ: وضع الدّولة في موقع العاجز أمام مواطنيها، وتوليد ضغطٍ سياسيٍّ وإعلاميٍّ عليها، وفي الوقت نفسه فتح الباب لاتّهام القوى الّتي تملك فائض قوّةٍ، وفي مقدّمتها حزب اللّه، بأنّها عاجزةٌ عن فرض معادلتها. وقد ظهر ذلك سريعًا في مطالبة الحزب للدّولة بأن تترجم موقفها بأفعالٍ لا أقوالٍ، في معادلةٍ يعرف الجميع حساسيّتها: دولةٌ مطلوبةٌ للتّهدئة وضبط الإيقاع، وفي الوقت نفسه مطلوبةٌ للدّفاع وفرض السّيادة، في مساحةٍ رماديّةٍ تستثمر إسرائيليًّا إلى الحدّ الأقصى.

في المقابل، أعلن "الجيش الإسرائيليّ" أنّه داهم مبنًى في منطقة "جبل روس" و"اعتقل عنصرًا من الجماعة الإسلاميّة" ونقله للتّحقيق داخل إسرائيل، زاعمًا العثور على "وسائل قتاليّةٍ" في المبنى. الفارق بين "اختطافٍ" و"اعتقالٍ" ليس لغويًّا فقط، بل قانونيٌّ وسياسيٌّ. إسرائيل تحاول تغليف العمليّة بغطاءٍ "أمنيٍّ وقائيٍّ" لتحسين موقعها التّفاوضيّ وتخفيف كلفة الإدانة الدّوليّة، بينما ترى بيروت والقوى المحلّيّة أنّها عمليّة قرصنةٍ موصوفةٌ على أرضٍ ذات سيادةٍ.

واستنكرت بلديّة الهبّاريّة العمليّة واعتبرتها "اعتداءً صارخًا على السّيادة والأمن والاستقرار، وانتهاكًا فاضحًا لحرمة المنازل وكرامة المواطنين". وذهب اتّحاد بلديّات العرقوب أبعد، رابطًا ما جرى بزيارة سلام، ومعتبرًا أنّ ما حصل هو ردٌّ على "عودة الدّولة" وبشارة "عودة السّلام"، أي رسالةٌ تقول إنّ إسرائيل لن تسمح للدّولة بأن تبدو صاحبة قرارٍ في الجنوب.

 

مفاوضاتٌ "مصغّرةٌ" على خطّ الجنوب

بالتّوازي مع التّصعيد الميدانيّ، تتحرّك السّياسة في قنواتٍ ضيّقةٍ. فبينما تتفاوض الولايات المتّحدة مع إيران في مسقط، تجري مفاوضاتٌ "مصغّرةٌ" حول الجنوب اللّبنانيّ. ووفق ما نقل عن مصادر دبلوماسيّةٍ لـ"المدن"، اختصر المسار السّياسيّ بصيغةٍ جديدةٍ تقوم على محادثاتٍ ثنائيّةٍ بين سفير الولايات المتّحدة في لبنان ميشال عيسى ونظيره في إسرائيل، على أن تنقل نتائج هذه المحادثات إلى المسؤولين اللّبنانيّين للبناء عليها. في المعنى، واشنطن تميل إلى إدارة الملفّ عبر جناحيها، الأميركيّ مع الإسرائيليّ، ثمّ "إبلاغ" اللّبنانيّ، مع إبقاء الميكانيزم العسكريّ شكليًّا وبصلاحيّاتٍ تتقلّص تدريجيًّا.

هذا النّموذج يضع لبنان أمام معضلةٍ مزدوجةٍ: كيف يدافع عن مصالحه وسيادته إذا كان طرفًا متلقّيًا لا شريكًا كاملًا، وكيف يمنع تحويل "التّنسيق" إلى وصايةٍ سياسيّةٍ مقنّعةٍ، خصوصًا حين يتزامن ذلك مع ضغطٍ ميدانيٍّ يفرض وقائع على الأرض.

 

نتنياهو و"ديناميكيّة ترامب"

الصّراع بطابعه السّياسيّ ينتقل الأربعاء المقبل إلى البيت الأبيض، حيث يلتقي بنيامين نتنياهو بالرّئيس دونالد ترامب. سيحاول نتنياهو استثمار "ديناميكيّة ترامب" للدّفع نحو عملٍ عسكريٍّ أو ضغطٍ أقصى ضدّ إيران وحلفائها، معتبرًا أنّ أيّ تفاوضٍ أميركيٍّ إيرانيٍّ يجب أن يشمل تفكيك قدرات حزب اللّه. وفي المقابل، يراهن لبنان رسميًّا على تحسين موقعه في واشنطن عبر زيارةٍ يفترض أن يقوم بها رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، بعد زيارة قائد الجيش رودولف هيكل، في محاولةٍ لصوغ سرديّةٍ لبنانيّةٍ تقول إنّ الدّولة موجودةٌ، وإنّ الجنوب ليس ساحةً مباحةً لتعديل التّوازنات الإقليميّة بالقوّة.

هنا يصبح السّؤال عمليًّا: هل تستطيع بيروت انتزاع "التزامٍ سياسيٍّ" أميركيٍّ يردع إسرائيل عن فرض وقائع جديدةٍ، أم أنّ السّقف الأميركيّ سيبقى محكومًا بأولويّة التّفاهمات الكبرى مع طهران وبحسابات أمن إسرائيل؟

 

سيناريوهان للجنوب

الأوضاع في الأسابيع المقبلة تتّجه نحو أحد مسارين:
أوّلًا، استمرار "حرب الجرّافات" والاغتيالات لمنع الإعمار، مع إبقاء المواجهة تحت سقف الحرب الشّاملة، بانتظار ما ستسفر عنه مفاوضات واشنطن، وما إذا كانت الإدارة الأميركيّة ستتعامل مع الجنوب كملفٍّ لبنانيٍّ مستقلٍّ، أو كملحقٍ تفاوضيٍّ بالملفّ الإيرانيّ.
ثانيًا، سيناريو التّفجير. فإذا فشل نتنياهو في انتزاع ما يريده من المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، قد يهرب إلى الأمام عبر عمليّةٍ عسكريّةٍ أوسع في الجنوب لفرض واقعٍ جغرافيٍّ جديدٍ قبل أن تترسّخ التّفاهمات الدّوليّة. وفي هذا السّيناريو، يصبح الاختطاف والتّوغّل "تمرينًا" على توسيع الهامش، لا حادثًا معزولًا.

والحال فإنّ سلام عاد من جولته بوعد الإعمار، لكنّ إسرائيل ردّت بوعدٍ مضادٍّ: لا إعمار من دون شروطٍ أمنيّةٍ، ولا عودة من دون كلفةٍ، ولا سيادة لبنانيّةً كاملةً في الميدان. وبين الوعدين، يتحدّد مستقبل القرى الحدوديّة، إمّا حياةٌ تبنى بقرارٍ سياسيٍّ ودعمٍ دوليٍّ محميٍّ، أو "منطقةٌ رماديّةٌ" تحت إدارة الخرق اليوميّ، وتترك معلّقةً على مزاج التّفاوض في واشنطن ومسقط.

وفي لحظةٍ تبدو فيها "السّيادة" كلمةً ثقيلةً على الأرض، يختصر اختطاف الهبّاريّة المعادلة القاسية: الجنوب على حافة الهاوية، وكلّ خطوةٍ سياسيّةٍ غير محصّنةٍ قد تتحوّل سريعًا إلى مادّةٍ ميدانيّةٍ في يد إسرائيل. 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث