مهما اشتدَّتِ التَّحدّياتُ وتفاقمَتِ العوائقُ، فإنَّ مسارَ قيامِ دولةِ المواطنةِ السَّيِّدةِ الحُرَّةِ العادلةِ المُستقلَّةِ في لبنانَ باتَ مسارًا قيدَ التَّحقُّقِ، لا بوصفِهِ شعارًا إنشائيًّا، بل كحاجةٍ وطنيَّةٍ تفرضُها ضروراتُ الدُّستورِ ومنطقُ الشَّرعيَّةِ. الدَّولةُ، حينَ تُختزلُ في توازناتٍ هشَّةٍ أو تُؤجَّلُ باسمِ التَّسوياتِ الظَّرفيَّةِ، تتحوَّلُ إلى ساحةِ نزاعٍ دائمٍ، ويُفرَغُ مفهومُ المواطنةِ من مضمونِهِ، وتُعلَّقُ العدالةُ على مشجبِ الانتظارِ.
إنَّ التَّهويلَ بانفراطِ العقدِ الاجتماعيِّ تحتَ سقفِ الدُّستورِ لا يُعبِّرُ عن قوَّةٍ سياسيَّةٍ واثقةٍ، بل يكشفُ هشاشةً في المقاربةِ، وتشنُّجًا في الخطابِ، وارتباكًا في الأداءِ. الدُّستورُ، تاريخيًّا ووطنيًّا، لم يكن يومًا سببَ الأزماتِ، بل الإطارَ النَّاظمَ لإدارتِها، والمرجعيَّةَ الوحيدةَ القادرةَ على تحويلِ الاختلافِ إلى تنافُسٍ مشروعٍ، والنِّزاعِ إلى آليَّاتِ حلٍّ سلميَّةٍ. أمَّا القفزُ فوقَهُ أو التَّلويحُ بانهيارِهِ، فلا يُنتجُ إلَّا مزيدًا من القلقِ والانقسامِ.
لقد أثبتتِ التَّجاربُ المتراكمةُ أنَّ الانفعالَ والإنكارَ لا يبنيانِ دولةً، بل يُكرِّسانِ الانقسامَ ويُعمِّقانِ أزمةَ من اختارَ الّلادولةَ مسارًا. السياسةُ، حينَ تُمارَسُ بمنطقِ الغضبِ أو بمنهجِ التَّعطيلِ، تفقدُ معناها بوصفِها فنَّ إدارةِ الشَّأنِ العامِّ، وتتحوَّلُ إلى أداةِ استنزافٍ للمجتمعِ ومؤسَّساتِهِ. ومن هنا، فإنَّ استدعاءَ الخطابِ الحادِّ أو الاستثمارَ في المخاوفِ لا يؤسِّسُ لشرعيَّةٍ، بل يفضحُ غيابَ الرُّؤيةِ وعجزَ المشروعِ.
الأجدى، في هذهِ المرحلةِ الدَّقيقةِ، يكمنُ في عقلنةِ السَّرديَّةِ والخطابِ والممارسةِ السِّياسيَّةِ، بما يعني العودةَ الصَّريحةَ إلى حضنِ الدَّولةِ كإطارٍ جامعٍ وحيدٍ. الدَّولةُ ليست خيارًا بينَ خياراتٍ، ولا بندًا تفاوضيًّا قابلًا للأخذِ والرَّدِّ، بل شرطُ العدالةِ والسِّيادةِ والاستقرارِ، وضمانةُ المواطنةِ المتساويةِ الّتي لا تُميِّزُ بينَ مواطننين/مواطنات إلَّا بقدرِ التزامِهِم بالقانونِ.
إنَّ جوهرَ دولةِ المواطنةِ لا يُختصرُ في نصوصٍ قانونيَّةٍ جامدةٍ، بل يتجسَّدُ في ممارسةٍ مؤسَّسيَّةٍ يوميَّةٍ تُعيدُ الاعتبارَ لفكرةِ الخدمةِ العامَّةِ، وتُرسِّخُ مبدأَ المساءلةِ، وتُفعِّلُ الفصلَ بينَ السُّلطاتِ. فيثُ تسودُ المؤسَّساتُ، ينحسرُ منطقُ الزَّبائنيَّةِ، وحيثُ تُحترَمُ القواعدُ، يتراجعُ منسوبُ العنفِ السِّياسيِّ والاجتماعيِّ، وحيثُ تُطبَّقُ القوانينُ، تُصانُ كرامةُ الإنسانِ.
لبنانُ، بتعدُّديَّتِهِ وتنوُّعِهِ، لا يمكنُ أن يستقيمَ إلَّا في ظلِّ دولةٍ مدنيَّةٍ دستوريَّةٍ تحتضنُ اختلافاتِهِ ضمنَ عقدٍ اجتماعيٍّ واضحٍ. أمَّا الإصرارُ على منطقِ الاستثناءِ، أو التَّمسُّكُ بخياراتٍ فوقَ الدَّولةِ، فلا يُنتجُ إلَّا هشاشةً إضافيَّةً تُضعفُ الكيانَ وتُعرِّضُهُ لمخاطرَ داخليَّةٍ وخارجيَّةٍ. السِّيادةُ لا تُجزَّأُ، والشرعيَّةُ لا تُستعارُ، والدَّولةُ إمَّا أن تكونَ كاملةَ الصَّلاحيَّاتِ أو لا تكونَ.
إنَّ اللحظةَ الرَّاهنةَ تفرضُ مقاربةً مختلفةً، قوامُها الانتقالُ من منطقِ التَّبريرِ إلى منطقِ القرارِ، ومن ثقافةِ التعطيلِ إلى ثقافةِ البناءِ. إستعادةُ الثِّقةِ لا تتحقَّقُ بالشِّعاراتِ، بل بتفعيلِ المؤسَّساتِ، وضمانِ استقلاليَّةِ القضاءِ، وحمايةِ الإدارةِ العامَّةِ من التَّسييسِ، وإعادةِ وصلِ ما انقطعَ بينَ المواطنين/المواطنات والدَّولةِ.
إنَّها، بحقٍّ، لحظةٌ تاريخيَّةٌ ليعودَ لبنانُ إلى لبنانَ، دولةً ودستورًا ومواطنةً فوقَ كلِّ اعتبارٍ. لحظةٌ تقتضي شجاعةَ الاعترافِ بأنَّهُ لا خلاصَ خارجَ الدَّولةِ، ولا عدالةَ بلا شرعيَّةٍ، ولا استقرارَ بلا دستورٍ مُطبَّقٍ. من يُدركُ هذهِ الحقيقةَ، يُدركُ أنَّ الرِّهانَ الوحيدَ الممكنَ هو على دولةٍ سيِّدةٍ حرَّةٍ عادلةٍ، تُشكِّلُ الإطارَ الجامعَ لمستقبلٍ يستحقُّهُ اللُّبنانيُّون/ات.




