لا يمكن اعتبار كل ضربة سريعة نصرًا؛ حرب الأيام الاثني عشر في إيران في حزيران الماضي كانت شاهدًا كافيًا. فاستعراض القوة، والتهويل بها، لا يؤشّران بالضرورة إلى سيطرة حتمية، تمامًا كما أنّ التفوّق العسكري لا يضمن حسمًا سياسيًا. ولعلّ الخشية من السقوط في مستنقع مؤذٍ، مفتوح على احتمالات لا يمكن ضبطها، تُشكّل أحد أبرز أسباب التردّد الأميركي حيال خيار الضربة المبرحة.
منذ أكثر من عقدين، يتكرّر السؤال ذاته كلما بلغ التوتّر الأميركي-الإيراني ذروته: لماذا لا تُقدِم الولايات المتحدة على توجيه ضربة عسكرية قاصمة لإيران، رغم وفرة الأسباب المُعلَنة، وتراكم الملفات، وضغوط الحلفاء؟
أما اليوم، فالتهديد حاضر، والحشود شبه مكتملة، والخطاب السياسي لا يخلو من نبرة تصعيد. ومع ذلك، لم تقع الحرب: لا الضربة الشاملة ولا "العملية المحدودة" التي يجري تسويقها بوصفها "حلًا نظيفًا" وسريعًا.
السؤال لم يعد: هل تريد أميركا ضرب إيران؟ لأن الجواب هو: بلى، تريدها.
بل: ما الذي يردعها عن ذلك؟ ولماذا يبدو القرار مؤجّلًا باستمرار؟
الردع غير المتماثل: كلفة بلا سقف
صحيح أن ميزان القوى العسكري التقليدي يميل بوضوح لمصلحة الولايات المتحدة، لكن الردع لا يُقاس فقط بعدد حاملات الطائرات أو التفوّق الجوي.
إيران لا تملك قدرة على خوض حرب تقليدية مفتوحة، لكنها بنت على مدى سنوات منظومة ردع غير متماثلة: صواريخ دقيقة، قدرات بحرية تعطيلية، وانتشارًا إقليميًا قادرًا على التسبب بأذى غير محسوب على أكثر من جبهة في آن واحد.
أي ضربة أميركية لن تبقى محصورة، ولن تكون بلا ارتدادات. فالتصعيد قد يمتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان، ويطال إسرائيل، وقواعد أميركية كما أمن الطاقة والممرات البحرية من باب المندب إلى هرمز، ويضع واشنطن أمام سيناريو حرب قد تطول من دون مفاتيح واضحة لنهايتها. هنا، لا يكون الردع توازن قوة، بل توازن كلفة مفتوحة.
حين يتحوّل الردع إلى شلل قرار
ما يردع واشنطن عن ضرب إيران لا يقتصر على الخشية من الردّ، بل يتجاوز ذلك إلى ما يمكن وصفه بشلل القرار الاستراتيجي.
فالحرب مع إيران ليست خيارًا عسكريًا فحسب، بل قرارًا سياسيًا شاملًا، يفرض على الرئيس الأميركي تحمّل تبعات لا يملك السيطرة على مسارها الزمني ولا على نهاياتها.
في هذا النوع من الحروب، لا يوجد "زر إيقاف"، ولا إمكانية للعودة إلى ما قبل الضربة. وهذا ما يجعل المؤسسة الأميركية، العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، أكثر تردّدًا من الخطاب السياسي العلني، وأكثر وعيًا لمحدودية القوة حين تنفصل عن السياسة. وهنا يكمن الفارق الجوهري عن نماذج التدخّل "النظيف" التي تُستحضَر نظريًا ولا تُطبَّق عمليًا.
قتل الجنود: الرادع الذي لا يُقال
في الحسابات الأميركية، لا تُقاس الحروب فقط بحجم الدمار الذي تُحدثه للعدو، بل بعدد الجنود الأميركيين الذين قد يعودون في توابيت.
أي مواجهة مباشرة مع إيران تعني، حكمًا، تعريض القوات الأميركية المنتشرة في العراق وسوريا والخليج لهجمات مباشرة أو عبر حلفاء طهران، وهو ما يحوّل أي "ضربة محدودة" إلى أزمة سياسية داخلية.
تجربتا العراق وأفغانستان لا تزالان حاضرتين في الوعي الأميركي:
ليس السؤال كم سنقصف، بل كم سنخسر من الأرواح، ومتى يبدأ الرأي العام بالمطالبة بوقف الحرب. في مجتمع لم يعد متسامحًا مع الخسائر البشرية خارج إطار الدفاع المباشر عن الوطن، يصبح مقتل الجنود أحد أهم الروادع غير المعلنة.
كلفة الحرب في اقتصاد مضطرب وعالم لا يغطي
الرادع الآخر، الأكثر براغماتية، هو المال.
فالحرب على إيران قد لا تكون قصيرة أو منخفضة الكلفة، بل مواجهة قد تتطلّب إنفاقًا عسكريًا ضخمًا في لحظة يواجه فيها الاقتصاد الأميركي ضغوطًا متراكمة: تضخمًا، دينًا عامًا متفاقمًا، عجزًا ماليًا، وانقسامًا داخليًا حادًا حول أولويات الإنفاق.
أي تصعيد كبير سيعني ارتفاعًا إضافيًا في أسعار الطاقة، وضغطًا على سلاسل الإمداد، وتكلفة سياسية يصعب تبريرها انتخابيًا. في هذا السياق، لا تبدو الحرب ورقة قوة، بل عبئًا داخليًا يُضاف إلى أزمة ثقة عميقة بين الدولة والمجتمع.
إلى ذلك، لا تمتلك الولايات المتحدة اليوم غطاءً دوليًا واسعًا لأي مواجهة مع إيران. روسيا والصين ليستا في موقع المتفرّج، بل في موقع المراقب الساعي إلى الاستفادة من أي استنزاف أميركي إضافي. حرب على إيران تعني تعميق الاستقطاب العالمي، ودفع موسكو وبكين إلى تعزيز شراكتهما مع طهران، سياسيًا واقتصاديًا وربما أمنيًا، كما مع أي قوة وسطى تشعر بالتهديد الأميركي الذي لم يوفّر صديقًا أو حليفًا.
في لحظة صراع مفتوح في أوكرانيا، وتوتّر متصاعد في آسيا، تصبح جبهة إيران عبئًا استراتيجيًا لا أولوية، ومغامرة يصعب إدارتها ضمن نظام دولي يسعى للتشكل في محاولة للخروج من الأحادية القطبية.
نبذة تاريخية: لماذا فشلت رهانات الانهيار من الداخل؟
لم تقتصر محاولات الضغط على إيران على التهديد العسكري والعقوبات، بل شملت الرهان المتكرر على تفكّك الداخل. غير أن التجربة التاريخية تُظهر أن هذا الرهان، رغم تكراره، لم يُنتج انهيار الدولة إلى اليوم.
شهدت إيران موجات احتجاجية متعاقبة: ظهرت الحركة الخضراء عام 2009 على إثر الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها بين مير حسين موسوي وأحمدي نجاد. ثم جاءت احتجاجات 2017–2018 إثر ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ولا سيما البيض، ثم احتجاجات عام 2019 ضد رفع أسعار البنزين، وقد جرى التراجع عن هذا القرار في النهاية بسبب الاحتجاجات. ثم كانت حركة "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022 المناهضة لإلزامية الحجاب، وصولًا إلى الاحتجاجات الأخيرة التي انطلقت على خلفية التضخم، ثم خمدت بعد التدخل المفرط من الأدوات الامنية في إيران.
القاسم المشترك بينها أنها انطلقت أساسًا من مظالم اقتصادية واجتماعية، حتى حين اتخذت شعارات سياسية أو ثقافية.
لكن في كل مرة، فشلت هذه الاحتجاجات في التحوّل إلى حركة إسقاط شاملة. ليس فقط بسبب القبضة الأمنية، بل لأن الدولة الإيرانية لا تزال تمتلك قدرًا من الشرعية التاريخية والاجتماعية، نابعًا من كونها نتاج ثورة شعبية، ومن قدرتها على التكيّف وتقديم تنازلات تكتيكية: التراجع عن رفع أسعار البنزين، التخفيف العملي من فرض الحجاب، وتعديل بعض سياسات الدعم وتنفيذ عطاءات محدودة، رغم ضعف أثرها على الحياة اليومية للناس.
في المقابل، كان التدخّل الخارجي، الحقيقي أو المتصوَّر، عاملًا مُضعِفًا للزخم الداخلي. فمنذ انقلاب عام 1953 على حكومة محمد مصدق، ترسّخت حساسية إيرانية عميقة تجاه أي دور أميركي أو غربي، وكلما طُرح شبح التدخّل الخارجي، تمكّنت الدولة من إعادة تعبئة جزء من الرأي العام تحت عنوان السيادة ومقاومة "الحرب الهجينة". وقد برز ذلك أيضًا في أعقاب حرب الأيام الاثني عشر، حين التفّ أشدّ معارضي النظام حول رفض الضربات الإسرائيلية والأميركية وأعلنوا وقوفهم خلف الدولة بدافع الشعور القومي والشعور بالتعرض إلى الاعتداء السافر، ليس دعمًا للنظام بقدر ما هو دعم للدولة.
العقوبات وحدود الفعالية
رغم قسوتها، لم تُسقط العقوبات النظام، بل أسهمت في نشوء اقتصاد ظلّ وطبقة أوليغارشية صغيرة مستفيدة من الأسواق السوداء والالتفاف على القيود. هذا الواقع زاد الغضب الشعبي، لكنه لم يُنتج توافقًا وطنيًا على إسقاط الدولة، بل عمّق التناقضات الاجتماعية من دون حسم سياسي.
من هنا، تدرك واشنطن أن إيران ليست دولة قابلة للكسر السريع، لا بضربة عسكرية، ولا بخنق اقتصادي، ولا بتحريك الشارع وحده، بل تحتاج لمزيج من كل ما سبق وعناصر أخرى يجري بحثها بلا شك في مواقع القرار.
بين التريّث والتحضير: الضربة المؤجَّلة لا الملغاة
تشير التقييمات الأخيرة داخل الدوائر الأميركية إلى أن امتناع واشنطن عن توجيه ضربة عسكرية لإيران لا يعكس غياب النية، بقدر ما يعكس تراكم عوامل حالت دون تنفيذها في مراحل سابقة. من بينها محدودية الموارد العسكرية الأميركية المتاحة في الإقليم قياسًا بحجم المواجهة المتوقعة، وتحفّظ أو مقاومة لاعبين إقليميين أساسيين خشية تحمّل كلفة الردّ الإيراني، فضلًا عن خلافات داخلية داخل الإدارة الأميركية نفسها حول جدوى الحرب وتوقيتها، وتشرذم المعارضة الإيرانية وضعف قدرتها على التحوّل إلى بديل داخلي مؤثّر.
غير أن هذا التريّث لا يعني إسقاط الخيار العسكري من الحسابات. فالمؤشرات الأخيرة توحي بأن واشنطن تعمل على معالجة بعض الهواجس التي أعاقت القرار سابقًا، بما في ذلك المخاوف الإسرائيلية المرتبطة بمآلات أي مواجهة غير محسوبة. كما أن تراجع هيمنة التيار الشاهنشاهي على المعارضة في الخارج قد يفتح المجال أمام فاعلين إيرانيين آخرين للانخراط في الاحتجاجات، ما يُعاد تقديمه داخل بعض الدوائر الأميركية كفرصة محتملة لزيادة الضغط الداخلي على النظام.
لكن الإشكال الجوهري يبقى قائمًا: حتى الآن، لا يبدو أن الهدف النهائي من الخيار العسكري قد تحدّد بوضوح. فالحديث عن ضربة قاسية وسريعة يتقدّم بوصفه أداة ضغط سياسية أكثر مما هو قرار بالحرب بحدّ ذاته، في محاولة لدفع طهران إلى الانخراط في مفاوضات أوسع أو تقديم تنازلات نوعية.
غير أن هذا الأسلوب يضع واشنطن أمام معضلة مألوفة في تاريخ استخدام القوة:
إذا لم تستجب إيران لهذه الضغوط، يفقد التهديد صدقيته. وإذا استُعيد خيار التنفيذ، تتحوّل الضربة من أداة ردع إلى مقامرة استراتيجية مفتوحة على نتائج لا يمكن ضبطها.
وهنا تتكثّف المفارقة كلّها: حرب ممكنة نظريًا، عالية الكلفة عمليًا، ولا تملك الولايات المتحدة ترف خوضها من دون ضمانات لا تبدو متوافرة.




