تحرّك المشهد اللبنانيّ اليوم على إيقاع "ورشةٍ" دبلوماسيّةٍ هي الأوسع منذ فترةٍ، تداخلت فيها ملفّات الأمن بالسياسة والاقتصاد. فبينما تترقّب المنطقة نتائج رياح المفاوضات الإيرانيّة- الأميركيّة في مسقط، استحال قصر بعبدا والسراي الحكوميّ وعين التينة خليّة نحلٍ دبلوماسيّةٍ، عكست استنفارًا دوليًّا وعربيًّا لترتيب أوراق الساحة اللبنانيّة أمام جملةٍ من الاستحقاقات الداهمة.
وفيما يرتقب أن يعود قائد الجيش العماد رودولف هيكل من واشنطن، لتبيان النتائج، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية "أننا ندعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وأن نزع سلاح حلفاء إيران هو أولوية في أجندة الرئيس دونالد ترامب.
وفي المقابل، أعلن رئيس الجمهوريّة جوزاف عون موقفاً له دلالته السياسيّة، إذ أصرّ على أنّ التنفيذ "تدريجيٌّ" مع مراعاة "الحفاظ على السّلم الأهليّ"، وهو توازنٌ يهدف إلى تمرير المرحلة الثانية من خطة بسط سلطة الدولة من دون كلفةٍ داخليّةٍ باهظة.
في هذه "الورشة"، بدت اللجنة الخماسيّة تتحرّك بميزانٍ دقيقٍ بين منع الانزلاق إلى "دعسات ناقصة" والضغط السياسيّ لتسريع مسار "حصر السلاح" بالطريقة التي لا تهدّد السّلم الأهليّ. لقاءات السّفراء، إلى جانب حضور وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان نويل بارو، أعادت تثبيت أن لبنان لا يزال تحت المظلّة الدوليّة، ولكن بشروطٍ أكثر صرامةً، وبمواعيد أقصر، وبهوامش مناورةٍ أضيق.
اللافت في حركة اليوم أنّها جمعت عناوين متباعدةً ظاهريًّا: أمن الحدود، مستقبل التمويل الخارجيّ، ملفّ السلاح، وإيقاع الإصلاحات، ضمن سلّةٍ واحدةٍ. فزيارة السفير الأميركيّ ميشال عيسى لبعبدا كانت مرتبطة مباشرةً بنتائج زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن، وبالأسئلة الأميركيّة المتجدّدة حول قدرة الدولة على الإمساك بالقرار الأمنيّ في المرحلة المقبلة.
توازياً، حمل تحرّك السفير القطريّ الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني والسفير المصريّ علاء موسى باتجاه رئيس الحكومة نواف سلام إشاراتٍ مزدوجةً: أوّلًا، تحصين التوافق الداخليّ كي لا يتحوّل ملفّ السلاح إلى فتيل انقسامٍ، وثانيًا، توسيع شبكة التشاور لتشمل قوى إقليميّةً وأوروبيّةً، ظهر ملمحها بوضوحٍ في زيارة الوزير الفرنسيّ، وفي لقاءاتٍ شملت أيضًا خيسوس سانتوس أغوادو.سفير إسبانيا التي كان رئيس الجمهورية زارها قبل أيام.
هذا الزخم ينتظر أن يترجم في "مؤتمر باريس" لدعم الجيش المقرّر في 5 آذار، حيث تتّجه الأنظار إلى الغطاء الماليّ واللوجستيّ المطلوب، ليس كمنحةٍ عابرةٍ، بل كرافعةٍ لتمكين المؤسّسة العسكريّة من أداء مهامّها في لحظةٍ إقليميّةٍ شديدة السيولة.
زيارة هيكل إلى واشنطن: دعمٌ معلنٌ..
وأصدرت قيادة الجيش، مديرية التوجيه، بيانًا أكّدت فيه أنّ قائد الجيش العماد رودولف هيكل زار الولايات المتحدة الأميركيّة بين الثاني والخامس من شباط 2026، بدعوةٍ رسميّةٍ من قيادة هيئة الأركان المشتركة الأميركيّة، في إطار تعزيز العلاقات العسكريّة والأمنيّة واستكمال الحوارات ضمن سياق التشاور والتنسيق المستمرّين مع الشركاء الدوليّين.
وخلال الزيارة، عقد هيكل لقاءاتٍ رفيعةً مع مستشارين من البيت الأبيض ومسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجيّة وأعضاءٍ في مجلس الشيوخ والنواب وممثلين عن مجلس الأمن القوميّ ومسؤولين عسكريّين وأمنيّين. وبحسب البيان، ركّزت المحادثات على دعم قدرات الجيش اللبنانيّ، ومناقشة المستجدّات الأمنيّة في المنطقة، والتحدّيات الراهنة، ودور الجيش في "ضمان الأمن والاستقرار وصون سيادة الدولة وسلامة أراضيها"، مع التشديد على خصوصيّة الوضع الداخليّ وحساسيّته.
وفي واشنطن، التقى قائد الجيش رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركيّة الجنرال Dan Caine، كما استهلّ زيارته بلقاءاتٍ في مقرّ قيادة المنطقة المركزيّة في Tampa شملت قائد القيادة المركزيّة Admiral Charles B. Cooper ومسؤولين آخرين، حيث حضرت ملفّات الحدود الجنوبيّة وآليّات التنسيق ومواجهة التهديدات.
البيان نفسه نقل إشادةً أميركيّةً بدور الجيش في جنوب الليطاني بوصفه "المؤسّسة الضامنة للأمن والاستقرار في لبنان"، مع تأكيد مواصلة الدعم وتأمين المتطلبات اللازمة لإنجاز المهامّ على كامل الأراضي اللبنانيّة.
... وأسئلةٌ محرجةٌ
لكن تحت هذا السقف الإيجابيّ، ظهرت مقاربات تتعلق بملف حزب الله. فقد كتب مدير التحالف الأميركيّ الشرق أوسطيّ للديمقراطيّة وعضو الحزب الجمهوريّ توم حرب على منصّة "أكس": "من أسباب فشل زيارة قائد الجيش اللبنانيّ لواشنطن: خلال زيارته واشنطن، واجه العماد رودولف هيكل تحدّياتٍ كبيرةً، إذ رافقه العميد سهيل بهيج حرب، رئيس الاستخبارات في الجنوب والعضو في آليّة الميكانيزم"، وأضاف أنّ العميد "يواجه اتّهاماتٍ بتسريب معلوماتٍ إلى حزب الله، وقد تم إدراجه من قبل النائب غريغ ستيوبي ضمن مشروع قانون “PAGER Act” لفرض عقوباتٍ عليه". ثم سأل: "لماذا رافقه العميد حرب تحديدًا؟ هل كان ذلك قرارًا لإظهار موقفٍ معيّن؟"، مع الإشارة إلى أنّ الجانب الأميركيّ "امتنع عن مشاركة أيّ معلوماتٍ مع الوفد اللبنانيّ".
وفي السياق نفسه، برز تصريح السيناتور الأميركيّ ليندسي غراهام الذي قال إنّه عقد اجتماعًا "قصيرًا جدًّا" مع هيكل، مضيفًا: "سألته مباشرةً إن كان يعتقد أنّ حزب الله منظّمةٌ إرهابيّةٌ. فأجاب: لا، ليس في سياق لبنان، عندها أنهيت الاجتماع". غراهام شدّد على أنّ حزب الله "بلا شكٍّ منظّمةٌ إرهابيّةٌ"، واعتبر أنّ "أيدي حزب الله ملطّخةٌ بدماء الأميركيّين"، مؤكّدًا أنّ تصنيفه "منظّمةً إرهابيّةً أجنبيّةً" قائمٌ منذ 1997، ومطلقًا خلاصةً سياسيّةً قاسيةً: طالما استمرّ هذا الموقف "فلا أعتقد أنّنا نملك شريكًا موثوقًا به".
لقاءات الوزير الفرنسيّ : شرط "احتكار السلاح"
في بيروت، قال وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان نويل بارو بعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري إنّ الاجتماع "كان ناجحًا جدًّا وسار بشكلٍ جيّدٍ"، وجرى البحث في تطوّرات الأوضاع والتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش اللبنانيّ وقوى الأمن الداخليّ في باريس في 5 آذار، إضافةً إلى العلاقات الثنائيّة.وفي السراي الحكوميّ، استقبل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام بارو والوفد المرافق بحضور السفير الفرنسيّ هيرفيه ماغرو، وتمّ البحث في التحضيرات للمؤتمر والأوضاع في المنطقة، على أن يلتقي بارو وزير الخارجيّة يوسف رجّي.
أمّا الرسالة الأوضح فجاءت في مواقف نقلتها وكالة فرانس برس قبيل توجّه بارو إلى بيروت، إذ شدّد على ضرورة "تزويد الجيش اللبنانيّ بإمكاناتٍ لاستكمال نزع سلاح حزب الله"، مؤكّدًا أنّ رؤية فرنسا للبنان تقوم على أن يكون "دولةً قويّةً وذات سيادةٍ، تمتلك احتكار السلاح". السفارة الفرنسيّة أعلنت أنّ الزيارة تمتدّ يومي الجمعة 6 والسبت 7 شباط 2026 ضمن جولةٍ إقليميّةٍ، لإعادة تأكيد دعم باريس لسيادة لبنان واحترام اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني 2024، ودعم قرارات السلطات اللبنانيّة لاستعادة حصر السلاح في يد الدولة.
وبحسب أجواء البيان، تحمل الزيارة أيضًا بعدًا وقائيًّا في ظلّ التصعيد الإسرائيليّ المتواصل، مع تحذيرٍ من انغماس حزب الله في أيّ مواجهةٍ بين الولايات المتحدة وإيران بالتزامن مع مفاوضاتٍ مرتقبةٍ بين واشنطن وطهران، أي إنّ باريس لا تكتفي بدعم الجيش، بل تسعى أيضًا إلى "تبريد" الساحة اللبنانيّة قبل أن تصبح ساحة تصفية حساباتٍ.
اتفاق نقل السجناء بين لبنان وسوريا: بوّابةٌ سياسيّةٌ
على خطٍّ موازٍ، وقّع لبنان وسوريا اتفاقًا لنقل السجناء السوريّين المحكومين في السجون اللبنانيّة إلى بلدهم. نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري أعلن من السراي الحكوميّ توقيع اتّفاقيّةٍ "لنقل السجناء المحكومين السوريّين إلى بلدهم"، تشمل نقل نحو 300 محكومٍ سوريٍّ إلى سوريا، مؤكّدًا أنّها "ثمرة جهدٍ وتعبيرٌ عن إرادةٍ سياسيّةٍ مشتركةٍ" تقوم على "الثقة والاحترام المتبادل".
متري أشار إلى أنّ الاتفاق أقرّ في مجلس الوزراء بإجماع الأعضاء وسيبدأ تنفيذه "منذ صباح الغد"، مضيفًا: "كلّ ما هو خيرٌ للبنان هو خيرٌ لسوريا، والعكس صحيحٌ"، واعتبرها "أوّل خطوةٍ" لمعالجة ملفّ السجناء السوريّين. وحضر التوقيع رئيس الحكومة نواف سلام ووزير العدل السوريّ مظهر الويس ووزير العدل اللبنانيّ عادل نصّار ووفدٌ رسميٌّ سوريٌّ.
الوزير الويس وصف الملفّ بأنّه "معقّدٌ ولا يمكن معالجته باتفاقٍ واحدٍ شاملٍ"، لكنّه اعتبر الخطوة "مهمّةً على طريق العدالة" وتشكّل أساسًا للعمل المشترك، مؤكّدًا وجود "إرادةٍ سياسيّةٍ حقيقيّةٍ" وخطّةٍ زمنيّةٍ لمعالجة ملفّات من لم يشملهم الاتفاق وفق الأطر القانونيّة.
عمليًّا، لا ينفصل الاتفاق عن سياقٍ أوسع: إعادة تنظيم قنوات التواصل بين بيروت ودمشق على قاعدة المصالح المباشرة، وتخفيف ضغط ملفٍّ قضائيٍّ شائكٍ كان قد شهد تحرّكاتٍ واحتجاجاتٍ وإضراباتٍ عن الطعام، في محاولةٍ لدفع الحكومة اللبنانيّة إلى مخرجٍ قانونيٍّ قابلٍ للتنفيذ.
اليوم الدبلوماسيّ الطويل في بيروت لم يكن مجرّد ازدحام مواعيد، بل إعادة رسمٍ للأولويّات: جيشٌ يُطلب دعمُه سريعًا، سلاحٌ يُبحث عن طريقة لحصره تدريجيًّا، وهدنةٌ داخليّةٌ يُطلب صونُها حتّى لا تتحوّل الدولة إلى مشروع صدامٍ. وبين واشنطن التي تتمسك بشروطها إزاء سلاح حزب الله، وباريس التي تربط الدعم بشرط "احتكار هذا السلاح"، والخماسيّة التي تحاول إدارة الإيقاع، يبقى العامل الحاسم محلّيًّا: هل تنجح السلطة في تحويل الاستنفار الخارجيّ إلى رافعة للدولة، لا إلى وصايةٍ جديدةٍ أو انقسامٍ جديدٍ؟




