كل الأنظار تتجه نحو واشنطن. جولة المفاوضات مع إيران لا تلغي فرضية الحرب عليها. في خضمّ الانشغال بإيران، تبدي الولايات المتحدة اهتمامًا بلبنان. انطلاقًا من موقعه ودوره، تريد تحييده عما ستشهده المنطقة. وتولي اهتمامًا بالمؤسسة العسكرية، عكسته خلال زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، حيث برز تأكيد على دور الجيش في جنوب لبنان، ولا سيما مع قرب انتهاء عمل قوات اليونيفيل في جنوب لبنان. لكن الايجابية تجاه الجيس لم تلغي إصرار الولايات المتحدة على رفض سلاح حزب الله ورهن المساعدات بنزع السلاح. وقد كان لافتاً أن بيان الخارجية لم يتضمن عبارات الدعم على النحو المفترض.
زيارة أولى لقائد الجيش رودولف هيكل يمكن البناء عليها، أو ربما يصح القول إنها ستكون مفصلية لاعتبارات عدة، لكونها تسبق مؤتمر دعم الجيش المزمع عقده في باريس في الخامس من آذار المقبل، وتتزامن مع انتهاء مهام الجيش بحصر السلاح جنوب الليطاني والانتقال إلى شمال الليطاني. وخلال استقباله رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، تركز البحث على عمل الجيش شمال الليطاني.
توزّع البحث بين وجهتي نظر: واحدة رسمية تتمنى لو يستكمل الجيش مهامه بالتعاون مع حزب الله، وثانية لحزب الله لا تعتبر أن شمال الليطاني قد أدرج في أي اتفاق.
وتقول المعلومات إن الجيش سبق أن بحث مع الحزب إمكان أن تسري مرونته شمال الليطاني بالشكل الذي انطبق على جنوبه، وتسليم مخازن الأسلحة، فربط الحزب أي خطوة بخطوة مقابلة من قبل إسرائيل، وأنه يجب الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها، ليُبنى على الخطوة مقتضاها.
وفي الزيارة عينها، فضل الطرفان انتظار ما سيرشح عن زيارة قائد الجيش ولقاءاته بشأن مدى تفهّم الإدارة الأميركية لعمل الجيش والخطوات التي أنجزها بخصوص حصر السلاح. حمل رودولف هيكل ما يكفي من وثائق ومستندات توثّق عمل قيادة المؤسسة العسكرية. وبالتنسيق مع رئيس الجمهورية، هندس زيارته واتفق على جدول أعمالها.
كان كل ما رشح من معطيات، يفيد أن المسؤولين في الإدارة الأميركية خصّصوا لهيكل زيارة ردّ اعتبار. وقالت مصادر دبلوماسية إن زيارة هيكل ناجحة جدًا، بدليل اللقاءات والاجتماعات التي عقدها مع مسؤولين على أعلى المستويات، سواء في البيت الأبيض أو وزارة الخارجية أو في الكونغرس الأميركي، حيث التقى رؤساء اللجان المهتمة بشؤون الجيش، والذين سبق أن أدلوا بدلوهم حول المساعدات للجيش.
شرح هيكل بالتفصيل الخطوات التي أنجزها الجيش ولا يزال في جنوب لبنان، وكيف استطاع بسط حضوره جنوب الليطاني على امتداد القرى الأمامية، باستثناء المواقع التي لا تزال محتلة من قبل إسرائيل، والتي أخّرت إنجاز خطة جنوب الليطاني بكاملها. كما شرح المرحلة الثانية من خطته شمال الليطاني وحساسيتها، حيث إن الجيش يتجنّب التصادم مع المواطنين أو مع حزب الله، وأن استكماله مهامه يستوجب انسحابًا إسرائيليًا ووقف الخروقات الإسرائيلية.
أكدت المصادر المواكبة لزيارة هيكل أن المسؤولين أبدوا تفهّمًا لشروحات الجيش وحاجاته للدعم لاستكمال القيام بخطواته. وتقول إن هيكل لم يلمس أجواء سلبية، بل لمس تفهّماً واقتناعاً بالطرح اللبناني بضرورة دعم الجيش ليتمكن من إنجاز المهام المطلوبة منه وإحكام سيطرته على امتداد لبنان. . وأفادت المعلومات أن لجنة الاعتمادات المالية تناقش إمكانية تخصيص 300 مليون دولار للجيش اللبناني
لكن تفهّم وجهة النظر اللبنانية لا يُلغي وجود إصرار أميركي على استكمال حصرية السلاح بيد الدولة، وأن ينتشر عناصره على كامل الأراضي اللبنانية، وأن مساعدة الجيش لا تزال مرهونة باستكمال مهامه.
وفي ما يتعلق بملف لبنان ومن سيتسلمه بعد مورغان أورتاغوس، أكدت المصادر الدبلوماسية أن لبنان تبلّغ رسميًا أن سفير أميركا في لبنان، ميشال عيسى، سيتولى الملف بتفاصيله، وسيمثّل بلاده في اجتماعات الميكانيزم التي ستستكمل عملها، بغضّ النظر عمّا إذا كانت ستقتصر على عسكريين أو بمشاركة المندوبين المدنيين، ففي الحالين سيكون عيسى على تنسيق وتواصل مستمرّين معها.
ورغم الاهتمام الأميركي بزيارة هيكل، فإن المواكبين لمسوا أن الوضع في إيران موضع ترقّب، وسط تقديرات تؤكد أن الضربة الأميركية لإيران ستحصل لا محالة، وهذا معطى سيعيد خلط الأوراق في منطقة الشرق الأوسط، التي ستشهد تغيّرات جوهرية، وأن ما يهم الولايات المتحدة هو التأكيد على دور لبنان وحمايته. فهل يعني ذلك رهانًا أميركيًا على المتغيرات لتأمين سحب سلاح الحزب بصورة نهائية؟
لم يلمس هيكل سلبية أميركية، بل تفهمًا، وقد ركّزت زيارته على الجانب العسكري أكثر منه السياسي، فاحتل ملف احتياجات الجيش صدارة البحث، بالنظر إلى الدور المطلوب منه، ولمس استحسانًا وارتياحًا لهذا الدور، ووعدوا بمحاولة العمل على تأمين انسحاب إسرائيل ووقف خروقاتها، لتأمين الاستقرار في لبنان.
لكن الايجابية اللبنانية لم تنعكس في بيان وزارة الخارجية التي أكدت "أن نزع سلاح الفصائل المسلحة لإيران وتعزيز السلام في الشرق الأوسط يعد من العناصر الأساسية في أجندة الرئيس الأميركي. وأضافت: لقد التقى اليوم رئيس مكتب شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأميركية روبرت بالادينو، قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل لمواصلة المباحثات حول دعم الولايات المتحدة لجهود لبنان الرامية إلى تفكيك الجهات الفاعلة غير الحكومية كافة".
غراهام ينسحب من الاجتماع
أما السيناتور الأميركي ليندسي غراهام فقد كان أكثر فجاجة في موقفه إذ كتب تغريدة مفادها: "عقدتُ للتو اجتماعًا قصيرًا جدًا مع رئيس أركان الدفاع اللبناني، اللواء رودولف هيكل. سألته مباشرةً إن كان يعتقد أن حزب الله منظمة إرهابية. فأجاب: "لا، ليس في سياق لبنان". عندها أنهيتُ الاجتماع.
إنهم بلا شك منظمة إرهابية. أيدي حزب الله ملطخة بدماء الأميركيين. اسألوا مشاة البحرية الأميركية. صُنِّفوا كمنظمة إرهابية أجنبية من قِبَل الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء منذ عام ١٩٩٧ - ولسبب وجيه. طالما استمر هذا الموقف من جانب القوات المسلحة اللبنانية، فلا أعتقد أننا نملك شريكًا موثوقًا به. لقد سئمتُ من ازدواجية الخطاب في الشرق الأوسط. فالأمر جلل.
لكن مصادر دبلوماسية مواكبة للزيارة قالت إن غراهام قال ما قاله وقد بدا عليه التعب وكان دائم السعال في الاجتماع فاضطر إلى المغادرة، لتؤكد أن ما قيل وإن كان مبالغاً به فلن يؤثر على سير الاجتماعات والإيجابية التي سادت في سائر الاجتماعات.
