لم يكن تصريح الأمين العام لحزب الله بأن حزبه، وبالتالي جمهوره، لن يكون على الحياد في حال اندلاع حرب بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران مجرّد موقف سياسي مرتجل، ولا زلّة لسان في لحظة توتّر إقليمي؛ بل هو إعلان ذو دلالات خطيرة، لأنه يطرح، مرة جديدة وبصورة فجّة، سؤالًا تأسيسيًا لا يبدو أنه حُسِم بعد في لبنان: مَن يملك حق اتخاذ قرار الحرب والسلم؟ الدولة أم حزب؟ الشعب ممثَّلا ببرلمان مُنتخَب، أم جماعة واحدة باسم التزامها العقائدي؟
الخطورة لا تكمن فقط في مضمون الموقف، بل في الجهة التي يصدر عنها. فنحن لا نتحدث عن دولة أعلنت اصطفافها في نزاع دولي، بل عن حزب سياسي–عسكري، مهما بلغت قوته أو شعبيته داخل بيئته، يبقى حزبًا في بلد متعدّد الطوائف والتيارات والانتماءات. ومع ذلك، يتصرّف كما لو أنه صاحب القرار السيادي الأعلى، لمجرّد أنه لا يزال حاملًا للسلاح دون سواه، وكأن بقية اللبنانيين، بمؤسساتهم وخياراتهم ومخاوفهم، مجرّد هامش ضئيل غير ذي شأن.
ميليشيا داخل دولة.. بديلة عنها
فلبنان، على علّات نظامه، لم ينشأ كدولة أحادية طائفيًا أو أيديولوجيًا. بل قام على دستور ينظم التعدّد ضمن صيغة تحاول منع غلبة فئة على أخرى. هذه الصيغة، مهما شُوّهت أو أُسيء استخدامها، لا تزال تحمي الدولة وتجنّبها الانفجار. واتفاق الطائف، الذي سعى إلى إعادة تنظيم الحياة السياسية بعد الحرب الأهلية، كان واضحًا في منطلقه الأساسي: تسليم كل سلاح غير شرعي إلى الدولة، بوصف ذلك شرطًا لازمًا لإنهاء الحرب واستعادة السيادة.
من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار إعلان حزب ما عدم الحياد في حرب إقليمية كبرى مجرّد "موقف سياسي" يندرج تحت بند حرية الرأي والعقيدة التي يكفلها الدستور؛ بل هو تجاوز مباشر لفكرة الدولة نفسها، ومصادرة فاضحة لحق بقية اللبنانيين في تقرير مصيرهم. فقرار كهذا لا يعبّر عن إجماع وطني، ولا يصدر عن مجلس وزراء أو برلمان، ولا يخضع لأي مساءلة ديمقراطية. إنه قرار فوقي، أحادي، يفرض نفسه بقوة السلاح والواقع الشاذ. وكأننا لم نتعظ من مغامرة "إسناد غزة" وما جرّته على لبنان من ويلات؛ وكأن ما تمخّض عنها ليس كافيًا لتذكيرنا جميعًا، بأن كلفة الحروب لا تُدفع بالشعارات والخطابات، بل بعدد الضحايا الهائل والمنازل المهدّمة، والقرى المنكوبة والمهجَّر سكّانها.
من حرية الاعتقاد إلى التوكيل
في الواقع، لا يمكن فصل هذا الموقف عن الخلفية العقائدية التي يعلنها "حزب الله" صراحة منذ تأسيسه. وعندما جاهر أمينه العام السابق السيد حسن نصر الله بالقول: "نحن جنود في ولاية الفقيه"، لم يكن يطلق شعارًا تعبويًا، بل كان يحدّد بوضوح طبيعة العلاقة بين الحزب ومرجعيته العليا في إيران. فولاية الفقيه، في هذا السياق، ليست مجرد مرجعية دينية أو فقهية، بل نظرية حكم وسلطة سياسية مطلقة، تُلزم أتباعها بالطاعة في الشأن العام كما في الشأن الخاص، وتحوّل الالتزام العقائدي إلى التزام سياسي مُحكم.
المشكلة هنا لا تتعلق بحرية الاعتقاد بل بتحويل العقيدة إلى توكيل سياسي مفتوح، وإلى مصدر قرار أعلى من الدستور والقانون. والأخطر أنه من خارج الحدود. هنا يصبح الالتزام السياسي مرادفًا للالتزام الديني، ويُعفى الموقف من المساءلة أو الاعتراض لأنه مغطّى بقداسة دينية مزعومة.
شيعة لبنان ليسوا كتلة واحدة
من الضروري هنا، وقد تجاوزت المغامرة الحدود اللبنانية ولم تعد ادعاءَ دفاعٍ عن أرض محتلة، تفكيك المزاعم بأن هذا الخيار يمثّل الطائفة الشيعية بالإجمال. فشيعة لبنان ليسوا كتلة واحدة، وليسوا جمهورًا عقائديًا موحّدًا ملتزمًا بالكامل بولاية الفقيه أو خاضعًا سياسيًا لإيران. يكفي التذكير بأن "حركة أمل"، الشريك الأساسي لحزب الله في ما يُعرف بـ"الثنائي الشيعي"، لا تتبنّى ولاية الفقيه ولا تعتبر نفسها تابعة سياسيًا ولا حتى دينيًا لها، على الرغم من علاقاتها السياسية المتينة مع طهران.
إلى جانب ذلك، هناك شريحة وازنة من الشيعة المستقلّين، مثقفين وناشطين ورجال دين وسياسة وإعلام، يرفضون هذا المسار علنًا أو ضمنيًا، ودفع بعضهم أثمانًا فادحة لمواقفه. وليس اغتيال الباحث والناشط لقمان سليم إلا المثال الأبرز والأحدث والأكثر دلالة على كلفة الاعتراض الباهظة داخل البيئة نفسها. إن اعتبار موقف حزب الله هو "موقف الطائفة"، من قبل الدولة أو غيرها، هو "خيانة" لكل هؤلاء ومصادرة لحقهم في الاختلاف.
غش بكلفة عالية
الدولة اللبنانية، رسميًا، أعلنت أنها استعادت احتكارها لقرار الحرب والسلم، حتى وإن لم تنجح بعد في بسط سيطرتها الميدانية الكاملة. هذه الرواية التي تسوّقها للمجتمَعين العربي والدولي، بأنها نفّذت ما عليها بموجب اتفاق وقف العمليات العسكرية الملحق بالقرار 1701، سقطت عمليًا مع تهديد أمين عام الحزب.
لقد كشف هذا الإعلان هشاشة الادعاء الرسمي، وأكد أن قرار الحرب ليس فقط لا يزال خارجها وإنما خارج حدودها أيضًا. ومع ذلك، تدفن الدولة رأسها في الرمال: لا ردّ، لا موقف، لا مساءلة، ولا حتى اعتراض لفظي. مجرّد تجاهل وتأتأة وتكرار لخطاب مجوّف على أرضية مختلفة، يترك لبنان في مهبّ المخاطر الكارثية.. ولا يصدّقه أحد.
دولة "تقبض" نفسها؟
لا يمكن إنقاذ لبنان من هذا المأزق إلا بإعادة الاعتبار الجدي للدولة؛ لا كشعار ولا كواجهة تفاوضية، بل كسلطة فعلية. إن بسط سلطة الدولة واحتكارها للسلاح ليسا استهدافًا لطائفة أو استفزازًا لشريحة منها ولا عداءً لعقيدة، بل هما شرط أساسي لحماية الجميع، وفي مقدّمهم المواطنون الشيعة الذين يدفعون، بحكم الجغرافيا والواقع، الكلفة الأعلى لأي مغامرة.
لكن ذلك يفترض أولًا أن "تقبض الدولة نفسها"، وأن تصدّق أنها دولة فعلًا؛ وأن تحزم أمرها على الأقل سياسيًا وإعلاميًا، وأن تتوقف عن تمييع المواقف وتدوير الزوايا في لحظات مصيرية. فالصمت الرسمي أمام إعلان حزب مسلّح استعداده لجرّ لبنان إلى حرب جديدة ليس سياسة حكيمة، بل إقرار واضح بالعجز وتفريط فاضح بالمسؤولية.
مقياس الوهم
في الدول الطبيعية، قرار الحرب والسلم هو التعبير الأوضح عن السيادة. أما في لبنان، فقد تحوّل هذا القرار إلى معيار لقياس حجم الوهم السياسي؛ فكلما أعلنت السلطة أنها استعادته، يأتي الواقع ليؤكد العكس. لقد شكّل تصريح نعيم قاسم لحظة تعرية كاملة: حزب يعلن عدم تنازله عن قرار الحرب، ودولة تكتفي بفرك اليدين وإدارة تداعيات القرار.
المشكلة، في نهاية الأمر، ليست في تعدّد الولاءات العاطفية أو العقائدية، فهذه سمة طبيعية في المجتمعات المتنوعة. المشكلة أن لبنان لا يزال عاجزًا عن تثبيت مرجعية وطنية نهائية فوق الجميع، تمنع الخلط بين العقيدة الدينية والسياسة، وبين التعاطف والتورّط في الحروب. ومن دون هذه المرجعية، لن يكون لبنان إلا بلدًا يعيش على حافة حروب دائمة.. من أجل الآخرين!




