في لحظة سياسية وقضائية بالغة الدلالة، وقّع لبنان وسوريا، اليوم في السراي الحكومي في بيروت، الاتفاقية القضائية الخاصة بنقل المحكومين السوريين من لبنان إلى سوريا. خطوة طال انتظارها، ليس لأنها تشكل حلاً لأحد الملفات العالقة بين البلدين، بل لأنها تضع العلاقة بين البلدين، ولأول مرة على سكة قانونية واضحة، بعد سنوات من الفوضى والتأجيل والتسييس.
الاتفاقية، التي وُقّعت بحضور رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام، ووزير العدل السوري مظهر الويس، ونائب رئيس الحكومة طارق متري، ووزير العدل اللبناني عادل نصّار، إلى جانب وفد رسمي سوري، لا يمكن قراءتها كإجراء إداري فحسب. فهي تشكّل أول إطار عملي لتنظيم العلاقة القضائية بين لبنان وسوريا في مرحلة ما بعد التحوّلات الكبرى التي شهدتها دمشق، وتفتح الباب أمام مقاربة مختلفة لملف السجناء السوريين في السجون اللبنانية، وهو ملف لطالما بقي عالقًا بين حساسيات أمنية، وحسابات سياسية، وعجز قضائي مزمن.
من الاجتماعات إلى التوقيع
لم يأتِ التوقيع من فراغ. فالعمل على هذه الاتفاقية استغرق أشهرًا من الاجتماعات التقنية والقانونية، تُوّجت بستة اجتماعات متتالية للجنة مشتركة ترأّسها وزيرا العدل في البلدين. اجتماعات انتهت إلى صيغة قانونية واضحة تقضي بنقل المحكوم من بلد صدور الحكم إلى بلده الأصلي، شرط موافقته الخطية على استكمال تنفيذ العقوبة في سوريا. وبموجب الاتفاق، تدخل الآلية حيّز التنفيذ فور التوقيع عليها ونشرها في الجريدة الرسمية، من دون الحاجة إلى مسارات إضافية معقّدة.
وتنص الاتفاقية على تنفيذ عمليات التسليم ضمن مهلة زمنية أقصاها ثلاثة أشهر، على أن تتم عمليات النقل على دفعات، سواء بشكل جماعي أو فردي، بالتوازي مع استكمال ملفات باقي الموقوفين السوريين في لبنان، والذين يُقدَّر عددهم بنحو 2500 موقوف لم تصدر بحقهم أحكام نهائية بعد. وهو رقم يعكس حجم التعقيد القضائي والإنساني الذي راكمته السنوات الماضية داخل السجون اللبنانية.
يشمل الاتفاق الحالي نحو 300 محكوم، معظمهم أمضوا أكثر من عشر سنوات خلف القضبان في لبنان. أما العدد الأكبر، فيتكوّن من موقوفين لا تزال ملفاتهم عالقة أمام القضاء، بين تأخير في البتّ، ونقص في الإمكانات، وتداخل بين الأمني والقضائي. هنا، يقرّ وزير العدل السوري مظهر الويس بأن الملف "معقّد ولا يمكن معالجته باتفاق واحد شامل"، لكنه يشكّل، وفق تعبيره، "خطوة مهمّة على طريق العدالة لمعالجة أوضاع المحكومين، وأساسًا لعمل مشترك مستقبلي" بين البلدين.
خطاب سياسي بلغة جديدة
ما ميّز لحظة التوقيع لم يكن مضمون الاتفاقية وحده، بل اللغة السياسية التي رافقتها. نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري لم يُخفِ البعد السياسي للحدث، معتبرًا أن الاتفاق "ثمرة جهد وتعبير عن إرادة سياسية مشتركة تقول إن العلاقات اللبنانية-السورية يجب أن تقوم على الثقة والاحترام المتبادل". عبارة تختصر، بحدّ ذاتها، محاولة رسم مسافة مع إرث طويل من علاقات غير متكافئة، ومقاربات قسرية، وملفات فُرضت بالقوة لا بالقانون.
وأضاف متري أن البلدين "أمام فرصة حقيقية لإقامة علاقات تختلف تمامًا عمّا كانت عليه في الماضي"، كاشفا أن اتفاقا آخر سيُوقّع لاحقًا ويتعلّق بالموقوفين السوريين، في إشارة واضحة إلى أن ما جرى اليوم ليس نهاية المسار، بل بدايته، وأن المرحلة المقبلة ستشهد مقاربة أوسع وأدقّ لهذا الملف الشائك.
من جهته، شدّد وزير العدل السوري على أن ما تحقق "ثمرة تعاون بنّاء يجسّد عمق العلاقات الأخوية بين سوريا ولبنان وحرص الجانبين على تعزيزها وتطويرها"، كاشفًا أن العمل جارٍ على إعداد خطة زمنية لمعالجة ملفات الموقوفين الذين لم يشملهم الاتفاق الحالي، بما في ذلك من وصفهم بـ"المفقودين" الذين أمضوا فترات طويلة في السجون، من دون أفق واضح لمصيرهم.
بين العدالة والسياسة
عمليًا، لا تحلّ هذه الاتفاقية كل الإشكاليات المرتبطة بملف السجناء السوريين في لبنان، لكنها تنقل النقاش من منطق الشعارات والبيانات إلى منطق النصوص القانونية والآليات التنفيذية. وهي، بهذا المعنى، تخرج ملفًا بالغ الحساسية من دائرة الاستثمار السياسي والأمني، وتعيده إلى مكانه الطبيعي: القضاء، والحقوق، وكرامة الإنسان.
في بلدين أنهكتهما الحروب، والأزمات، وتداخل الملفات، قد يبدو اتفاقاً كهذا تفصيلًا تقنيًا في روزنامة حكومية مزدحمة. لكنّه، في جوهره، اختبارٌ فعلي لإمكانية بناء علاقة جديدة بين بيروت ودمشق، علاقة أقلّ التباسًا، وأكثر وضوحًا، تبدأ من السجون… ولا تنتهي عندها.




